Navigation

اليسار بين محاولات التوحد ونوازع الإفتراق

مشهد لأحد الأحياء العشوائية القريبة من الدار البيضاء، التي صوت فيها أغلب الناخبين لفائدة المرشحين الإسلاميين في انتخابات 2002 Keystone Archive

تظلل هذه الأيام روح التوحد تيارات اليسار المغربي بعد عقود من الانشقاقات والتشتت..

هذا المحتوى تم نشره يوم 30 سبتمبر 2005 - 08:28 يوليو,

ولم يتضح بعد إن كانت هذه الروح سوف تترسخ لتُـصبح النموذج السائد والدائم، أم أنها مجرد هبة ستتبدد مع تبدد حسابات أطراف هذا التوحد قبل رسوخه.

يوم السبت 24 سبتمبر الماضي، اختتم المؤتمر الإندماجي لحزب اليسار الإشتراكي الموحّـد وتيار الوفاء للديمقراطية، دون أن يتّـخذ من الخطوات العملية ما يشير إلى ان الطرفين تجاوزا تماما سنوات العمل التنظيمي الإتحادي وأنهما يتجهان بلا رجعة نحو التوحّـد والإندماج.

وفي شهر نوفمبر القادم يعقِـد الحزب الإشتراكي الديمقراطي مؤتمرا إستثنائيا لإعلان حل نفسه، والاندماج بالاتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، بعد تأجيل استمر عدّة أسابيع، كانت ضرورية لإزالة صعوبات تعترض قرار مكتبه السياسي.

وروح التوحّـد التي تظلل اليسار المغربي هذه الأيام، لم تطُـل برأسها للمرة الأولى على المشهد السياسي المغربي، إذ شهدت بداية التسعينات دفعة قوية من خلال قيام "الكتلة الديمقراطية" التي ضمت خمسة أحزاب، حركت مياه الحياة السياسية المغربية، ومهّـدت لجديد عرفه المغرب عام 1998، تمثل في تولّـى اليسار للمرة الأولى تدبير الشأن العام في المملكة بعد ثمانية وثلاثين عاما من المعارضة والمواجهة مع النظام، التي اتخذت في كثير من الأحيان شكلا دمويا.

اليسار المغربي .. في الحكم وخارجه

كانت الكُـتلة الديمقراطية التي ضمت منذ 1992 الاتحاد الإشتراكي وحزب الإستقلال وحزب التقدم الإشتراكي، ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي، والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، شكلا من أشكال التنسيق والتحالف المتقدم، لكنها لم تصل ولن تطمح أصلا لدمج مكوّناتها، بل أكثر من ذلك، عرفت هذه المكوِّنات خلال السنوات التي تلت قيامها، تضعضع صفوفها ووصل بعضها إلى حالة سيئة من الإنقسام والإنفصال.

في عام 1996، انشق كادر أساسي عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، وكوّن الحزب الإشتراكي الديمقراطي, وفي عام 1997، انشق تيار عن حزب التقدم والإشتراكية، وشكل جبهة القوى الديمقراطية، وفي عام 2001، خرج كادر من الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية، وأسس المؤتمر الوطني الاتحادي، وآخر شكل تيار الوفاء للديمقراطية.

لم تكن تلك الإنشقاقات وليدة خلاف فكري أو سياسي يستدعي الانشقاق، لكن ضيق صدر أطراف هذه الأحزاب دفعت إليها الأقوى، وفيما أرادت الأغلبية الإرتياح من "مشاغبين"، استحْـلَـت الأقلية واستسهلت تشكيل حزب جديد يُـشبع رغبات بعضها بحمل ألقاب وصفات قيادية لم تتسنّ لها في حزب كبير.

هذه الحالة استنفدت الطاقات على مدى السنوات الماضية، وأدت إلى الوهن الذي أصاب صفوف أطياف اليسار المغربي، ودفع التطور الديمقراطي ثمنا باهظا لهذه الحالة.

وإذا كانت السلطة قد انتهجت سياسة الحياد في انتخابات 1997 و2002، فإن حركية التيارات الأصولية والفساد الإنتخابي المتمثل في استخدام المال في شراء الأصوات، حرم اليسار المغربي من تحقيق أغلبية نيابية كانت مضمونة له في تلك المواعيد الإنتخابية لو جرت في المراحل السابقة، ولو اتسمت بحد أدنى من الديمقراطية، كونه كان مهيمنا على الشارع المغربي.

وفي نهاية التسعينات، أعلن عن تقارب بين حزب التقدم والإشتراكية، والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وشكّـل الحزبان فريقا برلمانيا موحّـدا، وأعلنا عن رغبتهما في الإندماج بخطوات مدروسة، لكن الرغبة لم تتحقق، وإن استمر للحزبين فريق برلماني واحد، وبدا للحزب الاشتراكي أن الاتحاد الاشتراكي أقرب إليه، فقلص من تنسيقه مع حزب التقدم وأعلن عن الاندماج مع الاتحاد.

وفي الوقت نفسه، كانت الأحزاب اليسارية الموجودة خارج الحكم، والمتشكلة من اليسار الراديكالي تذهب نحو التنسيق المتقدم فيما بينها، وقد نجح في إنجاز الاندماج بين تيارات راديكالية في منظمة العمل الديمقراطي، وشكّـلوا حزب اليسار الاشتراكي الموحد، واقترب تيار الوفاء للديمقراطية من الحزب الجديد ليعلن يوم 24 سبتمبر الماضي الاندماج في نفس الوقت الذي خرجت فيه تيارات من الحزب بعد أن وجدت صعوبات في الإستمرار في التعايش داخله مع التيارت الأخرى.

رهانات عام 2007

انبلاج روح الوحدة هذه لا يمكن تصورها بعيدا عن ما عرفته أوضاع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة بعد أن ظهر بوضوح زحْف التيارات الأصولية لتحتل نفس المكان الذي كانت التيارات اليسارية تحتله على مدى العقود الأربع التي تلت الاستقلال، إن كان نتيجة شيخوخة أحزاب اليسار وقياداتها أو التحولات التي عرفها العالم والإقليم، كما أنها ليست بعيدة عن استحقاقات عام 2007 وما يتداوله الفاعلون السياسيون حول مشروع قانون الأحزاب الجديد.

لقد كشفت استحقاقات عام 2002 التشريعية عن انسحاب اليسار المغربي لصالح التيارات الأصولية، من الأوساط والأحياء الشعبية، وحصر وجوده في المدن وإن كان هذا الوجود نفسه قد تقلّـص نسبيا.

وبما أن التشريعيات القادمة أصبحت على الأبواب (والتي على ضوء نتائجها سيتحدّد مصير كل الفاعلين في المشهد الحزبي المغربي)، فإن الناخب المغربي لن يواصل تعامله إيجابيا مع "شراذم وجماعات لا مبرر فكري وسياسي لوجودها مستقلة"، لذلك فإن مشروع القانون الانتخابي، وإن كان لم يُـحدَّد حتى الآن نسبة عدم التمثيل، (والتي يتجه النقاش نحو رفعها من 3% إلى 5 أو 7%)، سوف يقرر مصير عدد من الأحزاب التي ولدت أو استولدت لحسابات سياسية تمحورت أساسا في وجود رغبة لدى أطراف داخل السلطة لإضعاف الأحزاب الرئيسية في البلاد.

لا شك في أن المؤتمر الإندماجي لحزب اليسار الموحّـد، وتيار الوفاء للديمقراطية الذي اختتم أشغاله يوم 24 سبتمبر يمثل إشارة لحراك جديد (وإن جاء متأخرا) تعرفه الحياة السياسية المغربية في إطار مرحلة يتّـفق على كونها انتقالية، لكنها ليست إشارة كافية لتحديد ملامح هذا الجديد أو تأكيد وسمها به، بعد أن نجحت القوى التي وسمت مغرب محمد السادس في الحفاظ حتى الآن، على أوضاعها أو مكانتها فيه.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.