Navigation

زيارة تاريخية تثير جدلا تاريخيا

زيارة البابا يوحنا بولس الثاني قوبلت بمقاطعة مسيحية لبنانية شبه كاملة Keystone

" زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى سوريا ، ربما ستكون الأكثر إثارة للجدل من كل جولاته مجتمعة في العالم " .بهذه التعابير المجلجلة لخّص مصدر دبلوماسي غربي لـ " سويس إنفو" نتائج زيارة الحبر الأعظم إلى بلاد الشام .ويبدو أن هذا الدبلوماسي كان على حق .

هذا المحتوى تم نشره يوم 08 مايو 2001 - 17:21 يوليو,

خلف كل نداءات السلام ودعوات المحبة التي واكبت زيارة البابا ، كان ثمة ديناميات أخرى أكثر قوة تفعل فعلها . ديناميات سياسية وأيديولوجية في آن واحد .

فمسيحيو لبنان ، على سبيل المثال ، ( وهم المعنيون أكثر من غيرهم بمضاعفات وجود البابا عند " خصمهم " السوري ) قاطعوا رحلة البابا بالإجماع تقريبا . ولم يشذ عن ذلك سوى مجموعة مسيحية صغيرة شديدة التمسك بالدين في شمال لبنان تطلق على نفسها أسٍم " جماعة الموعوظين " . وهي أوفدت إلى العاصمة السورية نحو 150 من اتباعها .

أما أسباب المقاطعة المسيحية اللبنانية فواضحة : إعلان الدعم لبطريرك الموارنة صفير الذي قاطع هو الأخر الزيارة ، احتجاجا على استمرار الوجود العسكري والأمني السوري في
لبنان .

والمسلمون في لبنان وباقي أنحاء المنطقة العربية ، لم يكونوا أقل امتعاضا من نتائج الزيارة . إذ برغم أن البابا يوحنا بولس الثاني زار مسجدا ، هو الجامع الأموي الكبير ، للمرة الأولى في التاريخ ، إلا أن الأوساط الإسلامية سجلت الملاحظات الآتية : أولا ، لم يعرف على وجه الدقة ما إذا كانت زيارة المسجد هي اعتراف مسيحي كاثوليكي رسمي بان المسجد ، وبالتالي الإسلام ، دين مقدس . كما لم يعرف ما إذا كان البابا قصد بالفعل زيارة الجامع الأموي ، أم الكاتدرائية البيزنطية التي بني عليها هذا الجامع في القرن السابع الميلادي والتي تحتوي على رفاه يوحنا المعمدان .

ثانيا ، البابا ، وعبر دعوته إلى الحوار مع الإسلام والى أن " يغفر كل جانب للآخر الخطايا التي ارتكبها في الماضي " ، رفض عمليا الاعتذار للمسلمين عن خطايا الحروب الصليبية ، كما فعل في أثينا مع الأرثوذكس .
لا بل أكثر : سمع بعض المسؤولين العرب من أسقف فاتيكاني كلاما يشدّد على أنه " يتعّين على المسلمين الاعتذار أولا للمسيحيين عن " غزوهم " ( على حد قوله ) للهلال
الخصيب البيزنطي في القرن السابع الميلادي ، ثم لجنوب أسبانيا ( الأندلس ) وبعدها لوسط أوروبا " .

من الرابح؟

ألان ، وإذا ما كانت الصورة على هذا النحو ، فهل هذا يعني أن أحدا لم يخرج راضيا عن زيارة البابا لسوريا ؟
كلا . فهناك سوريا نفسها ، التي كانت الرابح الأكبر في الواقع .
إذ أن هذه الجولة أفادتها إلى حد كبير في مجال العلاقات العامة والسياحة ، بصفتها المهد الأول للمسيحية ، وبكونها أيضا قاعدة آمنة للتعايش الناجح بين المسلمين والمسيحيين .

والاهم منذ هذا وذاك أن الرئيس السوري بشار الأسد ، أغتنم فرصة زيارة الحبر ليقدم المزيد من " أوراق الاعتماد " إلى الشعب السوري خاصة والعرب عامة ، بصفته بطل المواقف القومية العربية ضد إسرائيل والصهيونية .

ولم يكن بسيطا ، على أي حال ، أن يدعو الأسد المسيحيين والمسلمين إلى التوحد ضد من
" صلبوا السيد المسيح وخانوا النبي محمد " ، وأيضا " ضد من يقتلون مبدأ المساواة حين يتحدثون عن أن الله خلق شعبا متميزا عن باقي الشعوب " ، على حد تعبيره . و برغم أن هذه المواقف جرّت على الأسد ، وستجر عليه أكثر ، حنق الإسرائيليين والغربيين ، إلا انه بلا شك قطف ثمارها سلفا في شكل شعبية متزايدة في المنطقة العربية .

لقد غادر البابا يوحنا بولس الثاني الشرق الأوسط مخلفا وراءه الغبار والتساؤلات أكثر من الأفكار والتأملات . وبرغم انه ينبغي الانتظار قليلا لمعرفة ماذا إذا كانت الزيارة ستؤدي إلى إيجابيات ما ، خاصة على صعيد العلاقة بين دمشق ومسيحيي لبنان ، إلا أنه يمكن القول أن الدبلوماسي الغربي لم يمكن مخطئا كثيرا : فزيارة سوريا ستكون بالفعل من اكثر جولات البابا التاريخية .. إثارة للجدل التاريخي ! .

سعد محيو - بيروت

مقالات مُدرجة في هذا المحتوى

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.