Navigation

انتقادات قاسية للدبلوماسية المغربية

لا زال الجدل قائما في المغرب حول الأسباب العميقة للنكسة الدبلوماسية التي مني بها مؤخرا Keystone

لم تشغل قراءة أسباب ودواعي ومبرّرات إعلان جنوب إفريقيا الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، المغاربة عن توجيه الأصابع لدبلوماسيتهم واتهامها بالتقصير.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 سبتمبر 2004 - 10:07 يوليو,

كما لم يتردد البعض في تحميلها جزءا من مسؤولية القرار الجنوب إفريقي الذي يصفه المغاربة بالمعادي.

أعلنت جنوب افريقيا يوم 15 سبتمبر الجاري اعترافها الرسمي والقانوني، وإقامة علاقات دبلوماسية مع الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية التي شكّـلتها جبهة البوليزاريو عام 1976 من طرف واحد.

وكانت الجمهورية الصحراوية قد حصلت منذ ذلك الوقت، وبدعم جزائري واضح، على اعتراف عشرات الدول من القارة الإفريقية وأمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية، وتأييد منظمات المجتمع المدني والنقابات في القارة الأوروبية التي حرصت، بشرقها وغربها، على تبنّـي سياسات رسمية لا تذهب بعيدا في تأييد هذا الطرف، حتى لا تقطع علاقتها مع ذلك الطرف الآخر.

مكاسب تاريخية

ومنذ ذلك الحين تحول الاعتراف بالجمهورية الصحراوية مقياسا للعلاقات مع المغرب، ولأن قضية الصحراء الغربية شكّـلت طوال السنوات الماضية محور حركة الدبلوماسية المغربية واحتلت رأس قائمة اهتمامها، كان الموقف من النزاع الصحراوي مسألة لا تقبل المساومة في العلاقات الدولية للمغرب.

وحين جاءت نهاية الثمانينيات، كان المغرب يعيش عزلة حقيقية. فبعد أن التحقت الجمهورية الصحراوية بمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1982، كان المغرب خارج المنظمة التي كان أحد مؤسسيها، وعلاقاته الثنائية مقطوعة مع الدول المحورية في حركة عدم الانحياز، مثل الهند ويوغسلافيا سابقا وعشرات الدول الأخرى.

في المقابل، كان المغرب المعزول عالميا بسبب النزاع الصحراوي، يلعب دورا ديناميكيا على الصعيد العربي والإسلامي، وقد تضافرت عوامل عدة من بينها غياب مصر بسبب اتفاقية كامب ديفيد، وانشغال العراق بحربه مع إيران ثم حصاره، وانشغال سوريا بالوضع اللبناني والفلسطيني، ووجود الملك الحسن الثاني بخبرته وحكمته، لتجعل المغرب الأقصى قِـبلة للعرب والمسلمين، وبالتالي، متحدثا باسمهم في المحافل الإقليمية والدولية. ومن خلال ذلك، ضمن عدم اقتراب الدول الكبرى من الملف الصحراوي، مما قد يهدد استقراره.

وحين نقل الحسن الثاني البلاد في موفى التسعينيات إلى مرحلة التناوب جـيّـر الرصيد الدولي لزعيم تاريخي بحجم عبد الرحمن اليوسفي ومكانة وعلاقات حزبه وحلفائه لحساب علاقات المغرب الإقليمية والدولية، وبذلك سحبت أو جمّـدت 22 دولة اعترافها بالجمهورية الصحراوية، وهو ما يُـوضع في الحسابات السياسية في قائمة المكاسب التاريخية.

تـبـدد الـمـكـاسـب

أما اليوم فإن إعلان جنوب إفريقيا الاعتراف بالجمهورية الصحراوية، الذي تلى إعلان فنزويلا أنها ستكون الناطق بلسان البوليزاريو، إضافة إلى تشكيل البرلمان الأوروبي لجنة متابعة إجراء الاستفتاء الصحراوي، واتهام جيمس بيكر، مبعوث الأمم المتحدة السابق للمغرب بعرقلة هذا الاستفتاء، جعل المكاسب تتبدّد نتيجة حسابات خاطئة، وعدم الاستفادة من لحظات لن تُـكرر، وكشف عن وهن وعجز تعيشه دبلوماسية أفراد جهازها على مستوى عال من الكفاءة، لكنهم يفتقدون الإدارة الفاعلة والقادرة على الاستفادة من هذه الكفاءات والخبرات.

إن ما تحقق للمغرب من مكاسب دبلوماسية منذ منتصف التسعينات، لم يكن نتاج ديناميكية دبلوماسيته، بل لأن الجزائر كانت مشغولة بعنفها الداخلي وبانخفاض أسعار النفط والغاز (المصدر الرئيسي لميزانيتها)، إضافة إلى أن تداعيات انهيار المعسكر الاشتراكي، وتفكك الاتحاد السوفياتي قد ألقت بظلالها على حلفاء موسكو في دول العالم الثالث الذين كانوا يشكّـلون أصدقاء الجزائر وشركاء موقفها في النزاع الصحراوي، وبدلا من أن تستثمر الدبلوماسية المغربية كل هذه الإنجازات، تركتها تسير على غير هدى.

لقد اعتبرت الدبلوماسية المغربية أن ما شهده العالم من تطورات سيُـجير لصالحها في النزاع الصحراوي. في حين، كان للدبلوماسية الجزائرية رصيد من العلاقات المبنية على المصالح المتبادلة حمى مكانتها وحكّـمها من الانهيار والانعزال، وسمح لها باستعادة المبادرة فور التقاط أنفاسها لأن الدبلوماسية المغربية لم تبن على ما منحته لها التطورات الدولية والإقليمية أية لبنة جديدة أو إضافية.

كما اعتمدت الدبلوماسية المغربية على أن العالم أصبح رهينة الولايات المتحدة الأمريكية، وكل ما عداها يكون داخل حسابها لا خارجه، واعتقدت بأنه كلما اقتربت دولة من واشنطن، كلما اقتربت دول العالم منها وأيدت قضاياها. لذلك ذهبت الدبلوماسية المغربية باتجاه منح واشنطن كل الأوراق، والتخلي عن كل الأوراق التي تُـزعجها أو تظن أنها تزعجها، حتى لو كانت هذه من الأوراق التي تدخل في حساب الدول ومكانتها لا عليها.

تحركات جزائرية

كان من السهل ملاحظة أن مدبري الدبلوماسية المغربية يسعون للابتعاد أو النأي عن الدول التي تناهض واشنطن أو تناكفها، حتى لو تبنّـت هذه الدول القضايا المغربية لدرجة التماهي، وكأنه ليس لواشنطن حساباتها ومصالحها الإقليمية، وكأنه ليس للدول حتى القريبة جدا منها حساباتها التي لا تنسجم أحيانا مع الحسابات الأمريكية، دون أن يودي بهما إلى القطيعة أو المواجهة، فلم تُـول هذه الدول اهتماما، بل خاطبتها أحيانا عبر واشنطن.

لذلك، لم تبذل الدبلوماسية المغربية جُـهدا يُـذكر لتطوير موقف دولة مؤيدة أو ثني دولة عن موقف مناهض لها. فجنوب إفريقيا مثلا، أعلنت منذ منتصف التسعينات عن مشروع قرارها الرامي للاعتراف بالجمهورية الصحراوية، واتخذت في كل مرحلة حجة لتأجيل هذا القرار. وحسب مصادر دبلوماسية مغربية، فإن أي مسؤول مغربي لم يُـبادر ويثير مع بريتوريا مسألة اعترافها هذا، وتبيان وجهة النظر المغربية وشرحها..

في الوقت نفسه قاطعت الفعاليات السياسية والحزبية المغربية نظيراتها في جنوب إفريقيا، ومع احتدام التنافس على احتضان مونديال 2010 خاصمتها وشنّـت عليها حملة قاسية مسّـت بمكانة دولة ولدت في مرجل النضال ضد التمييز العنصري، وكأن احتضان كأس العالم لكرة القدم يمثل نهاية الكون أو خاتمة العلاقات الدولية.

وفي الوقت الذي كان فيه المغرب مطمئنا لمكاسب يحققها، كانت جزائر عبد العزيز بوتفليقة (التي تزامنت مع جزائر القمة الإفريقية وعودة أسعار النفط والغاز إلى الإرتفاع إضافة إلى خمود العنف الأصولي) تعيد مد اذرعها في القارة الإفريقية ودول العالم الثالث، وتعيد تقديم نفسها في قمم السبعة الكبار، أما على الصعيد الإقليمي، فقد اتجهت لتأسيس محور أغنياء إفريقيا وحكمائها (جنوب إفريقيا- نيجيريا- الجزائر)، مستفيدة مما تمتلكه هذه الدول من إرث نضالي وثقافي، وإمكانيات اقتصادية وعلاقات دولية، لتشكل معها قائدا وموجها للقارة السمراء، وتتبنى معها مواقف موحدة تجاه قضاياها ومن ضمنها بطبيعة الحال قضية الصحراء الغربية.

فقدان المبادرة

وعلى الصعيد التدبيري للدبلوماسية المغربية، يقول المفكر والزعيم السياسي المغربي عبد الله إبراهيم، الذي تولّـى رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية بين 1958 و1960، "إن الدبلوماسية المغربية ضعيفة، لأنها محصورة في رأس واحد، أي أنها دبلوماسية شخصية وليست مؤسساتية".

فالعلاقات الخارجية المغربية مسؤولية محصورة في القصر الملكي، واعتُـبرت مع حكومة التناوب في عام 1998 من ضمن وزارت السيادة، أي من الحقائب التي يختار الملك شاغليها ويكون مرجعيتها، مما يُـفقد المسؤول الإداري الأول، (ومن ثم بقية المسؤولين كل حسب موقعه)، المبادرة فعلا في الحدود التي "يفهم" أن له حق التحرك في إطارها. لذلك - وحتى لا يرتكب خطأ يكون ثمنه باهظا على الصعيد الشخصي - يقلّـص هذه الحدود كثيرا في الممارسة.

وقد أثارت مكونات الفعل السياسي المغربي خلال الأيام الماضية، (وإن كانت قد أثارتها في أوقات سابقة)، قضية الخمول أو الجمود الدبلوماسي، ودعت إلى تنشيط الآلة الدبلوماسية المغربية مدعومة بدبلوماسية موازية ممثلة بالأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وهي مكونات مهمة في قضية الصحراء الغربية، هُـمِّش دورها لدرجة الاضمحلال، ولم يُـسمع صوتها إلا كصدى للموقف الرسمي.

أخيرا، قد يجد خصوم مدبري الدبلوماسية المغربية بالتأكيد من صفعة جنوب إفريقيا واعترافها بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية فرصة لتصفية حسابات قديمة أو حديثة، ومع أنهم يجدون في الأداء الدبلوماسي المغربي الكثير من الثغرات، إلا أنه يصعب فصل التدبير الدبلوماسي لدولة ما عن تدبير بقية الشؤون العامة للدولة.

محمود معروف – الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

تم إيقاف التعليقات بموجب هذه المقالة. يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.