تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

سجالات أمريكية حول استراتيجية الخروج

جندي أمريكي يقف حذو الأثار المدمرة التي خلفها تفجير شاحنة فجر يوم 9 مارس 2005 قرب فندق يقطنه متعاونون غربيون وسط بغداد

(Keystone)

بعد شهر ونيف من إجراء الانتخابات التي صُـوّرت على أنها نقطة التحول نحو بداية الاستقرار في العراق، يتواصل سقوط القتلى والجرحى في صفوف الجنود الأمريكيين.

وفيما يزداد الشعور بفداحة الثمن المطلوب لتغطية نفقات المشروع الأمريكي في بلاد الرافدين، تطالب بعض الأصوات بوضع استراتيجية واضحة المعالم للخروج من العراق.

اتفق المطالبون بتحديد تلك الإستراتيجية، على أن من أهم ركائزها أن تسمح الإدارة الأمريكية لتعاون الدول الحليفة في الغرب أن يوفّـر بديلا عن الهيمنة الأمريكية الكاملة على مقدرات العراق، ومن ثم توسيع نطاق دور الأمم المتحدة في العراق، حتى يمكن لحكومة عراقية مستقلة في المستقبل أن تُـدير بنفسها شؤون البلاد.

وبدأت الإدارة الأمريكية في جسّ نبض الدول الأوروبية وروسيا بعد طول خلاف بسبب الحرب الاستباقية الأمريكية على العراق، ومهّـدت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس الطريق لرحلة الرئيس بوش لأوروبا وروسيا، وبدأت بشائر استعداد الدول الحليفة لقدر متواضع من التعاون مع جهود تدريب قوات الأمن العراقية.

وفجأة، جاءت الأحداث المتعاقبة في الشرق الأوسط لتفتح شهية المحافظين الجُـدد من جديد للترويج لفكرة أن مبدأ بوش الخاص بالحروب الاستباقية، وتلويحه المستمر باستخدام كل الخيارات في إطار الحرب على الإرهاب، وخاصة تغيير النظام بالقوة في العراق، قد فتح باب الشرق الأوسط على مصراعيه لرياح التغيير الديمقراطي، انطلاقا من الانتخابات العراقية، مرورا بالانتخابات الفلسطينية، مما شجع الشعب اللبناني على أن يخرج إلى الشوارع على طريقة أوكرانيا ليُـسقط حكومة كرامي ويجبر سوريا على إعادة النظر في سياسة التمسك بوجودها العسكري في لبنان، بل وبدأ الرئيس بوش نفسه يشير في مؤتمراته الصحفية إلى تيار التغيير والحرية في الشرق الأوسط.

وعللت أوساط اليمين الأمريكي إعلان الرئيس المصري حسني مبارك طلب تعديل الدستور للسماح بانتخابات مباشرة بين أكثر من مرشح للرئاسة، وإجراء الانتخابات البلدية في السعودية بأنه من ثمار الحرب الاستباقية الأمريكية على النظام العراقي.

ووسط هذا الحشد والترويج لفكرة أن المشروع الأمريكي في العراق قد بدأ يُـؤتي ثماره، زاد الحديث فجأة عن ضرورة نجاح التجربة الديمقراطية في العراق وتوفير الضمانات لاستمرارها، وبدأ الحديث عن ضرورة استكمال بناء أربع عشرة قاعدة عسكرية أمريكية في العراق، وعدم وضع جدول زمني للخروج الأمريكي منه، حتى لا يستغله أعداء نجاح الديمقراطية، على حدّ تعبير المروجين للبقاء في العراق، وانتهاز الظروف المتأججة في المنطقة العربية لتصويرها كرياح التغيير التي هبّـت على أوروبا الشرقية بعد نجاح الولايات المتحدة في وضع نهاية للحرب الباردة وإزالة حائط برلين.

أعرب الدكتور منذر سليمان، المحلل السياسي والعسكري، لسويس إنفو عن دهشته من محاولة ركوب تيار الغضب الشعبي العربي والاحتفال به كثمرة لمبدأ بوش قائلا: "هناك تأجيل للحديث عن استراتيجية الخروج من العراق باستغلال إدارة الرئيس بوش التطورات المتلاحقة في العالم العربي، خاصة بعد اغتيال الرئيس الحريري، ومظاهرات "كفاية" للرئيس مبارك في مصر، والانتخابات البلدية في السعودية، لإبعاد الموضوع العراقي عن الجدل السياسي في أمريكا بمجرد انتهاء الانتخابات، ربما بسبب الوتيرة العالية للخسائر في أرواح الجنود الأمريكيين في العراق بمعدل ثلاثة جنود يوميا. وبلغ الاستغلال ذروته بمحاولة إرجاع الفضل في التطورات التي تدفع باتجاه الديمقراطية والتعددية في العالم العربي إلى زعامة الرئيس بوش ورياح التغيير التي أطلقها، وراقت تلك الأوهام للرئيس الذي أصبحت تصريحاته تعكس شعور الإمبراطور الذي يُـطلق الأوامر، فيتم تنفيذها في أنحاء المنطقة العربية، وكأنه باحتلال العراق قد هزم إرادة الأمة العربية بأكملها، ونجح في تحقيق حُـلمه بإعادة صياغة المنطقة انطلاقا من العراق".

هل يطول البقاء الأمريكي في العراق؟

وجهت سويس إنفو هذا السؤال للدكتور بول سوليفان، الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني الأمريكية، فأعرب عن اعتقاده الشخصي بأن القوات الأمريكية لن تخرج من العراق قبل مرور بضعة أعوام، قد تصل إلى عشرة أعوام أو أكثر، خاصة بعد الفوضى التي خلّـفها الغزو الأمريكي للعراق، رغم وجود مائة وخمسين ألف جندي أمريكي على الأرض العراقية، وهو وجود يشكّـل في حدّ ذاته مصدرا رئيسيا لعدم الاستقرار في العراق وتزايد مشاعر العداء إزاء ذلك الوجود.

وبعد أن كان الحالمون بإحدى استراتيجيات الخروج متعددة المراحل تبدأ بانتخابات عراقية من شأنها تهدئة العنف لمدة شهرين يمكن بعدها الانسحاب المرحلي من العراق، وليكن بعد ذلك ما يكون، انتهت الانتخابات ولم يتوقف العنف يوما واحدا.

وأعرب الخبير الأمريكي عن اعتقاده بأن دخول القوات الأمريكية وغزوها للعراق تم بدون إعداد أي استراتيجية للخروج، وبدون استشارة الخبراء الأمريكيين في الشؤون العراقية، وكانت النتيجة هو ما يشهده عراق ما بعد الحرب من فوضى وخسائر في أرواح العراقيين من جهة، وسقوط الجنود الأمريكيين الشباب يوما بعد يوم قتلى من جهة أخرى، دون أن يستطيع أحد تحديد كيفية الخروج من العراق، وفي وقت لا يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بالفشل في العراق لأن من شأن ذلك الفشل أن يحوله إلى ساحة للحرب الأهلية التي سرعان ما يمكن انتقالها إلى سوريا والأردن والسعودية، وتحويل المنطقة إلى حالة مستعصية من الفوضى وعدم الاستقرار.

ويتفق الدكتور منذر سليمان مع الدكتور سوليفان في أن حركة المقاومة داخل العراق ستتواصل لعدة سنوات، مما سيجعل الولايات المتحدة عاجزة عن تحقيق الانسحاب المرحلي في المدى القصير، وبالتالي، لن يكون قرار فك الارتباط العسكري الأمريكي مع العراق قرارا تتخذه الولايات المتحدة، وإنما سيكون إجراء تضطر إليه في ضوء استمرار الخسائر الأمريكية اليومية في العراق.

وتختلف نظرة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس إلى استراتيجية الخروج الأمريكي من العراق، حيث ترى أنه يجب عدم استخدام تعبير استراتيجية الخروج، وإنما إستراتيجية النجاح وتتوقف على الجهود المبذولة لإعداد العدد الكافي من قوات الأمن العراقية اللازم، لتوفير الأمن والاستقرار في البلاد ومدى الدعم اللازم من قوات التحالف للمحافظة على ذلك الاستقرار ونمو الديمقراطية في العراق.

وتساءل الدكتور منذر سليمان، المحلل السياسي والعسكري، عما تقصده وزيرة الخارجية الأمريكية بالنجاح، وما هو مقياس النجاح في العراق في غياب تقدير واضح للعدد المطلوب من القوات العراقية اللازمة لتحل محل قوات الاحتلال، وعدم إدراك أنه ليس المهم مدى التجهيز والإعداد لتلك القوات، بقدر أهمية أن تكون نظرة الشعب العراقي لتلك القوات العراقية على أنها ليست امتدادا لقوات الاحتلال، بالإضافة إلى إغفال الإدارة الأمريكية لحقيقة أن القضية الأساسية التي تخلق عدم الاستقرار هي قضية وجود قوات احتلال على الأرض العراقية وأولوية الأمن السياسي على الأمن العسكري.

ويبدو الجنرال جون أبي زيد، قائد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر تفاؤلا وتحديدا في الإجابة على مدة البقاء الأمريكي المكثف في العراق، إذ يتوقع أن تتمكّـن قوات الأمن العراقية المدرّبة من الأخذ بزمام القيادة في كبْـح جماح التمرد المسلح في العراق في معظم أنحاء العراق بحلول نهاية العام الحالي، لكنه حذر من احتمالات اندلاع أخطار أخرى تهدّد الأمن داخل العراق.

أصوات المشرعين الديمقراطيين

غير أن كل تلك التعريفات الغامضة للبقاء واستراتيجية الخروج من العراق لم تقنع الديمقراطيين في الكونغرس، فطالب السناتور هاري ريد، زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، إدارة الرئيس بوش بتحديد استراتيجية للخروج من العراق بشكل مشرف وكريم في ضوء الانتهاء من الخطوة الأولى، وهي الانتخابات التي أجريت في العراق.

وقال، إن على الرئيس بوش أن يعرف ما هو تعريف النصر في الحرب التي شنها على العراق، حتى يمكن ما الذي يجب عمله لكي يتم إنجاز المهمة. أما السناتور الديمقراطي البارز إدوارد كينيدي، فذهب إلى حد اقتراح خطة بالخطوات اللازم اتخاذها لتنفيذ استراتيجية للخروج من العراق فقال:

أولا: تحديد هدف عملي في العراق يتمثل في إقامة حكومة عراقية شرعية قادرة على إدارة شؤون البلاد بدون إملاء أمريكي.

ثانيا: تحقيق فك الارتباط السياسي بين العراقيين والولايات المتحدة بأن تُـتاح للعراقيين حرية اتخاذ القرار بأنفسهم.

ثالثا: فك الارتباط العسكري بين العراق والولايات المتحدة، وإعلان الرئيس بوش أنه ليس للولايات المتحدة نية للبقاء طويلا في العراق.

وخلص السناتور كينيدي إلى أن الوجود العسكري الأمريكي المكثف والمطول في العراق، أصبح يشكل جزءا من المشكلة وليس الحل، حيث أصبحت القوات الأمريكية تُـواجه الآن مقاومة تصل إلى أربعة أمثال ما كانت عليه عند نقل السيادة للحكومة الانتقالية في يونيو الماضي.

أما النائب الديمقراطي لي هاملتون، الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، ونائب رئيس اللجنة التي أصدرت تقرير التحقيق في هجمات سبتمبر، فيرى أن أفضل إستراتيجية لخروج الولايات المتحدة من العراق هي: "التعلم من الأخطاء الأمريكية في العراق خلال العامين الماضيين، حيث يتعيّـن أن تكون الحكومة العراقية الجديدة قادرة على توفير الأمن، وكذلك تنفيذ الإرادة الشعبية واحترام حقوق الأقليات، وألا يتم استبعاد أي من الفئات العراقية، وأن يتم الإسراع بخطى التدريب العسكري والمساعدات الاقتصادية الأمريكية، فيما تتولى الحكومة فعليا إدارة الشؤون العراقية لكي تتمكّـن من الانتصار على التمرد من خلال زوال صورة الاحتلال الأجنبي، ويجب أن يصبح واضحا أن الولايات المتحدة تريد بالفعل ترك العراق للعراقيين، وأنه ليست لديها أطماع لا في البترول العراقي ولا في إقامة قواعد عسكرية أمريكية في العراق، مع القيام بخفض تدريجي لحجم القوات الأمريكية".

رؤية كوردسمان

ويتفق الدكتور أنتوني كوردسمان مع هذا التحليل ويقول، إن هناك عددا من الخطوات التي يجب أن تتخذها الإدارة الأمريكية في إطار أي استراتيجية فعالة للخروج من العراق:

أولا: القيام بكل ما من شأنه إظهار استقلالية الحكومة العراقية الجديدة مع تشجيعها على أن تشمل الجميع من خلال الفدرالية.

ثانيا: إعداد خطة واضحة لتكوين قوة عسكرية أمنية عراقية مستقلة وقوات شرطة عراقية يكون بوسعهما معا أن يحلا محل القوات الأمريكية وقوات التحالف التي قد تقدم لهما الاستشارات.

ثالثا: استكمال عملية إعادة تنظيم جهود المساعدة الأمريكية مع التركيز على توفير الاستقرار على المدى القصير .

رابعا: إعلان الولايات المتحدة عن عزمها سحب القوات الأمريكية بمجرد أن تطلب الحكومة العراقية منها ذلك، وأن الانسحاب سيتم على مراحل تتماشى مع مدى استعداد القوات العراقية للحلول محلها.

خامسا: التخلي عن وهم المحافظين الجُـدد في أن العراق سيُـصبح نموذجا لنجاح الديمقراطية في الشرق الأوسط، سيمكن من خلاله نشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط.

محمد ماضي - واشنطن


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك