Navigation

Skiplink navigation

زمن الزعامة انتهى وولّــى

بعد إطلاق نار داخل خيمة العزاء التي أقيمت للرئيس الفلسطيني الراحل في غزة يوم 14 نوفمبر، أفراد الحرس الشخصي لمحمود عباس يسرعون بإخراجه منها Keystone

قد يكون محمود عباس مستهدفا في إطلاق الرصاص الذي حدث في خيمة العزاء بسلفه الرئيس عرفات، وقد يكون الهدف من ذلك مجرد خلق اضطراب وإبلاغ رسالة سياسية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 15 نوفمبر 2004 - 12:49 يوليو,

وفي كل الأحوال، أضر الرصاص الذي أودى بحياة شرطيين بالصورة المشرقة التي ظهر بها الفلسطينيون منذ الإعلان عن المرض الذي أصاب رمزهم الراحل.

قبل الإعلان الرسمي يوم الخميس 11 نوفمبر الماضي عن وفاة ياسر عرفات، كانت الأوساط الإسرائيلية تشير وتشيع إمكانية حدوث فوضى في الأراضي الفلسطينية.. وكان الفلسطينيون، وعلى غير عادتهم، يدرسون بهدوء مرحلة ما بعد عرفات ويستعدون لنقل سلطة ثقيلة وكبيرة حملها عرفات منذ بداية السبعينات وحده لا يحتمل مشاركة أحد فيها بتدبير الشأن الفلسطيني بكل تفاصيله.

كان عرفات بديناميكيته وحيويته يبعد ويستبعد، إراديا أو غير إراديا، كل الآخرين الذين لم يجدوا أمامهم من مفر إلا التعايش مع هذا الرجل الذي أمضى زمنه مقاتلا أو محاصرا أو طائرا نحو فلسطين.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، وحّـد ياسر عرفات في يده كل المؤسسات الفلسطينية، العسكرية والأمنية والمالية والسياسية التشريعية والتنفيذية والقضائية، مما كان يثير إزعاج بعض شركائه زمن الثورة، ويبررون له الأوضاع التي مرت بها قضية الشعب الفلسطيني، لكنهم وبعد أن بدأت تباشير قيام دولتهم ممثلة بقيام السلطة الوطنية الفلسطينية منتصف التسعينات، وجد الفلسطينيون أن ياسر عرفات يواصل تدبيره لكل ملفاتهم بنفس العقلية والسلوك والنهج.

مكانة لم ينلها أحد من قبله

كان عرفات يستحوذ على المؤسسات وسلطاتها دون أن يقمع أحدا أو يعتقل أحدا، بل كان يشجع منتقديه على الذهاب بعيدا بانتقاداتهم ما داموا لا ينتقلون بهذا النقد إلى الحد من سلطاته، وحتى حين تدخلت الأطراف الدولية من أجل منح رئيس وزرائه بعض الصلاحيات، كان عرفات يمنح بعضها مُـكرها ثم سرعان ما يستعيد ما منح بأساليب مختلفة.

وهكذا، رحل الزعيم ياسر عرفات وكل فلسطيني مرتبط معه بملف أو قضية، أقلها التعود عليه رئيسا أو تبادل القبلات معه في مناسبة من المناسبات.

لكن عرفات رحل وله في قلب المواطن الفلسطيني وعقله مكانة لم ينلها زعيم في التاريخ الفلسطيني القديم والحديث، وحين كان شركاؤه يتخلون له عن سلطاتهم، فإنهم كانوا يُـدركون أنه لا يخونهم ولا يخون قضيتهم حتى لو دبرها بشكل خاطئ يكاد يذهب بالقضية كلها نحو الهاوية.

رحل عرفات بعد أن وضع لخلفه، فردا أو أفرادا، خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها، وهي الخطوط التي يسميها الفلسطينيون الثوابت، والمتمثلة باستعادة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشريف، وإقامة دولة مستقلة عليها وتكون القدس عاصمتها، وأيضا حق عودة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني يقيمون في الشتات.

كان عرفات يعتبر هذه الثوابت مقدّسة، ومن أجل تمسكه بها، إن كان في مفاوضات كامب ديفيد 2000 أو فيما بعد، دفع الثمن عزلة وحصارا في مقر قيادته في المقاطعة في رام الله أدى إلى استشهاده.

مــهمّـــة صعبـــة

وبرحيل ياسر عرفات يكون زمن الزعامة قد انتهى وولّـى، ويكون الشعب الفلسطيني أمام تدبير ونهج وسلوك مختلف. فطبيعة شخصية ياسر عرفات وتراكم تجربته وشجاعته ودأبه وملكاته القيادية، ساهمت في مركزة كل السلطات في يده ومبايعته زعيما، ترتفع شعبيته في مرحلة وتهبط في مرحلة أخرى، لكنه يبقى الزعيم الوحيد.

ولأن المسؤوليات كبيرة والملفات ثقيلة، يصعب على أي كان أن يحملها وحده ويدفع باتجاه توزيع هذه المسؤوليات والملفات، وهو ما شهدته الأيام الماضية، إذ انتخب محمود عباس رئيسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفاروق قدومي (أبو اللطف) رئيسا لحركة فتح، الحزب الحاكم في السلطة، وفي انتظار انتخاب رئيس السلطة الفلسطينية، عُـيِّـن روحي فتوح، رئيس المجلس التشريعي، رئيسا مؤقتا لستين يوما.

والمهمة الرئيسية للرؤساء الثلاثة خلال المرحلة القادمة بعد توزيع بعض المهام التي كانت بيد عرفات، هي أن تعاد للمؤسسات صلاحياتها ودورها التشريعي والتنفيذي والتدبيري، كما ينص عليها القانون الأساسي لكل منها. وإذا ما قدر لهم أن ينجحوا في هذه المهمة، يكونوا قد حققوا للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية إنجازا تاريخيا، وسيكون للفلسطينيين أول مجتمع عربي يقوم تدبيره على أساس المؤسسات، لا مقدس فيه إلا للوطن والقضية والقانون.

إرث عرفات: ضمانة أم عبء؟

في هذا السياق ستعيد إقامة المؤسسات توضيح سلطات كل منها، فتجميع الرئيس الراحل ياسر عرفات لكل المسؤوليات أدى إلى اختلاط، كان ولازال مقصودا ويحمل بعدا سياسيا خطيرا على مستقبل القضية الفلسطينية.

فتوزيع السلطات بين المؤسسات ينص على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي، وهي كيانه السياسي إلى أن يعود إلى وطنه، وأن رئيسها هو رئيس الشعب الفلسطيني ومهمته تدبير كل الشأن السياسي الفلسطيني، وأساسا التفاوض مع الجانب الإسرائيلي، وأن السلطة الفلسطينية مؤسسة فلسطينية تحت إشراف منظمة التحرير وتتولى تدبير الشؤون اليومية الحياتية للفلسطينيين في مناطق الحكم الذاتي، في الضفة والقطاع.

كانت السلطة، طوال السنوات العشر الماضية محور الاهتمام، ووُضعت في مصاف المرجعية، ولأن عرفات كان رئيس السلطة ورئيس المنظمة، لم يكن الفلسطينيون يثيرون أزمة حول تضبيب منظمة التحرير وإبعادها من المشهد الفلسطيني أو محاولات التهميش بهدف الإلغاء، رغم إدراكهم للمخاطر السياسية المترتبة عن ذلك.

وكان إلغاء منظمة التحرير الفلسطينية مقصودا من بعض الأطراف التي أرادت أن تحصر الصراع في منطقة الشرق الأوسط بملفات سكان الضفة الغربية وقطاع غزة، ولأنه بذلك الإلغاء تُـلغى قضية القدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة إلى وطنهم، والذي أقرته ولازالت تُـقره الشرعية الدولية ممثلة بقرارات مجلس الأمن أو توصيات الأمم المتحدة، وهي القضية المحورية في الصراع العربي الصهيوني.

ومن المنطقي والطبيعي أنه برحيل الزعيم ياسر عرفات تعود الكثير من الأمور إلى نِـصابها، وأن يتبدد الكثير من الضباب القائم في المشهد السياسي، لكن في زمن يتّـسم بالكثير من اللامنطقي، وبعد الرصاصات التي أطلقت على خيمة العزاء في غزة (بغض النظر عن بعدها السياسي أو الأمني، وإن كان أبو مازن مستهدفا بها أم هي مجرد إطلاقات في الهواء للتذكير بالوجود ضمن المشهد والصورة)، فإن الزمن الفلسطيني القادم، وإن كان بالتأكيد ليس كالزمن الذي مضى على مدى العقود الأربع الماضية، لا زال مرتبطا بالرئيس ياسر عرفات وما تركه من إرث قد يكون عبئا على البعض، وقد يكون الضمان للبعض الآخر.

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة