تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بــوابــات الجحــــيـم

لا توجد أية مؤشرات على إمكانية استخدام أسلحة غير تقليدية في الحرب على العراق

(Keystone)

مع التوغل المتواصل للقوات الأمريكية في أنحاء مختلفة من العاصمة العراقية، بدت المقاومة العراقية مرتبكة في التعامل مع هذه التوغلات.

ويؤشر بعض الخبراء على أن هذا الارتباك قد يضع نهاية قريبة لمعركة بغداد بعد إنهاك القوات العراقية.

رغم عدم وجود مؤشرات على أن القوات العراقية قد تقدم على استخدام أسلحة تدمير شامل أو أن القوات الأمريكية – البريطانية قد تستعمل الأسلحة النووية، إلا أن الجميع "يقفون على أعصابهم".

فقد وصلت العمليات العسكرية في العراق إلى ذلك "الخط الأحمر" الذي كان ثمة تصور دائم بأن أسلحة غير تقليدية سوف تُـستخدم عندما تصل المعارك أو القوات إليه. فالحرب تقترب كل يوم أكثر فأكثر من بوابات الجحيم.

ترتبط البوابة الأولى للجحيم باحتمالات إقدام القيادة العراقية على استخدام الأسلحة الكيماوية (أو البيولوجية) ضد القوات الأمريكية – البريطانية التي تهاجم العراق، وهي الاحتمالات التي استندت دائما على عدة أسس مقبولة نظريا، أهمها:

- إن الحرب التي تجري داخل العراق تمثل حرب بقاء بالنسبة للرئيس العراقي. فالهدف المعلن للحرب منذ البداية هو إسقاط النظام السياسي في بغداد، وتتم منذ اليوم الأول لها عمليات تستهدف "رأس النظام" شخصيا تحت اسم "هدف الفرصة"، أو "الاستئصال" في ظل تصور بأن اختفاء الرئيس العراقي سوف يؤدي إلى انهيار القوات وإنهاء الحرب في أي وقت يتحقق فيه ذلك، ولا يبدو أن قيادة التحالف سوف تتوقف قبل أن تحقق ذلك الهدف بصورة ما. وفي ظل تلك الأوضاع، تطرح احتمالات اتباع استراتيجيات هدم المعبد على الجميع، خاصة مع وجود عبارات منسوبة إلى الرئيس العراقي تشير إلى أنه "سيتركها لهم محروقة".

- أن ثمة تصورا لدى الأمريكيين بأن العراق لا يزال يمتلك أسلحة دمار شامل، كيماوية على الأقل. فلم تكن قيادة لجان التفتيش على ثقة نهائية من أن العراق قد قام بتدمير كل كميات الأسلحة الكيماوية التي كان يؤكد أنه قام بتدميرها، أو أنه لم يكن يخفي بعضها، وحول إمكانية إعادة تصنيع بعضها، ولو بشكل بدائي في وقت قصير، على النحو الذي طرحته التوجسات التي ارتبطت باكتشاف ما يشتبه في أنه قدرات وخطط كيماوية، كما اتضح عندما تم الحديث عن معدات الوقاية الكيماوية لدى جنود عراقيين، أو صناديق المساحيق البيضاء بمجمع القعقاع في اللطيفية قرب بغداد.

ولم تكن هناك أبدا إجابة محددة بشأن ما إذا كان الرئيس العراقي قد يقدم على مثل هذه القرارات تحت ظروف الضغط العسكري في مراحله النهائية التي يدرك فيها أن الحرب قد انتهت. فالتصور الشائع هو أنه سيكون في وضع ليس لديه ما يخسره (شخصياً)، وبالتالي، قد يفعلها، خاصة وأن إشارات قد صدرت عن محمد سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي حول "ردود غير تقليدية"، عندما بدأت القوات المتحالفة في دخول ضواحي بغداد، ولم يخفف من ذلك تفسير الصحاف لعبارته بأنها تعني "العمليات الفدائية". فالواقع، أنه لم يتم استبعاد اللجوء إلى مثل هذه الخيارات من جانب القيادات العراقية بطريقة يمكن الوثوق فيها.

لكن ما ذكره الرئيس العراقي في فبراير الماضي قبل الحرب، من أنه لن يقوم "بتدمير السدود" العراقية في حالة نشوب الحرب، لعرقلة تقدم القوات الأمريكية في اتجاه بغداد، وعدم قيامه بذلك فعليا يتيح تصور سلوك مختلف لا يطرح احتمالات كيماوية، لكنه سلوك لا يتناسب أيضا مع ما هو سائد حول "تفكير القيادة العراقية" وممارستها السابقة، كاستخدام الأسلحة الكيميائية (1986)، أو إحراق آبار البترول الكويتية (1991)، أو إحراق بعض آبار بترول العراق ذاتها في بداية الحرب.

وعلى ذلك، تظل احتمالات استخدام الأسلحة الكيماوية من جانب القوات العراقية قائمة كسيناريو لأسوأ حالة مع وجود معضلات عملياتية حقيقية بشأن سيناريو استخدامها. فالقوات الأمريكية أصبحت تتمركز في ضواحي العاصمة بالقرب من المناطق السكنية على نحو يمكن أن يؤدى فيه استخدام تلك الأسلحة إلى كارثة إنسانية بالنسبة لسكان بغداد ذاتها، إضافة إلى أنه سيؤدى إلى فقدان الحرب طابعها البطولي الذي يفكر فيه الرئيس العراقي كثيرا، كما أنه سوف يحولها في النهاية إلى حرب مشروعة، إذا أتضح أن تلك الأسلحة كانت مخبأة، في الوقت الذي لن تتضرر فيه قوات التحالف كثيرا من جراء استخدامها في ظل استعدادها المسبق لاحتمالات حدوث ذلك.

الخيارات الأمريكية غير التقليدية

على الجانب الآخر، طُـرحت منذ بداية الأزمة احتمالات استخدام القوات الأمريكية أسلحة نووية ضد العراق في إطار ما تضمنته وثيقة أمريكية مكونة من 6 صفحات، تحت عنوان "الاستراتيجية القومية لمواجهة أسلحة الدمار الشامل" أعدت في ديسمبر 2002، نصت على أن الولايات المتحدة تحتفظ بحق الرد من خلال استخدام القوة الساحقة، بما في ذلك اللجوء إلى "جميع الخيارات"، في حالة استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد أمريكا وقواتها في الخارج، والدول الصديقة والحليفة.

كان السياق المحيط بتلك الوثيقة يشير إلى تهديد أمريكي بضربة نووية ضد العراق رداً على أي هجوم بأسلحة التدمير الشامل، ولم يستبعد دونالد رامسفيلد في منتصف فبراير الماضي استخدام أسلحة نووية في الحرب المحتملة ضد العراق، وكانت الأسس العامة لمصداقية مثل هذا التهديد ترتبط بثلاث عناصر، هي:

أ- أن الولايات المتحدة كانت قد أحدثت انقلاباً حقيقياً في استراتيجيتها النووية قبل التاريخ المُـشار إليه بشهر تقريباً، عندما تم التأكيد في خطة طوارئ سابقة أعدتها وزارة الدفاع الأمريكية تحت عنوان "إعادة تقييم الوضع النووي" على إمكانية استخدام الأسلحة النووية فعلياً في ظل أهداف وسيناريوهات وحالات محددة، لا تقترب من فكرة البقاء، أو ضد دول غير نووية، وهو ما يعني إمكانية "الاستخدام الأول" هجوميا، لتلك الأسلحة.

ب- أن تطور نوعيات الأسلحة النووية المتوافرة لدى الولايات المتحدة، يتيح إمكانية تصور استخدامها فعلياً، دون أن تترتب على ذلك تلك النتائج الكارثية التي ترتبط عادة باستخدام الأسلحة النووية. فالترسانة الأمريكية تضم أسلحة نووية تكتيكية محددة الطاقة التدميرية (Mini Nukes)، تعادل 5 أطنان من مادة TNT، كما أنها تضم ما اصطلح على تسميته "قنابل نووية نظيفة" محدودة الإشعاع، وهي أسلحة تلهب عادة خيال بعض القيادات.

وكانت طبيعة الحرب ضد العراق تشير، كما سبق القول، إلى إمكانية ظهور "حالات الطوارئ" المشار إليها. فالعمليات العسكرية تستهدف إسقاط نظام سياسي وتصفية قياداته، بما يعني أنها "حرب بقاء" بالنسبة للقيادة العراقية، التي يتصور أنها يمكن أن تستخدم كامل ما لديها من قدرات تدميرية، ومن بينها أسلحة دمار شامل إذا ما وُجدت، على نحو يطرح احتمالات السيناريو النووي بمستوى غير مسبوق في أية حرب سابقة.

فقد كانت تلك التهديدات الأمريكية دائما محيرة، إذ أن من الممكن فهمها بسهولة على أنها تهديدات ردعية تستند على قدرات ذات مصداقية عالية. فنصها يشير إلى أن الأسلحة النووية ستستخدم "للرد" في حالة استخدام القيادة العراقية أسلحة تدمير شامل، والهدف هو منع القيادة العراقية من القيام بذلك من خلال "التهديدات الانتقامية"، وهو نفس المنطق الذي منع القيادات العراقية من الإقدام على ذلك خلال الحرب السابقة، رغم قيامها عملياً بنشر صواريخ محملة برؤوس كيماوية.

القضاء على النظام بكل الوسائل

لكن المشكلة هي، أن تصريحات صدرت عن قيادات في البنتاغون تشير إلى إمكانية استخدام الأسلحة النووية هجومياً لتحقيق تلك الأهداف التي يستعصي تحقيقها بالأسلحة التقليدية، كاللجوء إلى القنابل النووية التكتيكية ضد بعض التحصينات والمخابئ التي لا يمكن تدميرها عن طريق القنابل المتوافرة التي لا تتجاوز قدرتها الاختراقية للتحصينات المقامة تحت الأرض 6 أمتار من الأسمنت المسلح، بهدف إجبار القيادات العراقية على الخروج إلى العلن، حيث يصبح من الممكن التعامل معها عسكرياً.

وتشير بعض التقارير الأمريكية إلى توافر نوعيات من "القنابل النووية" التي كانت قد طرحت إمكانية استخدامها ضد مخابئ القاعدة خلال حرب أفغانستان، مثل القنبلة "بي 61 -11" المعدلة بإضافة رأس نووية لها، أو قنبلة الاختراق النووية الشهيرة "آر.إن.إي.بي"، التي لا تزيد طاقتها التدميرية النووية عن 0.01 من الكيلو طن. فالأولى يمكنها اختراق التحصينات حتى مسافة 15 مترا من الأسمنت المسلح، والثانية يمكنها أن تصل إلى مسافات لا يمكن تخيلها تحت الأرض، دون إشعاعات واسعة في موقع الإصابة على سطح الأرض.

لكن أيا كانت المواصفات الفنية لقنابل الاختراق الأرضي النووية، فإن "الحاجز النووي" يظل قائماً بصورة يرجح معها أن هدف التهديدات النووية الأمريكية هو الردع في الأساس، لكنه شكل مثير من الردع يستند على إمكانية مؤكدة لاستخدام أسلحة نووية صغيرة تبدو قابلة عملياتيا للاستخدام الفعلي، دون وجود تلك المشكلات التي تخلف الميل لدى القادة لعدم استخدام الأسلحة النووية، بحيث سيكون على القيادة العراقية التي تلجأ إلى "المخابئ المحصنة"، أن تفكر بشكل مختلف في مسألة الحماية المتوافرة لها، إذا ما فكرت في استخدام قدرات تدمير شامل. ويمكن تأكيد ذلك، من خلال بعض النقاط الإضافية، وهي:

- أن حالة أفغانستان لم تشهد استخدام مثل هذه الأسلحة، على الرغم مما كان يبدو من وجود دواعي عسكرية تتصل بكهوف القاعدة، ووجود بيئة جبلية تقلص من آثار الضرب النووي، ووجود مبرر انتقامي ضد تنظيم القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر. فقد كان من الواضح أن الأمور قد استقرت على استخدام قنابل "ديزي كتر" الثقيلة (7 طن TNT)، وقنابل "جي.بي.يو28" المطورة، مع التعامل مع مسألة محدودية القدرة على الاختراق، من خلال إعادة استخدام هذه القنابل أكثر من مرة على نفس الهدف.

- أن ظروف الحرب لا تتيح استخدام الأسلحة النووية تحت أي مسمى. فالحرب تتم في ظل أهداف سياسية تختلف عن حرب الخليج عام 1991، وتوجد معارضة حادة لها، بحيث يؤدي أي استخدام لمثل هذه الأسلحة إلى كارثة سياسية وإنسانية. كما أن الحرب تجرى "داخل العراق"، حول ووسط مناطق سكنية لا يمكن معها تلافي أية أثار محتملة لأية نسب إشعاعية، ولن يتفهم المواطنون العراقيون استخدام مثل هذه الأسلحة ضد أراضيهم، أيا كان نظام ما بعد الحرب، على غرار ما هو قائم حتى الآن بالنسبة لقنبلة هيروشيما.

لقد مثّـل مجرد استخدام قذائف "اليورانيوم مستنفذ الإشعاع" خلال حرب 1991، مشكلة كبيرة أثارت قضايا عسكرية وسياسية وبيئية وصحية وصلت أثارها إلى قوات الدول المتحالفة ذاتها، ولم ينته الأمر حتى الآن. فما الحال إذا استخدمت أسلحة نووية حقيقية، مهما كانت النتائج التي أسفرت عنها اختباراتها، فهناك قيد ذاتي على استخدام الأسلحة النووية بصرف النظر عن قابليتها فنيا للاستخدام الفعلي.

وهكذا، فإن الاحتمال الأقرب للذهن، هو أن الأسلحة النووية لن تستخدم ضد العراق هجومياً. "فالاستخدام الأول" قد يبدو منطقياً نظرياً، إلا أنه مقيد بشدة عملياً. لكن تظل المشكلة مرة أخرى ترتبط باحتمالات قيام القيادة العراقية باستخدام "سلاح تدمير شامل" ما. فمثل هذه الاستخدامات سوف تدفع يقيناً في اتجاه ظهور تفكير انتقامي من نوع ما، لإسكات القيادة العراقية.

على أي، فإن المسألة هذه المرة ترتبط بفكرة "التدمير الشامل". فمن المؤكد أنه إذا اقتربت العمليات الحربية من وضع يشهد "عمليات قتل واسعة النطاق"، سيكون ثمة خطر حقيقي على العراق (كأرض وشعب) بعيداً عما يتصل بنظامه السياسي بفعل احتمالات ظهور الأسلحة المدمرة. أما إذا تم التوافق ضمناً حول وجود "خطوط حمراء" جديدة لا يتم تجاوزها، فإن بعض هذه الأسلحة قد تظل بعيدة عن ساحة القتال. لكن المشكلة أنه لا توجد ثقة ولا اتصالات محددة، ويصعب ضبط السلوك في الحرب من أجل البقاء.

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×