سنوات الرئيس ياسر عرفات

انطلقت معركة عرفات الأخيرة رسميا عندما وصلت الأمور عند نقطة الحسم النهائية في مفاوضات كامب ديفيد في صيف 2000 Keystone

ليس ثمة مرحلة بعينها تختزل الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

هذا المحتوى تم نشره يوم 09 نوفمبر 2004 - 10:17 يوليو,

بيد أن في العشر سنوات الأخيرة من عمره ومن سيرة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة ترجمة عملية لرحلة نضال سياسي امتدت على مدار أربعة عقود ونيف.

لا ريب أن التفاصيل المتشعبة للقرارات غير المسبوقة التي رسمها عرفات خلال فترة قيادته الأولى في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إنما حفرت بعناية فائقة ملامح الشخصية الفلسطينية الوطنية.

ربما كـرّ عرفات وفـرّ كثيرا خلال فترة الحكم الذاتي، وربما خاطر في لحظات معينة بالدخول في مجهول لم تعتده الحركة الفلسطينية، لكن المؤكّـد أن الرجل، صاحب القدرة التكتيكية الفريدة، قد خط أيضا طريقا استراتيجيا غيّـر وجه الصراع العربي الإسرائيلي.

وما كادت فكرة "غزة أريحا أولا"، وهي الاستهلال الأول لخطة الحكم الذاتي، قد أخذت تشق طريقها في صُـلب القرار الوطني وتثير زوابع سياسية معارضة حول الرئيس، حتى انقشعت غمامة اتفاق أوسلو عن أول سلطة فلسطينية على أرض فلسطينية.

كانت تلك فكرة لقاء الجغرافيا والسياسية التي عمل عرفات على مدار سنوات لتحقيقها، وتلك كانت قصة الحكم الذاتي واتفاق أوسلو التي حملت الزعيم الفلسطيني ومعظم رفاق دربه إلى أرض فلسطين، أو جزء صغير محدود منها.

لعل التجربة المثيرة والمغامرة التي صار عمرها عشر سنوات وتسعى إسرائيل الآن إلى تحطيمها وإعادة بلورتها حسب صيغة جديدة، قد تحوّلت إلى واحدة من أهم منجزات الزعيم الفلسطيني، بالرغم من كل الجدل والانشقاق الذي صنعته.

بيد أن في صميم الانشقاق والجدل أيضا، ما يشي بالكيفية التي أدار بها زعيم الفلسطينيين عملية الصراع الإسرائيلي العربي، التي ظلّـت منذ انطلاقها في موفى القرن التاسع عشر رهنا بعوامل محلية وإقليمية ودولية متناقضة ومتشابكة.

ويبدو أن إتقان عرفات للعبة التناقضات الكبيرة هذه، ومهارته الفريدة في تقريب البعيد وتسهيل الصعب، ما جعل من فترة الحكم الذاتي وما جرت من تداعيات على مجمل الحياة العامة الفلسطينية، مفصلا هاما في تاريخ الفلسطينيين الحديث.

محطة العودة

لم يكن قرار عرفات عام 1993 بالدفع نحو توقيع اتفاق أوسلو مجرد انعطافة حادة في تاريخ القضية الفلسطينية، بل أن المسألة برمّـتها تحوّلت إلى بداية مرحلة جديدة في عمر الصراع مع إسرائيل، وفي إرساء التفاصيل الأولى للسيادة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية.

كان لابد من تحقيق اختراق يخرج الفلسطينيين، الذين وصلت انتفاضتهم الأولى في الأراضي المحتلة إلى نقطة لاعودة، في وقت كانت قيادتهم في الخارج تدفع ثمنا باهظا بسبب تقييد حركتها ومواصلة عزلها.

وإذ أدرك عرفات أن الوقت قد حان لعقد تسوية تاريخية مع إسرائيل، فإنه كان يملك كل الأدوات اللازمة والظروف المناسبة للخروج على الفلسطينيين وعلى العالم بسبق عقد اتفاق تاريخي مع عدوه الأول إسرائيل.

هكذا انتقل عرفات، مؤقتا، من صاحب أطول ثورة في التاريخ الحديث، إلى رئيس سلطة لكيان وليد ظلّـت أسباب بقائه وتطوره مُـعلّـقة بإرث سنوات النضال الماضية وبأحكام تغيير فرضته عملية التحول ذاتها.

وبالرغم من سرعة الانتقال والتحول، ظل عامل لقاء السياسة بالجغرافيا يفعل سحره في غفلة من الجميع، وراح عرفات يفتح الأبواب في كل اتجاه في محاولة دؤوبة للخروج من بطن كيان الحكم الذاتي المحدود إلى فضاء الدولة المستقلة الحلم.

كادت الخطوة التالية تكون في مرمى حجر، وبدت الدولة المستقلة ظاهرة للعيان بالرغم من ظلام النفق، وكانت رحلة عرفات في منافي الأرض تتحول بواسطة نظرية الحكم الذاتي إلى واقع كيان سياسي متكامل.

المعركة الأخيرة

غير أن مثل هذا السيناريو السعيد لم يكن ليتّـخذ كامل تفاصيله، ويُـترجم إلى حقيقة واقعة، إذ ليس لمثل هذه الحياة الحافلة وتلك القضية العصية على أي تسوية محدودة أن تنتج سوى رد فعل معاكس.

وما أن غيّـب الاغتيال السياسي رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق رابين وشريك عرفات في سلام الشجعان، حتى راحت الأمور تأخذ منحى دمويا نحو التراجع والنكوص، وراح حلم الدولة الفلسطينية يتبخّـر من جديد.

وشكّـلت السنوات الفاصلة بين أواخر عام 1995 وأواخر صيف عام 2000 مرحلة جديدة، راح عرفات يعلن من خلالها على تجسيد الكيان الفلسطيني على الأرض، من خلال تكريس وجود السلطة الفلسطينية بكافة مؤسساتها، مؤكّـدا أنها ستظل تحت مظلة التحرير الفلسطينية.

انطلقت معركة عرفات الأخيرة رسميا عندما وصلت الأمور عند نقطة الحسم النهائية في مفاوضات كامب ديفيد في صيف عام 2000، ورفض عرفات الشروط الإسرائيلية والأمريكية للتسوية، ليدخل بذلك مواجهته النهائية في مسيرته الطويلة.

ورغم سنوات الحصار والعزل الأخيرة في مقر المقاطعة، ظل عرفات متمسّـكا بأمرين أساسيين: رفضه لشروط التسوية الإسرائيلية، وإصراره على تفعيل جميع الهيئات الفلسطينية بدءا من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ومرورا باللجنة المركزية لحركة فتح وهيئات ومؤسسات السلطة الفلسطينية الجديدة.

هشام عبد الله - رام الله

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة