شاهدان على الفشل الأمريكي في العراق

أثبتت التجربة قدرة أمريكا على تحقيق النصر في أي معركة عسكرية، إلا أنه من غير المؤكّـد أنها ستكون قادرة على حصد النتائج السياسية والإقتصادية المؤملة من الحرب على العراق swissinfo.ch

يُـواصل كبار المسؤولين الأمريكيين محاولة إضفاء صورة وردية على الوضع في العراق رغم كل الإنتقادات والتساؤلات المطروحة.

هذا المحتوى تم نشره يوم 11 ديسمبر 2004 - 17:31 يوليو,

في المقابل، يؤكّـد خبراء المخابرات الأمريكية والدراسات الاستراتيجية أن الوضع في العراق يُـنذر بتفجر مزيد من العنف، ويدعون إلى وضع خطط بديلة لإنهاء الوجود الأمريكي في العراق.

فقد أظهر القرار الأمريكي الأخير بزيادة عدد القوات الأمريكية في العراق، وتمديد وقت خدمة الكثيرين من الجنود الأمريكيين في العراق، مدى صعوبة السيطرة على الوضع الأمني بعد ثمانية عشر شهرا من شن الحرب الأمريكية على العراق، وخشية القادة الأمريكيين من تصاعد العنف قبل وأثناء الانتخابات، التي تُـصر الولايات المتحدة على إجرائها في 30 يناير 2005.

كما أظهرت زيارة دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي للقوات الأمريكية تذمر الجنود من عدم تزويدهم بالمدرعات الكافية لحمايتهم من الموت والعاهات المستديمة، التي عجز رامسفيلد عن تقديم مبررات مقنعة للتقصير في حماية الجنود الأمريكيين في العراق، مما دعا السناتور الديمقراطي كريستوفر دود إلى مطالبة وزير الدفاع بتقديم تفسير فوري لعدم وفائه بوعد قطعه أمام مجلس الشيوخ الأمريكي بأن تُـصبح كل ناقلات الجنود الأمريكيين في العراق مُـدرعة بحلول 31 يوليو الماضي.

ولقد "شهد شاهد من أهلها" على الفشل الأمريكي في العراق، حيث قال رئيس عمليات المخابرات الأمريكية في العراق في تقرير نهاية عمله في بغداد: "إن عملية إعداد وبناء قوات أمن عراقية تتسلم المهام الأمنية من القوات الأمريكية، لا تسير بالسرعة اللازمة لمواجهة العنف المتزايد من المتمردين والمسلحين في أنحاء العراق، مما سيؤدي إلى الحيلولة دون ظهور الحكومة العراقية بمظهر من يبسط سلطته على كافة أنحاء البلاد، وما لم يحدث تغيير في الموقف الأمني، وما لم تظهر الحكومة الانتقالية للشعب العراقي أن لها سلطة فعلية، وما لم يلمس العراقيون مظاهر واضحة لتقدمهم اقتصاديا، فإن العنف سيزداد في العراق، وخاصة إذا لم يشارك العراقيون من السُـنة، الذين اعتادوا أن يكون لهم ثقل كبير في السلطة في الانتخابات المزمع إجراؤها في يوم 30 يناير القادم".

وشدد مسؤول المخابرات الأمريكية على أن "العنف سيتزايد بعد الانتخابات، أيضا إذا أسفرت عن وصول الشيعة بأغلبية حاسمة إلى أقوى مراكز السلطة في العراق".

ومع أن السفير الأمريكي في العراق جون نيغروبونتي اختلف مع تقييم قائد عمليات المخابرات الأمريكية في بغداد، وحاول التركيز في تقييمه على ما وصفه بنجاح قوات التحالف والحكومة المؤقتة في التعامل مع المتمردين والمسلحين في العراق، فإن مايكل كوستيو، كبير مستشاري المدير الجديد لوكالة المخابرات الأمريكية بورتر جوس، أكّـد بعد عودته من بغداد أن "الوضع في العراق يتأرجح بين التقييمين".

ويرى الدكتور منذر سليمان، خبير الدراسات الاستراتيجية والعسكرية أن إجراء انتخابات في العراق في ظل الموقف الأمني الراهن سيُـلقي ظلالا قاتمة من الشك حول مصداقية وشرعية أي نتائج لانتخابات قد لا تنطوي على مشاركة واسعة من كل الفئات العراقية، وبالتالي، فإن تلك الانتخابات ستُـكرس نوعا من التقسيم الإداري للعراق على أسس عرقية وطائفية، بمعنى أن الجزء الشمالي الذي تقطنه غالبية من الأكراد ويتمتع بنوع من الحكم الذاتي، كما ستتمتع انتخابات الجزء الجنوبي من العراق، والذي تقطنه أغلبية من الشيعة بنوع من المصداقية في ضوء تشجيع المرجعية الشيعية للمضي قدما بالانتخابات في موعدها.

ولكن المنطقة الوسطى، التي يتركز فيها العراقيون السُـنة ستشهد حسب رأي الدكتور سليمان "كثيرا من اللغط حول مدى المشاركة الشعبية، حتى مع المشاركة الرمزية لبعض الأحزاب، مما سيجعل مشاركة أكثر من خُـمس سكان العراق أمرا مشكوكا فيه، ومما سيعقّـد الوضع في العراق عدم وجود حوار وطني ومصالحة وطنية حقيقية، مما سيضفي على نتائج الانتخابات صفة السيطرة الأمريكية، بحيث ستفرز قيادات تتعاطف مع المواقف الأمريكية، ولن تتسم بالاستقلالية التي يتطلع إليها الشعب العراقي".

يجب الإعداد للانسحاب

وفي تقرير آخر بعنوان "استراتيجية لإعادة تشكيل السياسة الأمريكية في العراق والشرق الأوسط"، أعده أنتوني كوردسمان، الخبير الاستراتيجي بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، طالب الولايات المتحدة بتجنّـب الالتزام العقائدي الذي لا مبرر له بضرورة الاستمرار في المهمة في العراق مهما كانت الظروف ومهما بلغت التكاليف.

وقال التقرير، إن الولايات المتحدة تُـواجه كمّـا هائلا من الغضب والرفض العراقي لاستمرارها في المهمة إذا اتّـضح فشلها، وبالتالي، فإذا طلبت حكومة عراقية منتخبة انسحاب القوات الأمريكية بعد أن تتمكّـن قوات الأمن العراقية من تأمين البلاد، فيجب أن تستجيب، كما يجب أن تنسحب القوات الأمريكية إذا اندلعت حرب أهلية في العراق. ولكن إذا قررت الولايات المتحدة الاستمرار في العراق، فيجب أن تتّـبع عددا من الخطوات لتحسين فُـرص نجاح المهمة، بما في ذلك، كما يقول تقرير كوردسمان:

1- التأكيد بما لا يدع مجالا للشك على أن الولايات المتحدة تسعى لإقامة حكومة شرعية في بغداد قادرة على البقاء، وأنها لا تسعى للتواجد في العراق متى تم إنجاز ذلك الهدف على أن تشفع الولايات المتحدة أقوالها بالأفعال.

2- تكثيف جهود المساعدات الأمريكية لتطوير نظام فعال لإدارة العراق، يعتمد على الإدارة المحلية، بالإضافة إلى الحكم المركزي في بغداد.

3- تخصيص الأولوية القصوى لجهود تطوير وبناء قوات مسلحة عراقية، وقوات أمن عراقية يمكنها تسلم المهام الأمنية من القوات الأمريكية.

4- تعديل الطرق المُـستخدمة في الحرب لتقوية المحتوى السياسي للاستراتيجية والتكتيك الأمريكي، بعد أن أثبتت التجربة أنه مع قدرة أمريكا على تحقيق النصر في أي معركة عسكرية، فإنه من غير المؤكّـد أنها ستكون قادرة على حصد نتائج سياسية واقتصادية للحرب.

5- إعادة تشكيل وصياغة جهود المساعدة الاقتصادية، للتركيز على تحقيق الاستقرار الداخلي في العراق خلال عامي 2005 و2006، ونقل مسؤولية التخطيط والإدارة والتنفيذ إلى الحكومة العراقية، مع الإنهاء التدريجي للعقود المُـبرمة مع شركات أمريكية في أقرب وقت ممكن.

وفي رد على سؤال لسويس إنفو حول تقييمه لتقرير توني كوردسمان، قال المحلل العسكري والاستراتيجي الدكتور منذر سليمان: "إن الاقتراحات التي انطوى عليها التقرير تقفز فوق المشكلة الحقيقية التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق، وهي أن وجودها العسكري استند على حرب انتقائية اختيارية غير شرعية لا تتمتع بتأييد المجتمع الدولي، وطالما لم تُـبد الولايات المتحدة استعدادها للتخلي عن الإدارة الكاملة والمطلقة للملف العراقي لجهة دولية شرعية، مثل الأمم المتحدة، للإشراف الحقيقي على المرحلة الانتقالية، بدلا من أن تستعين الولايات المتحدة بها فقط في دور شاهد الزور، فإن أي اقتراحات لا تسلم بدور دولي حقيقي متفق عليه في العراق لن تجدي نفعا".

ويرى الدكتور منذر سليمان أن الحكومة المؤقتة تفتقر إلى الشرعية باعتبارها جزءا من تراث الاحتلال الأمريكي، وبالتالي، يجب أن تُـشرف الأمم المتحدة على المرحلة الانتقالية لكي يمكن خروج العراق من شبح الفوضى، وغياهب العنف، وعواقب اندلاع حرب أهلية.

وردا على سؤال لسويس إنفو عن احتمالات تمكّـن القوات العراقية وقوات الأمن التي يجري إعدادها، من السيطرة على الوضع الأمني في العراق؟ أجاب الدكتور منذر سليمان: "من الذي يبني الجيش العراقي وقوات الأمن العراقية؟ هل من يقوم بالبناء سلطة تتمتع بالشرعية والاستقلالية والسيادة، أم سلطة تابعة للولايات المتحدة؟ إن استهداف هذه القوات مؤشر واضح على النظر إليها على أنها من أدوات يستخدمها الاحتلال، وأنها امتداد للاحتلال. وبالتالي، يتعيّـن ضرورة توفير المصداقية والمشروعية للهيكلية السياسية والتنظيمية والحكومية في العراق بإشراف دولي مقبول من الشارع العراقي، حتى يُـمكن بناء القوات المسلحة المستقلة، والأجهزة الأمنية لتحظى بالمساندة من الشعب العراقي، وليس من قوات الاحتلال الأمريكي".

تزيين الوضع في المنطقة

من جهة أخرى، أوصى تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية بتعزيز موقف الولايات المتحدة في العالم العربي من خلال منح الصراع العربي الإسرائيلي أكبر قدر من الاهتمام العلني، مع إعادة بناء العلاقات الأمريكية الخاصة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وتحسين التعامل الأمريكي مع العالم الإسلامي.

وعلق الدكتور منذر سليمان على هذه التوصية فقال: "إن التقرير نبّـه الإدارة الأمريكية إلى أنه لا يُـمكن الفصل بين ما يحدث في العراق وما يعتمل في النفوس العربية بسبب الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، وأن الكثير من الاحتقان القائم في العراق مردّه إلى عدم تسوية الصراع الرئيسي في المنطقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين ويدعو الإدارة الثانية للرئيس بوش أن تسير بالتوازي في استراتيجيتها تُـجاه العراق مع استراتيجية فعالة لدفع عملية السلام في الشرق الأوسط".

ويرى الدكتور منذر سليمان أن التقرير يؤكّـد أنه لن يمكن للولايات المتحدة رسم خريطة الشرق الأوسط انطلاقا من العراق فقط، بل يجب مساندة المشروع الأمريكي في العراق بالتحرك الفعال في تنفيذ خارطة الطريق، والتخلي عن رفع شعار الحرب على الإرهاب لاستهداف العرب والمسلمين، بل والإسلام.

وخلص الدكتور منذر سليمان إلى أنه رغم التأكيد اللفظي للمسؤولين الأمريكيين على ضرورة الحفاظ على وحدة العراق، فإنه منذ بداية الاحتلال تم وضع صيغة للحصص الطائفية في العراق في كل أشكال التنظيمات الإدارية والحكومية المؤقتة، مما يعني أن عملية التجزئة لم تكن أصلا من بين المخاوف الأمريكية.

وأعرب عن خشيته من أن الانتخابات التي تحرص الولايات المتحدة على إجرائها يوم 30 يناير 2005، ستكرس فرصة ميدانية لخلق نوع من التقسيم الواقعي على أسس طائفية للعراق، خاصة مع الحديث عن إقامة نظام فدرالي في الجنوب للشيعة، ووجود نوع من الحكم الذاتي الفعلي للأكراد في الشمال، واختتم الدكتور سليمان قائلا: "سيكون البديل لفشل الاحتلال الأمريكي في إحكام السيطرة على العراق، تفتيت الوحدة العراقية".

محمد ماضي - واشنطن

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة