تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

بلوخر وميرتس قد يُـخرجان سويسرا من هدوئها

(Keystone)

يرى بعض المحللين السياسيين أن انتخاب كريستوف بلوخر وبيتر هانس ميرتس قد يؤدي إلى بلورة قطبين داخل الحكومة السويسرية، يتجه أحدهما نحو اليمين، وينحو الآخر يسارا.

ويكشف هذا التصور عن اقتناع بأن الحقبة السياسية القادمة ستكون علامة فارقة في تاريخ الكنفدرالية الحديث، إلا أن البعض يرى بأنه لا يجب المبالغة فيما سيحدث على الساحة من تغييرات.

لاشك في أن لهجة الخطاب التي تعوّد كريستوف بلوخر على انتهاجها أثناء حياته السياسية، كانت سببا هاما في شعبيته والتأثير على الرأي العام لا سيما في مناطق وسط سويسرا. ويعتقد على نطاق واسع أن تلك اللهجة الحماسية التي تمكن عن طريقها من كسب تأييد شعبي كبير أوصله إلى الحكومة السويسرية، ستتغير عند استلامه للحقيبة الوزارية التي سيتولاها.

ويرى اوسكار ماتسوليني المتخصص في العلوم السياسية في حديث خاص مع سويس انفو بأن وجود بلوخر في الحكومة قد يضعه وسط تناقضات كثيرة، فمن المفترض أن يلتزم بإطار العمل الجماعي داخل الحكومة، وهو ما يعني بأنه قد يجد نفسه مضطرا للدفاع عن أفكار كان يعارضها بشدة في السابق، وليس من المستبعد أن يقف في نفس الخانة التي كان ينتقد فيها وزراء سابقين.

كما يشير الخبير السويسري إلى احتمال نشوب تناقضات داخل حزب الشعب السويسري اليميني الذي ينتمي إليه بلوخر، والذي دأب دائما على معارضة سياسة الحكومة وتنشيط المبادرات الشعبية لإحباط القوانين التي لا يرى فيها فائدة للسويسريين.

كما أنه ومن غير المعروف – حسب رأي ماتسوليني - ما إذا كان الحزب سيكف عن رفع الشعارات المناهضة لتوجهات الحكومة، وإذا فعل ذلك فماذا وكيف سيكون دوره في الشارع السويسري؟ مع الأخذ في الاعتبار أن الحزب يضم بين صفوفه العديد من الأصوات التي جعلته يعطي الانطباع بأنه الوحيد الحريص على مصلحة الشعب.

كما أنه ليس من المستبعد أن يقوم الحزب بتوجيه الانتقادات العلنية إلى بلوخر نفسه، إذا ما شعر بأنه حاد عن المبادئ والشعارات التي نادى بها سابقا، والتي يسعى الحزب إلى تطبيقها بشكل عملي.

إلا أن السؤال الأشد إلحاحا هذه الأيام في برن هو: هل ستؤدي نتيجة انتخابات العاشر من ديسمبر كانون الأول إلى إلغاء التوافق المعمول به منذ أمد بعيد بين أعضاء الحكومة الفدرالية وتعزيز المؤشرات التي تتكهن بميلاد قطبين متنافسين داخلها؟

وعن هذا السؤال يجيب ماتسوليني بأن هذا يعتمد على توجهات كل من الوزيرين الجديدين بلوخر وميرتس، وما إذا كانا سيتمكنان من اجتذاب أنصار إلى أفكارهما داخل مؤسسات الدولة، كما لا يمكن إغفال دور الاشتراكيين، وتحركاتهم المستقبلية داخل هذا الإطار، ولذلك فمن المبكر، حسب رأي الخبير السياسي، التنبؤ الآن ما إذا ما كانت الحكومة السويسرية الجديدة ستشهد بروز قطبين متنافسين بالفعل.

تراجع حصة النساء

الظاهرة الأخرى التي أسفرت عنها انتخابات الحكومة الجديدة هي تراجع عدد النساء العضوات فيها. فبعد عزل روت متسلر وزيرة العدل والشرطة واخفاق كريستين بييرلي في الحصول على الأصوات المناسبة، يرى البعض بأن ذلك ليس في صالح الحركة النسوية السويسرية، بعدما كانت تفخر بأن لديها امرأتان على الأقل في الحكومة المؤلفة من 7 وزراء.

في المقابل يرى ماتسوليني بأن تلك النتيجة جاءت طبيعية، فالنساء كن أول ضحايا احتدام التنافس السياسي بين الاحزاب، وهو رد فعل ظهرت بوادره في الانتخابات البرلمانية السابقة حيث سعت مختلف الاحزاب إلى تعزيز مواقعها، فكان عدد النساء المنتخبات أقل من عددهن في البرلمان السابق.

أما "المعادلة السحرية" التي طبعت تركيبة وأسلوب عمل الحكومة الفدرالية منذ عام 1959 بعد ما سُمي حينها بالتوافق التاريخي شبه الدائم بين الاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين، فقد تبدلت منذ العاشر من ديسمبر كانون الأول من خلال تعزيز تواجد الراديكاليين واليمينيين، ليس في شكل تحالف وانما بحكم ما أسفرت عنه نتائج الانتخاباتوهو ما ينظر إليه العديد من المراقبين على انه نهاية "المعادلة السحرية" وهو ما قد ينعكس بالفعل على أداء الحكومة.

ويعتقد الخبير السويسري ماتسوليني بأن الحزبين (الراديكالي والشعب) كانا حريصين على الظهور أمام اتباعهما بأنهما الأكثر حرصا على الاقتصاد السويسري من غيرهما، وانهما القادران على الحفاظ على سويسرا بنفس القوة التي عُرفت بها من قبل، إلا أن التطبيق العملي للشأن السياسي من داخل الحكومة يختلف عن الكلمات والشعارات من صفوف المعارضة، وبالتالي فمن المحتمل أن يؤدي ظهور أي تقصير في أداء الحكومة الجديدة إلى تقوية التعاون بين الاشتراكيين والديمقراطيين المسيحيين من جديد.

الانتظار والترقب

وإذا كانت الرؤية السياسية لمستقبل سويسرا في ظل الحكومة الجديدة ستظل مرهونة بأدائها ومعالجتها للملفات الحساسة مثل العلاقات مع الخارج ومشكلات الدعم الاجتماعي وقضايا المهاجرين واللاجئين، فإن علاقات برن مع بروكسل هي الملف الذي يستقطب اهتمام بلدان الإتحاد خصوصا وأن بلوخر يعتبر من أشد المعارضين لانضمام بلاده إلى أوروبا.

من جانبه حرص الاتحاد الأوربي على عدم التعليق رسميا على التحوير الذي عرفته الحكومة السويسرية ذلك أن دخول الحزمة الأولى من الإتفاقيات الثنائية بين الجانبين حيز التنفيذ منذ عام ونيف يحول دون صدور تحركات غير متوقعة من جانب كريستوف بلوخر. وفي انتظار اتضاح الصورة في الأشهر المقبلة، لا شك في أن بركسيل ستأخذ بعين الاعتبار بأن الحكومة السويسرية الجديدة تضم أعضاءا يُـعادون بوضوح مزيدا من تعميق العلاقات مع الإتحاد الأوروبي.

ويقول غريغور كونديغ من رابطة أرباب العمل السويسريين في حديث مع سويس انفو بأنه "من الصعب الحكم على سويسرا "عن بعد"، إذ أن المراقبين والمحللين في الاتحاد الأوروبي ليسوا مثل الذي يعايش الواقع داخل الكنفدرالية"، مؤكدا في الوقت نفسه على أهمية صورة سويسرا في الخارج كشريك تجاري هام مع دول الجوار الأوروبي.

في المقابل، ترى ديانا واليس العضوة البريطانية في البرلمان الأوروبي في اتصال مع سويس انفو، بأن بعض صحف العواصم الأوروبية كانت مبالغة في تعليقها على انتخاب بلوخر وميرتس، وان الترقب والانتظار خير طريقة للحكم على الأمور، إلا أن هذا لا يعني بأن بروكسل ليست معنية تماما بما يحدث في سويسرا.

الـحـكـم الوحيد

وقد تكون البرلمانية البريطانية محقة فيما ذكرته عن تعليقات الصحف الاوربية الكبرى، حيث تضمنت العديد من تعليقاتها على تشكيل الحكومة السويسرية الجديدة هجومات لاذعة على شخص كريستوف بلوخر.

فقد قالت صحيفة "فرانكفورتر الغيماينه" الالمانية "أخيرا حصل الجعجاع على منصب" ليقف الآن على الساحة السياسية من مقعد الحكومة، وتتوقع له نهاية سياسية في وقت قريب، وهو الرأي الذي شاركتها فيه أيضا "فرانكفورتر روند شاو".

أما صحيفة "تاغس تسايتونغ" البرلينية فقد توقعت بأن يهدد وجود بلوخر الانسجام الذي عُرف عن الحكومة السويسرية، وقد يتجاوز الصخب الذي سيحدثه الحدود لا سيما عند معالجته لملفات اللاجئين والإندماج مع الاتحاد الاوروبي، وهي الملفات التي تخوفت صحيفة "سود دويتشه" من تعامل بلوخر بقسوة معها، قد تجعل الأجانب وطالبي حق اللجوء يحبسون انفاسهم طيلة وجوده في الحكم.

وبينما تفهمت يومية لوموند الباريسية أسباب دخول بلوخر إلى التشكيلة الحكومية، رأت أن الحكومة الجديدة تمثل "ثورة على الطريقة السويسرية" وقالت إن أهم مميزاتها تتمثل في أنها "أخرجت الكونفدرالية من هدوئها المعهود".

وعلى الرغم من تلك التوقعات المختلفة حول سويسرا ما بعد العاشر من ديسمبر، فإن تشكيل الحكومة الجديدة هو بالفعل علامة فارقة في تاريخها الحديث وبداية حقبة مختلفة تماما عما عاشته البلاد على مدى قرابة نصف قرن.

أما الرأي العام فسيظل الحكم الوحيد على أدائها، ومثلما جاء بها عبر صناديق الاقتراع فبإمكانه الإطاحة بها، لأن الثابت الوحيد في معادلة الحكم السويسرية يظل وسائل الديموقراطية المباشرة.

سويس إنفو


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×