لبنان: ديمقراطية أم إنفجارات إقليمية؟

تجمع عشرات الآلاف من اللبنانيين وسط العاصمة بيروت يوم 14 فبراير 2006 في الذكرى الأولى لاغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري swissinfo.ch

روما اللبنانية "من فوق" بدت يوم الثلاثاء 14 فبراير الماضي لوحة ديموقراطية جميلة تنضم بموجبها "ثورة الأرز" (كما أطلق الأميركيون على التظاهرات الجماهيرية اللبنانية) إلى الثورات الأرجوانية والبرتقالية والقرنفلية في أوروبا الشرقية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 16 فبراير 2006 - 02:01 يوليو,

لكن روما اللبنانية " من تحت " كانت عكس ذلك تماماً.

فالجماهير الحاشدة، والتي قدرتها وزارة الداخلية اللبنانية بالمليون ووضعتها "فاينانشال تايمز" في حدود نصف المليون، كانت تكرّس ليس تقدم لبنان نحو المزيد من النضج الديموقراطي، بل نحو المزيد من الإنقسام الوطني الذي يهدد مسيرة الديموقراطية والوطن في آن.

كيف بمكن لـ "سلطة الشعب" أن تنقلب على هذا النحو إلى "مؤامرة على الشعب"؟

الجواب يكمن في رؤية روما اللبنانية " من تحت " . حينها سيتكشف المشهد اللبناني عن حقيقيتن إثنيتن: الاولى لها علاقة بالتناقضات الداخلية والثانية بالصراعات الأقليمية- الدولية.

الحقيقة الأولى، الداخلية، تمثلت في نجاح الطبقة الطائفية اللبنانية منذ إنطلاقة ُ"ثورة الأرز" في 14 آذار- مارس 2004 (والتي جسّدت حينها نبضاً وطنياً وديموقراطياً لبنانياً حقيقيا)، بإعادة كل الفصائل السنيّة والدرزية والمسيحية إلى معاقلها الطائفية المغلقة.

صحيح أن هذه الفصائل المنضوية تحت ظلال هذه الثورة كانت تتلاقى بين الفينة والأخرى في ساحة الشهداء- الحرية في وسط بيروت، إلا انها كانت تفعل ذلك من موقع التحالفات الطائفية الآنية لا من منطلق التلاحم الوطني- المواطني الدائم. وقد تكرّس هذا الأمر مع قيام تحالف "حزب الله" – أمل الشيعي بالرد على تظاهرات 14 آذار الطائفية بحشود ضخمة أكثر طائفية.

سلطة .. على الشعب !

كل هذا ما خلق في لبنان طيلة السنة الماضية "أنواعاً عدة من الجماهير". لكن أياً منها لم يرق إلى مستوى "سلطة الشعب" التي تترافق عادة مع هذا المصطلح، بل هي كانت في الواقع ظاهرة أقرب إلى الفاشية منها إلى الديمقراطية.

فمئات الآلاف من الطرفين الذين ينزلون إلى الشوارع هذه الأيام، يفعلون ذلك بإشارة واحدة من إصبع الزعيم لدى الشيعة (السيد نصر الله) ومن الزعماء لدى السنّة (الحريري) والدروز( جنبلاط) والموارنة(جعجع). وحين يفعلون، ينتفي تماماً لديهم وعيهم الفردي، ويرضخون طائعين لوهم الوعي الجماعي الذي يقدمه لهم قادتهم "المعصومين عن الخطأ".

هنا، لا تعود المسألة، كما في الثورات الديموقراطية، ممارسة لسلطة الشعب ضد فرد او مجموعة أقلية أوليغارشية متسلطة عليه، بل تتحّول على العكس إلى قرار من الشعب بالسماح للفرد او القلة بمصادرة قراره والتحكم التام بمصيره.

هنا، لا تعود القضية، مثلاً، سلاح المقاومة أو القرار 1559 أو الحقيقة حول من إغتال الحريري، بل الإستجابة لرغبات ورؤى الزعيم "المختار" في كل ما يشتهي أو يقرر. وهي، في حال لبنان، رؤى ورغبات طائفية ومذهبية في الكثير من الأحيان، ومرتبطة بالخارج في كل الأحيان.

الكثيرون بالطبع درسوا هذه الظاهرة الجماعية، وخرجوا منها بهرم من التفسيرات. ففيلهم رايش، على سبيل المثال، رأى فيها "تجسيداً لقوة إنفعالية وجنسية كبيرة تعتمل في دواخل الجماهير، وتدفعها للبحث عن زعيم-أب بطريركي قوي تتبعه في كل ما يقول، بلا تساؤلات أو نقاش". وسيغموند فرويد نحى المنحى ذاته، مؤسساً بذلك "علم نفس الجمهور". وبعدهما كرت السبحة وصولاً إلى وضع تحديدات دقيقة لمصطلح "الجماهير غير الديموقراطية" ولتركيبة الزعيم-الغورو gourou.

فهذه الجماهير تتميز بأنها تعتقد بأنها تمتلك وحدها الحقيقة السياسية والدينية، وأنها الناجية وحدها من النار. وهي تتحرك بخلفية غريزية كاملة ضد من تعتبره العدو الوجودي او اللاوجودي لا فرق، كما تتحّرك باستسلام كامل لأوامر القائد او الزعيم. وفي المقابل، حين يشعر القائد أن الجماهير تدين له بمثل هذه الطاعة، تتضخم الأنا لديه وتتضاعف رغبته بالتلاعب بها وبمصيرها كما يشاء. لا بل هو في الكثير من الاحيان يمارس نزعة السادية ومشاعر العظمة والنرجسية (عبادة الذات) ضد جماهيره بالذات، فيحتقرها ويحقّرها كلما سنحت الفرصة. والحال ان إحتقار الجماهير سمة مشتركة بين الإستبداديين أو القادة الشعبويين. وهذا ما عبّر عنه ببلاغة نابليون بونابرت حين قسم شعبه الفرنسي إلى قسمين: الأباطرة الأذكياء والعبيد الأغبياء.

هل يعني كل ذلك أنه ليس ثمة إيجابية واحدة في كل هذا الزخم الجماهيري الراهن في لبنان ؟

حسناً. ربما كان هناك واحدة، وهي أن التظاهرات المليونية تكشف لنا كل ما هو مستور ومكبوت في أعماق هذه الجماعات. بيد أن هذه إيجابية سلبية في الواقع، لان إنكشاف المستور هنا لا يؤدي إلى حل المشكلة (كما في التحليل النفسي) بل إلى مفاقمتها. وهذا ما تؤكده على أي حال التحركات الجماهيرية في بلاد الأرز منذ سنة وحتى الان، والتي بدل أن تتطور إلى سلطة شعب، باتت سلطة على الشعب.

حروب بالواسطة

هذا على صعيد الحقيقة الداخلية الاولى. أما على صعيد الحقيقة الإقليمية- الدولية، فقد أدت تظاهرة الثلاثاء 14 فبراير إلى فرز شبه نهائي في لبنان بين القوى المؤيدة للمحور الأميركي- الفرنسي وبين تلك المنضوية في المحور الإيراني- السوري.

وهذا كان واضحاً على وجه الخصوص في خطب الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والماروني سمير جعجع و(إلى حد ما) السنّي سعد الحريري، والتي ركزت على رفع وتائر الصراع مع سوريا وإيران وحلفائهما الشيعة في لبنان تحت شعار "لبنان أولاً" وفرض سلطة الدولة على جنوب لبنان وضواحي بيروت التي تسيطر عليهما ميليشيات "حزب الله".

وقد عنى ذلك أن أركان الطبقة الطائفية بدأوا إستعدادتهم بالفعل لتحويل حروب الآخرين الإيرانيين والأمريكيين في المنطقة إلى حرب أهلية في لبنان. كما عنى أيضاً أن مشروع رفيق الحريري، الذي احتُفل بالامس بالذكرى الاولى لرحيله، لبعث دور لبنان الخدماتي-الإقتصادي، طوي بهدوء لصالح بعث دور الطوائف الخدماتي-العسكري.

جنبلاط كان الأشد وضوحاً في توصيف هذا المسعى، حين تبرم علناً من حصول حزب الله على مئات ملايين الدولارات سنوياً من إيران، ربما كشكوى ضمنية لمن يهمهم الأمر في واشنطن من عدم حصوله على مبالغ مماثلة. والحبل بعد وليد سيكون على الجرار بالنسبة لباقي أمراء الطوائف.

على أي حال، آثار أقدام موت المشروع الاول مبعثرة في كل مكان: أبنية فارهة وفاخرة بلا سكان؛ مراكز تجارية بلا تجارة؛ وحركة بلا بركة على مستوى النمو الاقتصادي. ودلائل إنبعاث المشروع الثاني واضحة في مكان أيضاً على ألسن قادة الطوائف الذين يتبارون الآن على نيل حظوة وأموال هذه أو تلك من القوى الإقليمية والدولية.

وبين إنحدار المشروع الاول وصعود الثاني، "تتراجع رغبة السلام والإزدهار وتتقدم ذاكرة الحرب والدمار"، على حد تعبير الباحث الأميركي ستيفن هامفريز.

الـسّـاحــة

كل هذه التطورات بدأت تطوي سريعاًً مشروع الوطن والدولة الديموقراطية، وتعيد إنتاج مشروع "لبنان الساحة" مجدداً. فلبنان الأن:

1- ساحة دولية- إقليمية لإسقاط أو تغيير أو تبديل النظام السوري. صحيح أن الشعار لبناني (معرفة حقيقة من قتل رفيق الحريري)، لكن الهدف لا علاقة له لا بالحريري ولا بلبنان ولا باللبنانيين. إنه صراع بين حلفاء الأمس في دمشق وواشنطن حول لوحة إقليمية إستراتيجية تغيّرت بحدة بعد غزو العراق، فبات ضرورياً تغيير السياسات والشخصيات وربما الأنظمة فيها.

2- وهو(أي لبنان) ساحة دولية – إقليمية تتجابه فيها إيران وأمريكا بالواسطة بدل أن تتناطحا مباشرة. صحيح أن الشعار لبناني وهو سلاح المقاومة أو حزب الله ، إلا أن واقع الامر أن طهران تدافع عن حليفتها دمشق في بيروت، وعن نفسها في الجنوب عبر تهديد إسرائيل بالرد عليها بصواريخ "فجر- 3" و"فجر- 5" التي يقال إنها في عهدة الحرس الثوري الإيراني.

3- وهو ساحة إقليمية لبعض الفصائل المسلحة الفلسطينية التي رأت في خروج سوريا من لبنان ودخول إيران إليه، فرصة ذهبية للإنغماس طرفاً في لعبة الصراع الشرق أوسطي مجدداً.

4- وهو ربما يكون أيضاً الساحة التي سينقل إليها أرباب النظام العراقي الجديد صراعاتهم الطائفية والمذهبية، إما لإرضاء بعض الأطراف الإقليمية أو لتعزيز مواقعهم في الصراعات المحلية العراقية عبر توسيعها إقليمياً.

5- ثم إن لبنان بات بعد الإنسحاب السوري ساحة ومرتعاً لنفوذ دولي امريكي – فرنسي تصطف وراءه العديد من الدول العربية النافذة، وتصطف ضده سوريا وإيران وحلفائهما الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم.

إنفجارات ؟

الان، إذا ما جمعنا هاتين الحقيقيتن الداخلية والإقليمية- الدولية معاً، سنكتشف ان منظر روما اللبنانية "من تحت" هو نقيض روما اللبنانية "من فوق".

كل شيء "من تحت" يشي بأن المسألة لا علاقة لها في العمق بالثورات الديموقراطية، ولها كل العلاقة بالصراعات الطائفية-المذهبية الخطرة على السلطة في الداخل وبالمجابهات الإقليمية- الدولية الأكثر خطراً في الخارج.

وهذه حقيقة ستثبت نفسها قريباً على الأرجح في النزاعات الجديدة التي ستنفجر على أرض الأرز، بحفز طبعاً من محوري واشنطن وطهران، على الصعيد السياسي وربما الامني أيضاً.

فعلى الصعيد الاول، بات واضحاً بعد تظاهرة الثلاثاء، أن تحالف 14 آذار الطائفي سيرد على محاولات تحالف 8 أذار الشيعي (والذي إنضم إليه الان تيار ميشال عون) لإسقاط الحكومة الحالية والإتيان بأخرى تطلب وقف التحقيق الدولي بإغتيال الحريري، بتصعيد الضغوط لإسقاط الرئيس لحود سواء في البرلمان او في الشارع او في كليهما. وهذا سيكون مدخلاً لمجابهات عنيفة لا يمكن لأحد التنبؤ بمداها.

وعلى الصعيد الامني، أدى الإحتقان والفرز الطائفيين الحادين إلى توفير الاجواء الملائمة لانفجارات أمنية واسعة قد تنطلق من اغتيال أية شخصية طائفية أو من تفجيرات أمنية يتهم فيها طرف الأطراف الاخرى المتخاصمة معه بها.

وبالطبع، المحور السوري- الإيراني والمحور الأمريكي- الفرنسي، سيكون أكثر من مستعد في كل حين لتوفير كل مستلزمات الحروب بالواسطة هذه، المتجددة على أرض روما اللبنانية "من تحت"!

سعد محيو- بيروت

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة