Navigation

ذرائع سقطت وأخرى قادمة

تتواصل الاستعدادات الأمريكية في عدد من المواقع المجاورة للعراق للحملة العسكرية المقبلة ضد نظام الرئيس صدام حسين Keystone

حين ربط العراق قراره قبول عودة المفتشين الدوليين بسقوط الذرائع الأمريكية لشن هجوم عليه، لم يكن التصوير دقيقا. فالذرائع الأمريكية، يبدو أنها لا تنتهي إلا بتحقيق أهداف واشنطن المعلنة والخفية معا.

هذا المحتوى تم نشره يوم 24 سبتمبر 2002 - 12:43 يوليو,

المعلن منها، هو إسقاط النظام العراقي وفرض نظام جديد تحت رعاية أمريكية مباشرة. أما الخفي، فيشمل مساحة واسعة جدا من الأهداف.

تبدأ هذه الأهداف بالسيطرة الأمريكية المطلقة على نفط العراق، وتمر بتغيير الخريطة السياسية للإقليم، وتنتهي بالضغط على جيران العراق جنوبا وشرقا على وجه التحديد. وفى كل ذلك، تبدو حماية إسرائيل وزيادة مدى تفوُّقها الإستراتيجي أمرا مفروغا منه.

فحين حدد الرئيس بوش في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 12 سبتمبر، الشروط الخمسة التي يجب على الأمم المتحدة أن تضمنها في تعاملها مع بغداد، كانت العبارات المطاطة التي صيغ بها الخطاب تسمح بالقول، إن مطالب أمريكا من الأمم المتحدة، تذهب في اتجاهات شتى بل متضاربة.

ومن بين هذه الاتجاهات، تأمين عمل المفتشين بكل حرية ودون عقبات أو عراقيل، وإعطاء شرعية لعمل عسكري دولي تقوده الولايات المتحدة من أجل تغيير النظام العراقي، واستقطاب قدر أوسع من التأييد الدولي للتحركات الأمريكية دون تحديد كُنهها بدقة، وأيضا توفير مظلة عسكرية لعمل المفتشين أنفسهم، باعتبار أن مهمتهم ليست مجرد التيقن من التزام العراق بقرارات الأمم المتحدة فيما يتعلق ببرامج أسلحة الدمار الشامل، بل القيام بتدمير هذه البرامج على افتراض وجودها، بغضّ النظر عن نفي العراق القاطع لوجود تلك البرامج، وأيضا بلورة نظام مستقبلي يسهم في منع العراق من تطوير مثل هذه البرامج.

الغموض الأمريكي

والواضح أن الغموض الذي أراده الرئيس بوش في خطابه بشأن توصيف ماهية المشكلة بالضبط كان مقصودا. فمن جانب، ورّط الرئيس الأمريكي الأمم المتحدة في عملية غير محددة بدقة، في حين بدا للبعض ـ ظاهريا على الأقل ـ أن واشنطن تعمل تحت مظلة شرعية دولية. ومن جانب آخر، يستمر بوش في استراتيجيته الخاصة بعمل عسكري كبير وواسع النطاق ضد العراق.

وفى كل الأحوال، حسب تحليل هنري كيسنجر، فإن خطاب بوش يدخل تحت باب محاولة إقناع العالم بأن التوصيف الأمريكي للتهديدات التي يتعرض لها الأمن الأمريكي، ومن ثم الأمن العالمي، هو نفسه الإدراك العالمي لهذه التهديدات، ومن ثم يتحقق التناغم الأمريكي - الدولي بأقل قدر من الممانعة والرفض.

أبواب أخرى للجدل

ولعل التباين في مواقف كل من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة حول المرجعية التي يستند إليها عمل المفتشين الدوليين في الفترة القادمة، مؤشر على أن قبول العراق التعاون غير المشروط مع الأمم المتحدة لم ينه القضية، بل على العكس فتح أبوابا أخرى للجدل والمساومة.

وفيما يبدو أن الموقف العراقي الرافض التعامل مع أي قرار دولي جديد، يعيد صياغة مهمة المفتشين ويتضمن شروطا جديدة، أمرا منطقيا إلى حد كبير، فإن النتائج الإيجابية لهذا الموقف لم تتبلور بعد.

وهنا، يُلاحَظُ أن دولا عربية أخرى، أبرزها مصر، تعارض صدور مثل هذا القرار الجديد. ويرجع ذلك إلى أن إدراكا عربيا عاما بأن جوهر المشكلة، هو تطبيق القرار 1284، الذي شكل لجنة "أنموفيك" بقيادة هانس بليكس، وهي التي تتحاور الآن مع السلطات العراقية حول كيفية تنفيذ مهامها المنصوص عليها في القرار الدولي.

وكان خطاب الرئيس صدام حسين الذي ألقاه وزير خارجيته ناجي صبري أمام الجمعية العامة يوم 19 سبتمبر، قد تضمن هذا المعنى وأكد عليه. فبعد الإصرار على خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، أبدت بغداد "الاستعداد الكامل لاستقبال أي خبراء علميين برفقة سياسيين لتمثيل أي بلد في الأمم المتحدة، وإبلاغ العراق ما هي الأماكن التي يرغبون زيارتها، خاصة التي ينسج المسئولون الأمريكيون الروايات بشأن وجود مواد أو أنشطة محظورة فيها".

قد تكون هذه دعوة عراقية لأقصى شفافية ممكنة في ظروف عصيبة، لكنها في الوقت ذاته قليلة المصداقية الدولية، لاسيما في ضوء الهجوم السياسي والإعلامي الأمريكي الكاسح.

وبالرغم من أن روسيا تعبر عن إدراك مماثل أو بالأحرى قريب من الموقف العراقي، وترى أن الأولوية، حسب قول وزير الخارجية إيغور إيفانوف للرئيس بوش، هي لعودة المفتشين، فإن الاستراتيجية الأمريكية المستندة على مبدأ الهروب إلى الأمام، حسب مقولات دونالد رامسفيلد، لا تهتم بمثل هذا الأمر كثيرا، بل تمعن في تجاهل المواقف العراقية والدولية المناظرة، وتعمل على وضع الشروط الأمريكية على الطاولة لغرض قبولها وتعميمها وتضمينها في قرار دولي جديد، مع التهديد السافر بتعطيل عمل المفتشين إذا استمر وفقا للقرار 1284، وبالعمل العسكري المنفرد إذا تطلب الأمر، وإعمال نظرية الضربات الإستباقية دون النظر إلى مدى قبول المنظمة الدولية أو القوى الأخرى لمثل هذا "المنطق الإمبراطوري

تحرك عسكري فعلي

الموقف الأمريكي ليس سياسيا أو إعلاميا فقط، بل هو تحرك فعلي على الأرض. فالجنرال تومي فرانكس، قائد القوات المركزية الأمريكية في زيارته إلى دول الخليج، يؤكد على زيادة جرعة التدريبات العسكرية لقواته في المنطقة، مع زيادة حجمها.

وخلف ذلك، تُجرى اتصالات فنية أمريكية بريطانية لتنظيم عمل القاذفات طويلة المدى "ب 52" والقاذفات من طراز الشبح في قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. كما يتم تسريب معلومات عن تقديم الجيش الأمريكي للرئيس بوش خُططا مفصلة لغزو العراق.

أما وزير الدفاع رامسفيلد، فيؤكد أمام إحدى لجان الكونغرس الأمريكي أن الضربات الجوية وحدها لن تحل المشكلة ـ من وجهة النظر الأمريكية ـ وأن الأمر سيتطلب وجودا أمريكيا عسكريا بريا، وأن المعارك المنتظرة ستكون صعبة، وذلك على ضوء تسريب معلومات عراقية مقابلة بالاستعداد لجر القوات الأمريكية إلى حرب مدن. وينصح رامسفيلد الكونغرس بسرعة إصدار قرار يُفوض بكل مرونة ممكنة الرئيس بوش العمل العسكري.

كل هذه مؤشرات تدل على أن عمل المفتشين الدوليين ليس هو المطلوب في حدّ ذاته، بل ان المطلوب أمريكيا هو إعداد المنطقة والعالم بأسره نفسيا لعمل عسكري كبير، سواء قبل العالم أم لم يقبل، وسواء شارك أم لم يشارك.

د. حسن أبو طالب - القاهرة

باختصار

في الوقت الذي تتواصل المشاورات والمساومات داخل مجلس الأمن الدولي بشأن استصدار قرار جديد بشأن العراق، تؤكد بغداد مسبقا رفضها لمثل هذا القرار وتتمسّك بومقفها المعلن بخصوص العودة غير المشروطة للمفتشين الدوليين. لكن الولايات المتحدة تنظر إلى الأمور بمنظار آخر وتبدو مصممة على حتمية العمل العسكري.

End of insertion

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.