Navigation

Skiplink navigation

محاولة إسبانية لتفكيك اللغم الصحراوي

كان المغرب أول بلد أجنبي يتوجه إليه رئيس الوزراء الإسباني خوزيه ثاباتيرو يوم 24 أبريل 2004 للإجتماع بالملك محمد السادس في الدار البيضاء Keystone

كثفت الدبلوماسية الإسبانية حركيتها على جبهة النزاع الصحراوي للوصول إلى صيغة مشروع قرار لمجلس الأمن تحظى بموافقة أطراف النزاع.

هذا المحتوى تم نشره يوم 19 أكتوبر 2004 - 14:21 يوليو,

وإذا ما أمكن تحويل المشروع إلى مرجعية لتسوية طال تعثرها، فإنه قد يفتح آفاقا لعلاقات مغربية جزائرية يسودها الوئام والتعاون.

من المنتظر أن يُـصادق مجلس الأمن الدولي على قرار جديد حول الصحراء الغربية قبل موفى شهر أكتوبر الجاري في أعقاب مناقشته لتقرير يُـقدمه كوفي أنان، بناء على القرار رقم 1541 الصادر في شهر أبريل 2004.

وتُـشير بعض المعطيات إلى أن مشروع القرار الجديد (الذي تسعى الدبلوماسية الإسبانية بدعم فرنسي أمريكي للتوافق حوله)، لن يكتفي بما شهده مجلس الأمن في المرات السابقة من مصادقة على تقرير الأمين العام والتأكيد على ما جاء في قراراته ذات الصلة بالنزاع الصحراوي، والتمديد مرة أخرى لبعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية (المينورسو).

ويأتي هذا التطور المُـرتقب في سياق التوجهات الجديد لمدريد، التي محورت دبلوماسيتها باتجاه المغرب العربي منذ أن عاد الحزب الاشتراكي بقيادة خوسي ثاباتيرو إلى السلطة في شهر مارس 2004، خصوصا وأن وزير خارجيته ميغيل انخيل موراتينوس، يُـعتبر من أبرز العارفين بشؤون المنطقة العربية عموما بحكم تمثيله للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط لسنوات طويلة.

لذلك، لم يكن غريبا أن يقرر ثاباتيرو بعد التشاور مع موراتينوس (في ظل الهيمنة الأمريكية شبه الكاملة على الأوضاع في الشرق الأوسط)، التوجّـه إلى تركيز حضور إسبانيا الدبلوماسي خارج الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية(حيث تتمتع بنفوذ تقليدي)، في منطقة المغرب العربي.

تحليلات مدريد

فمدريد، منذ ان تولى الاشتراكيون حكمها في الربيع الماضي، محورت دبلوماسيتها الاقليمية باتجاه المغرب العربي، بعد ان ادرك وزير خارجيتها موراتينوس ان منطقة الشرق الاوسط الساخنة، التي مثل الاتحاد الاوروبي فيها لسنوات طويلة، ليست ملعبه. فالولايات المتحدة الامريكية وطبيعة نزاعات المنطقة وأطرافها، تجعل حظوظ نجاح الدبلوماسية الاوروبية، والاسبانية تحديدا، ضئيلة ان لم تكن معدومة.

كما أن منطقة المغرب العربي ذات أهمية استراتيجية لاوروبا. فهي الاقرب جغرافيا، ولا يفصل بينهما سوى خمسة عشر كلم من البحر، وهي منطقة كانت في الماضي القريب خاضعة لسلطاتها وحكمها، ثم شكلت فيما بعد الحديقة الخلفية للقارة، وتحولت بالتالي إلى سوق واسعة تضم حوالي 100 مليون مستهلك لسلعها وضمانا لامنها وامانها، وفي الحاضر والمستقبل القريب.

يضاف إلى ما سبق أن دول الإتحاد الأوروبي الخمس والعشرين تحتضن مئات الالاف من المغاربيين المتوزعين على امتداد جغرافيتها الشاسعة، والذين شكل بعض أنفار منهم تهديدا امنيا استراتيجيا لها من خلال هجمات مسلحة نفذت فوق أراضيها أو في مناطق أخرى من العالم كان المغاربيون المقيمون في اوروبا حاضرين فيها بشكل أو بآخر.

وفي قراءة متأنية للرؤية الإسبانية الحالية، تُـرجـع مدريد كل الاخطار الوافدة من دول المغرب العربي اليها وإلى القارة الاوروبية (من هجرة سرية أو تهريب مخدرات او أعمال إرهابية)، إلى تعثر دول المنطقة في إنجاز تنمية حقيقية، بسبب الخلافات القائمة بين حكوماتها.

كما تعتبر أن طبيعة دول المنطقة وبنياتها الاقتصادية والاجتماعية أوصلت منذ منتصف الثمانينات التنمية الانفرادية (أي لكل بلد على حدة) الى طريق مسدود، يحول دون تشجيع استثمارات محلية او خارجية للمغامرة في سوق ضيق وغير أمن وبلا آفاق واضحة.

الــعـُــقـــدة

في هذا الإطار، شكل نزاع الصحراء الغربية، ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي المحور الاساسي للخلافات الجزائرية المغربية، وهو ما يعني أن اتحاد المغرب العربي (باعتباره إطارا للعمل المشترك وجملة من المؤسسات السياسية والإقتصادية النشطة) لا تقوم له قائمة الا بحصول وئام جزائري مغربي، مدخله الوحيد إيجاد تسوية نهائية للنزاع الصحراوي.

لذلك، رأت مدريد أن السبيل إلى تعزيز حضورها المغاربي ولعب دور يمكن ان تنجح به في المنطقة لا يكون إلا عبر التقريب بين الجزائر والرباط، وبذل جهود لتخفيف حدة التوتر الدائم، واقتراح افكار متوازنة تكون قابلة للنقاش من جانب الطرفين لتسوية الملفات العالقة بينهما، واساسا ملف الصحراء الغربية، خصوصا وأن إسبانيا هي الطرف المعني به تاريخيا باعتباره المستعمر السابق للمنطقة المتنازع عليها.

رئيس الحكومة الاسبانية خوسي ثباتيرو الذي اعتمد هذه المقاربة التي بلورها وزير خارجيته موراتيونس لم يحد عن نهج اسلافه الذين أرسوا تقليدا يتمثل في تخصيص المملكة المغربية بأول زيارة رسمية لرئيس الحكومة الجديد، نظرا لاهمية الملفات العالقة بينهما، لكنه بادر بإرسال وزير خارجيته إلى الجزائر ثم قام هو بزيارة رسمية للجزائر وتردد وزراؤه على مدى الشهور الخمس الماضية في حركية دائمة مع الرباط والجزائر، واحيانا باتجاه تندوف، حيث جبهة البوليزاريو التي تسعى لاقامة دولة مستقلة بالصحراء الغربية.

في هذه الزيارات، طرحت الافكار الاولى التي اشتغلت عليها الحكومة الاسبانية مدعومة من فرنسا ونوقشت مع المسؤولين هنا او هناك، وتتلخص في "الدعوة لعقد قمة في مدريد تحضرها الرباط والجزائر وفرنسا واسبانيا تبحث مقاربة جديدة للنزاع"، الا ان الجزائر رفضت الفكرة فيما رفض المغرب فكرة أخرى تتمثل في عقد اجتماع بين المغرب وجبهة البوليزاريو.

مدريد تواصل التحركات

رفض الفكرتان لم يثن عزم مدريد وواصلت تحركاتها واتصالاتها، وتركت المغرب والجزائر يذهبان خلال الاسابيع الماضية الى ما يشبه الحد الاقصى في توتر علاقاتهما، الذي امتزج بأنباء عن حشودات عسكرية على حدود البلدين وسباق تسلحـ وفي ظل حملات اعلامية وتصريحات رسمية ومذكرات الى الامم المتحدة.

وكانت آخر مظاهر هذا التوتر، المعركة الدبلوماسية التي شهدتها اروقة اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للامم المتحدة (لجنة تصفية الاستعمار)، وفشل البلدان في الوصول الى مشروع توصية تحظى (على غرار الدورات السابقة) بالاجماع وتمريرها دون تصويت.

وحسب تصريحات المسؤولين المغاربة، فإنهم اقترحوا على الجزائر تعديلات على مشروع التوصية تشير الى مهمة الفا دي سوطو، مبعوث الامم المتحدة الذي خلف جيمس بيكر في العمل على حل سياسي توافقي للنزاع يكون مقبولا من جميع الاطراف. الا ان الجزائر رفضت التعديلات واصرت على التصويت على التوصية كما قدمتها، فصادقت عليها اللجنة، وهو ما اعتبرته الجزائر "نصرا دبلوماسيا".

لكن المصادقة كانت بـ 52 صوتا فيما امتنعت 89 دولة عن التصويت وغابت 50 دولة عنه، وهي مصادقة ضعيفة مقارنة بنتائج المصادقة على التوصية المعنية بالنزاع طوال السنوات الماضية، وهو ما جعل المغرب يعتبر نتائج التصويت "صفعة" للجزائر وتأييدا لموقف المغرب الداعي لحل سلمي توافقي يتجاوز الاستفتاء.

لم تكن مدريد طوال الاسابيع الماضية ساكنة، بل كانت تتحرك وتتصل وتتشاور وتبلور افكارا للتقريب، لأنها كانت تعلم ان المغرب والجزائر يصعدان لهجتهما بمناسبة التئام دورة الجمعية العامة للامم المتحدة واستعداد مجلس الامن لمناقشة النزاع الصحراوي وتطوراته واتخاذ قرار جديد، ولاقتناعها أيضا بأن الطرفين سيفرغان ما في جعبتهما ويعودان من جديد للبحث عن مقاربة ترضي المجتمع الدولي الذي مل هذا النزاع الطويل.

هـل تنجح إسبانيا؟

ومنذ أن بدأت في التحرك، كانت مدريد تعلن انها تلتزم بقرارات مجلس الامن الدولي وأن أفكار جيمس بيكر لتسوية النزاع (التي تضمنها القرار 1495 الصادر في يوليو 2003)، تمثل اطارا لتحركها، لكنها تقول: "إنه ليس اطارا مقدسا".

وللتذكير، يعتمد القرار منح الصحراويين حكما ذاتيا مؤقتا تحت السيادة المغربية يعقبه استفتاء تنظمه الامم المتحدة يقرر من خلاله الصحراويون مصيرهم في دولة مستقلة أو الاندماج بالمغرب.

ومن الناحية العملية، تبحث مدريد عن مقاربة تحفظ ماء الوجه لكل اطراف النزاع وتعطي كل واحد منهم ما يريد مع الزامية تطبيق ما يتفق عليه.

ومن المتوقع أن لن يكتفي مشروع القرار الجديد الذي تسعى الدبلوماسية الاسبانية، بدعم فرنسي - أمريكي هذه المرة، للتوافق حوله بما كانت تتضمنه القرارات السابقة من مصادقة على تقرير كوفي أنان، والتأكيد على قراراته السابقة ذات الصلة بالنزاع الصحراوي، وتمديد ولاية بعثة الامم المتحدة المنتشرة في الصحراء (مينورسو) التي تنتهي في موفى شهر أكتوبر الجاري، بل تسعى مدريد لصدور قرار يكون مرجعية للتسوية السياسية للنزاع، وقابلا للتطبيق ولا ينتهي بغالب ومغلوب على غرار كل القرارات الاقليمية والدولية ذات الصلة بالنزاع.

وإلى حد إعداد هذا التقرير، لم تعلن مدريد رسميا معالم هذه المقاربة، حتى في خطوطها العريضة، والى حد الان لا زال كل طرف من اطراف النزاع متمسكا بالحدود التي يعلنها شرطا لقبول اية تسوية.

فالمغرب لا زال يرفض أية تسوية أو حل لا يضمن له وحدته الترابية وسيادته على الاقاليم الصحراوية، فيما هو على استعدادا للنقاش والتفاهم تحت هذا السقف. أما الجزائر فهي متمسكة بحق الصحراويين في تقرير مصيرهم في استفتاء تنظمه الامم المتحدة وتعتبر أن اية تسوية يجب ان تكون مؤقتة وممهدة لممارسة هذا الحق.

لذلك، يتوجب على مدريد أن تظهر خلال الايام القليلة القادمة عبقرية دبلوماسية استثنائية لايجاد صيغة أو ابتكار مقاربة تضمن لكل طرف من أطراف النزاع الصحراوي ما يريد، دون المس بحدود الطرف الاخر!؟

محمود معروف - الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة