مؤتمر دولي للعراق.. الأهداف المتباينة

لازال الخلاف قائما بين فرنسا والولايات المتحدة بخصوص جدول أعمال المؤتمر الدولي المقترح ونوعية الأطراف الممثلة فيه swissinfo.ch

ثمة ورطة أمريكية في العراق لا يمكن إنكار وجودها لا من حيث المأزق الكبير الذي يواجه مجمل مشروعها، ولا من حيث الطريقة التي يمكن بها تصور الخروج الآمن من هذا المأزق.

هذا المحتوى تم نشره يوم 01 أكتوبر 2004 - 09:45 يوليو,

وما بين الورطة الآخذة في التعمق بين لحظة وأخرى، والبحث عن مخرج يحفظ قدرا من الهيبة الأمريكية، يُـمكن تفهم الدوافع التي حَـدَت بواشنطن ترك فكرة مؤتمر دولي تأخذ طريقها للتطبيق.

على الرغم من أن الولايات المتحدة لا زالت تحافظ على قدر من الغموض المقصود بشأن الهدف من المؤتمر ونتائجه المنتظرة إلا أنه يمكن أن نلمس ملامح الورطة الأمريكية المركبة في العراق بأقل قدر من الجهد.

فالتطور "الديمقراطي" يتعرّض لنكسات عديدة، والوضع الأمني، لاسيما في المناطق الوسطى من العراق، يبدو غير قابل للسيطرة، وعدد الهجمات التي تتعرض لها القوات الأمريكية وصل إلى 2300 هجوما، حسب إحصاءات شهر أغسطس، وهي مرشحة للزيادة مع اقتراب الانتخابات المقررة في يناير 2005 والتي تواجه بدورها أسئلة صعبة حول مدى شمولها لكل أرجاء البلاد، وقدر النزاهة والحرية التي ستنعم بها.

وفي الخلف، تتسرّب المعلومات حول وجود انقسامات حادة بين أركان إدارة الرئيس بوش تجاه الطريقة المناسبة لمعالجة الوضع العراقي. وفي كل، نلمس محاولات للبحث عن مخرج يحفظ بعض ماء الوجه، هو الشغل الشاغل للرئيس بوش وإدارته.

والمخرج المتصوّر ليس بالضرورة الانسحاب المفاجئ وترك العراق لأهله يفعلون به ما يشاءون. فذلك، مستبعد إلى حد بعيد، على الأقل في حسابات إدارة بوش الراهنة، ولم يتبق على الانتخابات الرئاسية الأمريكية سوى أقل من شهر ونصف، وهي مدة لا يمكن فيها اتخاذ قرارات كبرى ودرامية من هذا القبيل.

لذلك، يبدو البحث عن صيغة إقليمية ودولية تساند الحكومة العراقية المؤقتة في جهودها السياسية والأمنية، ويوفّـر غطاءً معنويا للشراكة مع القوات الأجنبية نوعا من المعالجة الممكنة والتي لا تتصادم كُلِـيّـا مع مُجمل المشروع الأمريكي في العراق.

دوافع وأهداف متباينة

الدوافع الأمريكية، وإن أمكن فهمها، وكذلك الدوافع العراقية، فإن المؤتمر كحدث يُـراد له مشاركة طيف واسع من الحاضرين من دول كبرى ومنظمات دولية وإقليمية، وقوى إقليمية تجاور العراق من كل جانب، لا يمكن تصور اجتماعها معا على هدف واحد من المؤتمر، الذي يبدو حتى اللحظة أنه مجرد فكرة تخضع للنقاش والتمحيص، حسب قول أحمد أبو الغيط، وزير خارجية مصر، الذي أشار بدوره إلى جملة من التساؤلات تم توجيهها إلى الدول المرشحة للحضور والمشاركة لكي تعطي إجابات بشأنها، يمكن أن تساعد على وضع النقاط على الحروف بشأن الهدف النهائي من المؤتمر، والوثيقة التي ستخرج عنه، وتوقيت الانعقاد في ضوء التوافق العام أن يكون الانعقاد فى النصف الثاني من شهر نوفمبر المقبل.

نحو آلية جديدة

ويذكر هنا أن آلية المؤتمرات الإقليمية الخاصة بالعراق أخذت طريقها للوجود منذ ما قبل عملية غزو العراق ثم احتلاله، وكانت تركيا صاحبة الاقتراح الذي وجد قبولا إقليميا وعربيا، وهي مؤتمرات كان لها دور وما زال في وضع مبادئ عامة تلتزم بها دول الجوار في التعامل مع الحالة العراقية، لعل أبرزها مبدآن، وهما الحفاظ على وحدة العراق، وعدم تدخّـل أية دول من الجوار بصورة مباشرة، وتحديدا بالمعنى العسكري في الشأن العراقي، وهي آلية حرصت دول الجوار العراقي على عقدها بين فترة وأخرى للتباحث في تطورات الشأن العراقي والتفاهم حول موقف جماعي تجاهه.

تختلف هذه المؤتمرات الإقليمية عن المطروح بشأن المؤتمر الدولي المُـعلن عقده أو استضافته في مصر من 22 إلى 24 نوفمبر المقبل. فالمؤتمر الجديد لن يقتصر على دول الجوار بالإضافة إلى مصر، بل سيشمل، إلى جانب دول الجوار هذه، أطرافا جديدة، كالجامعة العربية والدول الثمانية الكبرى والصين وممثلا عن الأمم المتحدة.

ومن هنا، فهو مؤتمر أقل من الدولي وأكثر من الإقليمي في الآن ذاته، ودوره الرمزي، في حال انعقاده، قد يفوق ما قد يقدمه على الصعيد العملي.

من يُـشارك؟

التوافق المبدئي على هوية المشاركين على هذا النحو، لا يعني أنه حُـسم نهائيا، خاصة في ضوء الموقف الفرنسي الذي عبّـر عنه وزير الخارجية، حيث دعا إلى مشاركة الجماعات السياسية العراقية، بما فيها التي تحمل السلاح. ففي هذه الحالة، لن تكون المشاركة حكومية وحسب، كما أكّـد على ذلك وزير خارجية العراق، بل ستكون خليطا بين الحكومي وغير الحكومي، لاسيما من قبل العراق، وهو ما سيجعل "شرعية" الحكومة المؤقتة محل تساؤل كبير، إن لم يكن يضربها في الصميم، بما في ذلك شرعية قيامها بإجراء الانتخابات، المفترض أن المؤتمر يهدف إلى مساندتها وتوفير مناخ إقليمي ودولي من أجل إنجاحها.

لكن الموقف الفرنسي، رغم أهميته وما فيه من دلالات، خاصة ما هو موجّـه إلى الجماعات العراقية التي قامت بخطف الصحفيين الفرنسيين، إلا أنه يبدو صعب التطبيق، إذ بدوره يثير أسئلة كبرى عن هوية الجماعات التي تحمل السلاح، وسيحق لها المشاركة في المؤتمر المذكور، وهل ستقبل الدول الأخرى بهذه المشاركة بما فيها من إسباغ شرعية إقليمية ودولية على جماعات متهمة بالإرهاب، والإساءة إلى الدين الإسلامي، والتجاوز في بعض عملياتها ضد العراقيين أنفسهم، ثم من يحدد هذه الجماعات، وكيف يُـمكن التأكّـد أن المشاركين سيكون لهم كلمة حاسمة على غير الجماعات المشاركة.

أسئلة كثيرة صعبة الإجابة، وتصب في ترجيح عدم مشاركة هؤلاء على أي نحو كان.

ما هو الهدف؟

هذا التباين العراقي الفرنسي بشأن هوية المشاركين في المؤتمر المُـزمع يمتد أيضا إلى الهدف منه. فوزير خارجية العراق هوشيار زيبارى حدّد هدف المؤتمر في نيل تأييد المشاركين لجهود الحكومة العراقية لتحقيق الاستقرار السياسي ودعم عملية الانتخابات المقررة في العام المقبل، وهو هدف ينسجم مع طبيعة المشاركين الذين يُـصر عليهم العراق من حيث أنهم الحكومات والمنظمات الدولية التي يمكن أن تسهم في تحقيق هذا الهدف.

في المقابل، أشار وزير الخارجية الفرنسي ميشيل بارنيي، إلى ضرورة أن يناقش المؤتمر كيفية خروج القوات الأمريكية من العراق وفق جدول زمني يصادق عليه مجلس الأمن، وهو أمر بدوره محل خلاف مع العراق الذي يرى أن وجود هذه القوات الأجنبية ضروري لأمن العراق في هذه المرحلة، وأن قرار خروجها مرهون بتنامي قدرة الأجهزة الأمنية العراقية نفسها على القيام بمهام حفظ الأمن والاستقرار في البلاد، وأيضا بوجود حكومة شرعية منتخبة تحدد مع هذه القوات الأجنبية ما يجب عمله في المستقبل خروجا أو بقاء.

لم يمتد هذا الخلاف العلني بعدُ إلى أطراف أخرى، وفي حالة بقاء الموقف الفرنسي وحيدا، فالأرجح أن يجد التصور العراقي تأييد باقي القوى المرشحة لحضور المؤتمر، والعكس صحيح. فإذا نشطت الدبلوماسية الفرنسية لنيل مؤيدين إقليميين ودوليين لموقفها، فالأرجح أن يحدث انقسام حول هدف المؤتمر، وربما لا يُـعقد أصلا.

يصل الغموض النسبي حول المؤتمر إلى توقيت الانعقاد. وكما سبق القول، فالنصف الثاني من نوفمبر هو الأرجح، وحسب وزير خارجية العراق، فالانعقاد سيكون بين 22 و24 نوفمبر المقبل، وفي حال الانعقاد في هذا التاريخ تحديدا، سيبدأ المؤتمر أعماله قبل يوم واحد من إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وينتهي بعدها بيوم آخر.

وفي حال قبلت إدارة بوش مثل هذه الصيغة الزمنية، يُـمكن القول أن هناك افتراضا مسبقا، إما بعدم انعقاد المؤتمر أصلا، ومن ثم إبعاد أي تأثير متوقع على مواقف الناخبين أو ربما الانعقاد بخطة عمل تتصادم بعض بنودها مع الطموحات الأمريكية.

د. حسن أبوطالب - القاهرة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة