Navigation

جبهة مصرية للتغيير السياسي والدستوري

مع اقتراب موعد الإنتخابات البرلمانية في مصر (9 نوفمبر) تتعدد التحركات على الساحة السياسية والإعلامية (الصورة: مظاهرة لطلاب الإخوان في جامعة القاهرة يوم 11 أكتوبر 2005) Keystone

عرفت مصر قيام جبهات حزبية ولجان للتنسيق بين أكثر من حزب وقوة سياسية، وكذلك بين منظمات المجتمع المدني لهدف ووظيفة محددة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 أكتوبر 2005 - 07:01 يوليو,

لكن صدى إعلان تأسيس الجبهة الوطنية للتغيير السياسي والدستوري كان هو الأكبر والأعلى..

إن صدى إعلان تأسيس الجبهة الوطنية للتغيير السياسي والدستوري هو الأكبر والأعلى. ولذلك سببان:

الأول، حالة الحراك السياسي التي تشهدها البلاد في الوقت الراهن، وتسمح بتشكيل لجان ومنظمات وحركات شعبية ومطلبية واحتجاجية متنوعة المشارب والفئات والمناطق الجغرافية.

والثاني، أن القوى السياسية التي تعاونت على تأسيس الجبهة تصل إلى عشرة أحزاب وحركات سياسية، ولكل منها صوت عال وشريحة مهمة تستند إليها.

ويمكن أن نضيف سببا ثالثا يتعلق بالهدف الكبير الذي تسعى إليه هذه الجبهة في المرحلة المقبلة، وهو التغيير السياسي والدستوري الشامل، وهو مطلب بات يشغل كل القوى السياسية والحزبية، لأنه بدون تغيير مؤسس على دستور واضح المعالم، يمثل عقدا جديدا بين الدولة والمجتمع، سيدور الجميع في حلقة مفرغة، كتلك التي سادت لمد عقدين، ولم تنتج سوى جمودا وكسلا سياسيا، وتناقصا في حجم المشاركة الشعبية، وقدرا لا بأس به من غياب الثقة الشعبية في الإجراءات التي تَـقْـدم عليها النخبة الحاكمة.

مخاض عسير

جاء إعلان تأسيس الجبهة بعد مخاض عسير. فالتجمع ذو التوجه اليساري يرفض أن يتقاسم التنسيق السياسي من أي نوع مع حزب "إسلاموي"، حسب تعبيرات رئيس الحزب الدكتور رفعت السعيد، وأيضا حين تعذر قبول ممثلي حركة الإخوان المسلمين مطلب الدخول بمرشحيهم في قائمة موحدة مع قائمة الجبهة.

وكان للحركة منطقها، فهي قد أعدت واستعدّت لذلك منذ فترة طويلة، ولديها قائمة من 150 مرشحا جاهزين لخوض الانتخابات البرلمانية، وهو موقف بدا وكأن الحركة تنأى بنفسها عن العمل الجماعي في لحظة تاريخية تفرض مثل هذا الأسلوب، وهو ما أثار تحليلات غاضبة من الناصريين، تحديدا الذين حذروا الجماعة من الإفراط بالثقة بالنفس وحملوها وزر انفراط الجبهة قبل مولدها.

ومع حدوث وساطات ونقاشات إضافية، أدراها بحنكة ومهارة رئيس وزراء مصر الأسبق الدكتور عزيز صدقي، الذي اختير منسّـقا للجبهة، استقر الوضع على التفرقة بين أمرين: إعلان قيام الجبهة، وأن تكون حركة الإخوان عضوا مؤسسا فيها، وأن تنزل الحركة بقائمتها الانتخابية وشعارها منفردة على أن تقبل التنسيق مع قائمة الجبهة إلى حد التنازل من مرشح الحركة لمرشح قائمة الجبهة، إذا كانت له فرص أفضل في الفوز.

هذا الحل العملي/التكتيكي، وفّـر فرصة إعلان تأسيس الجبهة من جهة، وفرصة أن تتحد القوة التصويتية لكل الأحزاب المكونة للجبهة من جهة أخرى وراء مرشح بعينه، وبما يوفر له فرصة نجاح أكبر. والمهم في كل ذلك أن مؤسسي الجبهة صاروا يجمعون بين أقصى اليسار وأقصى الأفكار السياسية ذات المرجعية الدينية الإسلامية.

إعلان نوايا

ويلاحظ المراقب هنا أمرين: أن إعلان التأسيس لا يعني قيام الجبهة من الناحية العملية. فهو إعلان نوايا بين القوى المشاركة التي تضم خليطا عريضا من القوميين واليساريين والليبراليين والإسلاميين، وهو الحزب الناصري وحركة الكرامة (تيار قومي)، وحزب التجمع والحملة الشعبية من أجل التغيير (توجه يساري)، وحزب الوفد (ليبرالي اجتماعي)، وحركة الإخوان، وحزب الوسط تحت التأسيس، وحزب العمل المجمد (إسلاميون)، وقوى ائتلافية شعبية، كحركة كفاية، والتجمع الوطني للتحول الديمقراطي، والتحالف الوطني للإصلاح والتغيير.

والمنتظر أن تنتهي لجنتان من صياغة برنامج الجبهة وهيكلها التنظيمي وكيفية إدارته، وحينها يتحوّل إعلان النوايا إلى جبهة ذات طابع مؤسسي، وحينها أيضا، يمكن للبعض الخروج أو للبعض الآخر من الأحزاب الصغيرة والحركات الاحتجاجية الجديدة أن تنضم، وعند التأسيس الحقيقي سيتّـضح كيف سيكون دورها في عملية التغيير الشامل، لاسيما في فرض عقد اجتماعي جديد يناسب التطلعات الديمقراطية من جهة، ويتوافق مع التطورات التي لحقت بالمجتمع من جهة أخرى.

زمن انتخابي

أما الأمر الثاني، فيتعلق بزمن إعلان الجبهة، ولما كان إعلان النوايا- التأسيس ارتبط زمنيا بالتحضير للانتخابات البرلمانية المقرر عقدها في نوفمبر المقبل، فقد اتفق على أن يكون أول أعمال القوى المؤسسة للجبهة، إعداد قائمة موحّـدة لخوض الانتخابات، وحتى يمكن موازنة القوة الطاغية للحزب الوطني الحاكم، وطموحا في الفوز بعدد لا يقل عن 140 عضوا جديدا من إجمالي 444 عضوا يشكّـلون مجلس الشعب، وبما يشكل قوة برلمانية ذات برنامج إصلاحي واضح، وبالتالي، يمكنها أن تؤثر عمليا في مجمل العملية التشريعية والرقابية التي يقوم بها مجلس الشعب.

لكن هذا الطموح يبدو مبالغا فيه إلى حد ما. فكثير من الأحزاب والقوى السياسية التي تشارك في الجبهة، ليس لديها مرشحين أقوياء في دوائر مختلفة، ويمكنهم أن يحققوا الفوز المضمون في مواجهة مرشح الحزب الحاكم، وكذلك، فإن القائمة الموحّـدة بين أعضاء هذه الجبهة، ومن غير مرشحي الإخوان المسلمين، ما زالت تخضع للدراسة والتدقيق والبحث عن العناصر المناسبة، كما أن النظام الفردي المعمول به في الانتخابات البرلمانية، يجعل مؤثرات العملية الانتخابية بعيدة نسبيا عن قوة الأحزاب، ومرهونة أساسا بحضور المرشح وعصبيته الانتخابية في دائرته، وربما لهذا العامل تحديدا ظهر التشكيك مبكرا في دور الجبهة، وفى قدرتها على تحقيق طموحها الانتخابي.

التشكيك في الطموح الانتخابي للجبهة لا يقلل من قيمة الحدث نفسه، ولذلك تسعى أحزاب، أبرزها الغد برئاسة أيمن نور، لعضوية الجبهة، وهو ما يحُـول دونه خلافه مع اثنين من كبار مؤسسي الجبهة، وهما حزب الوفد من ناحية، لخلافات سابقة، وميل حزب التجمع إلى عدم التعامل مع الغد في مرحلته الراهنة، لأنه يواجه انشقاقات داخلية من ناحية أخرى.

القيمة الأكبر

ولعل القيمة الأكبر للجبهة تكمُـن في أنها مسعى لقوى سياسية لها قدر ملموس من الحضور، بهدف تشكيل توازن جديد في النظام السياسي من جانب، وبين المجتمع والدولة من جانب آخر، وهو توازن مرغوب، نظرا لقوة مؤسسات الدولة، لاسيما الأمنية، ووصايتها على كل كبيرة وصغيرة في الحياة السياسية، وبما يجعل أي تطور ديمقراطي حقيقي يوفر فرص تداول سلمي للسلطة مسألة في غاية الصعوبة، وربما مستحيلة.

هذا المسعى، وتحت مظلة عمل جماعي جبهوي، لا يلغي الشخصية الفردية لكل طرف فيه، يعني إدراك هذه الأطراف بضعفها، وربما ضياعها إذا ما استمرت تتحرك منفردة، فهي قد تحركت على النحو الفردي طوال عقدين ونصف ولم تحقق شيئا يذكر، بل إن شعبيتها الواقعية ربما تكون أقل بكثير من شعبيته المفترضة.

وفي ظل الظروف الراهنة التي تتسم بكثرة المشروعات السياسية والإفراط في الرؤى المستقبلية، وتشرذم الجماعة السياسية خارج الحزب الحاكم، تصبح قدرتها على فرض تغيير بذاته، مسألة أقرب إلى أضغاث الأحلام منها إلى الاحتمالات الممكنة. ولذا، كان البديل الوحيد والمنطقي أمامها هو الدخول في تحرك جبهوي، وليكن مؤسسا على هدف واحد بارز لا خلاف عليه، وهو وضع دستور جديد للبلاد يمثل أساس الإصلاح الشامل.

نحو ثنائية حزبية؟

وبالطبع، فإذا ما حققت قائمة الجبهة الموحدة انتصارا لافتا للنظر في الانتخابات البرلمانية القادمة، سوف يكون كبشارة خير ودافع على السير في الطريق الوعر وتحمل تبعاته. والعكس قد يؤثر سلبا إلى حد ما.

لكن يظل هناك تساؤل يطرح نفسه، هل يمكن أن تتحول الجبهة لاحقا إلى حزب واحد كبير، بحيث ينافس الحزب الوطني منافسة حقيقية، وبما يفتح الباب أمام تحول النظام الحزبي في مصر إلى أن يكون نظاما ثنائيا من حيث الجوهر، مثل الذي تعرفه بريطانيا والولايات المتحدة، حتى ولو وجدت عدة أحزاب هامشية أخرى؟

الحق، أن كثيرين يأملون في مثل هذا التطور، ويرونه العامل الأبرز الذي يمكن أن يدفع بالحياة السياسية إلى الأمام، ويسمح بتداول حقيقي للسلطة سلما، وعبر صناديق الانتخابات. بيد أن الأمل وحده لا يكفى هنا، لأن الجبهة في أولى خطواتها، وهي خليط بين توجهات سياسية، بينها الكثير من التباينات الفكرية والعقائدية، ومن الصعب تصور أنها قابلة للذوبان، حتى ولو حققت قائمة الجبهة الموحّـدة انتصار مُـبهرا في الانتخابات المقبلة.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.