مخيمات للاجئين في بلدان شمال إفريقيا؟

تتصاعد في فصل الصيف وتيرة تدفق المهاجرين على الشواطئ الإيطالية. في الصورة قارب مكتظ بمهاجرين سريين لدى وصوله مخفورا من طرف حرس السواحل إلى جزيرة لامبيدوزا جنوبي إيطاليا يوم 25 يوليو 2004) Keystone

وصف روكو بوتيليوني، المفوض الأوروبي المقبل لشؤون العدل والحرية والأمن، فكرة إقامة معسكرات لطالبي اللجوء إلى الإتحاد الأوروبي في شمال إفريقيا التي اقترحها وزير الداخلية الألماني أوتو شيللي بأنها "جيدة".

هذا المحتوى تم نشره يوم 17 أغسطس 2004 - 16:15 يوليو,

في المقابل، رفضت الاوساط الحكومية المغربية تأكيد أنباء عن مفاوضات تجريها بروكسل مع عواصم مغاربية لتجسيد الفكرة مستقبلا.

فجأة ارتفعت اصوات من شمال افريقيا تشكو كثافة التواجد على اراضيها لمواطنين افارقة قادمين من دول جنوب الصحراء ومرشحون للهجرة السرية نحو اوروبا. وحتى ليبيا التي هجرت الانتماء العربي نحو الانتماء الافريقي وفتحت حدودها للافارقة دون اية ضوابط صرخت من مخاطر امراض واوبئة اجتماعية اتى بها اليها الافارقة.

واذا كان يصعب اعتماد الصدفة للصراخ المشترك، فإن انباء أخرى وردت من الضفة الشمالية للمتوسط أشارت إلى تحرك اوروبي لاقامة معسكرات تجميع للمهاجرين الافارقة الذين يضبطون مقيمين في دول الاتحاد الاوروبي بدون اوراق قانونية.

الاوساط الحكومية المغربية ترفض تأكيد أنباء عن مفاوضات يجريها الاتحاد الاوروبي مع دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط لاقامة معسكرات فوق أراضيها للمهاجرين السريين التي يتزامن الحديث عنها مع دراسة في بروكسل (المقر الرسمي للاتحاد الاوروبي)، لمقترح يدعو إلى رفض النظر في أي طلب للجوء السياسي الا اذا قدم من خارج أراضي الاتحاد.

ومنذ ان بدأ "الارهاب الاسلامي" قضية عالمية، تحولت الهجرة غير المشروعة وملفات اللجوء السياسي إلى قضية تشغل السلطات في دول الاتحاد الاوروبي، الذي تحول إلى قبلة شبان دول العالم الثالث الذين يحلمون بحياة افضل يعتقدون انها متوفرة في دول الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط.

فمنذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، تحول الانشغال الاوروبي من هذا اللجوء وهذه الهجرة الى قضية امنية والشغل الشاغل للدوائر الامنية والسياسية في دول الشمال اثر اكتشاف التواجد المكثف لناشطين اصوليين متشددين، خاصة من اصول مغاربية، في عدد من العواصم والمدن الاوروبية.

بين الصراخ وغض الطرف

وكان الاتحاد الاوروبي منذ ان بدأ العمل باتفاقيتي شنغن ودبلن وتطبيق سياسة الحدود المفتوحة بين دوله من جهة وانهيار المعسكر الاشتراكي والتحاق عدد من دول هذا المعسكر بالاتحاد من جهة أخرى، وما رافق ذلك مع أزمة اقتصادية بدأت تلوح بالافق، الى تقليص التواجد القانوني للعمال المهاجرين القادمين من دول الجنوب سواء كانوا من تركيا وبقية دول الشرق الاوسط أو من بلدان المغرب العربي ودول افريقيا الواقعة جنوب الصحراء، وذلك من أجل افساح المجال للقادمين الجدد اولا من اسبانيا والبرتغال (في الثمانينيات) ثم للقادمين من دول وسط وشرق اوربا(منذ نهاية التسعينيات).

في البداية كانت بروكسل تعتمد تقليص مهاجري دول العالم الثالث عبر سياسة التشجيع للعمال المهاجرين ولدولهم في نفس الوقت، وذلك من خلال تعويضات مجزية ومساهمة في إعادة التكوين للافراد إضافة إلى منح وقروض وهبات واستثمارات للحكومات، لكن هذه السياسة لم تأت بالثمار المرجوة، لان الدول المصدرة لليد العاملة كانت تئن تحت ثقل ازمات اقتصادية هيكلية فاقمت بعض جوانبها حرب الخليج الثانية وانخفاض اسعار النفط وبالتالي تقليص الاستثمارات والدعم القادم من البلدان الخليجية النفطية إلى الدول المصدرة للعمالة.

لكن ما لم تكن دول الاتحاد الاوروبي، خاصة اسبانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والمانيا، تدركه هو ان رؤية المهاجر القادم من دول الجنوب، وخاصة من دول المغرب العربي، قد تغيرت جذريا. فقد اصبح المهاجر القادم منفردا في الستينات والسبعينات، رب عائلة تتكون من عدة افراد، واكتشف ان الحياة في اوروبا، تؤمن له ولعائلته رعاية اجتماعية وصحية وتعليمية، غير متوفرة في بلاده.

كما أن الظروف التي نشأ في ظلها افراد عائلته وطبيعة الحياة اليومية التي اعتادوا عليها، تكرهه على البقاء. فطبيعة الحياة اليومية لا تقتصر على الاكل والشرب وما تتطلبه رغبات الشباب من حريات اجتماعية سيحرم منها وقيم وتقاليد ستفرض عليه بل الحريات السياسية والنقابية والتعبيرية التي اعتاد عليها بحيث لم يعد يفكر (على غرار آبائه) في كيفية اختيار الكلمات وانتقاء التعابير قبل نطقها خوفا من عواقب وخيمة ستجرها عليه.

وبدلا من ان تخفف دول الاتحاد الاوربي من التواجد المكثف لمهاجري دول الجنوب، بدأت مع تسعينيات القرن الماضي تشهد اتساع ظاهرة الهجرة السرية، وهم المهاجرون الذين يدخلون البلاد بصورة شرعية ويقيمون فيها دون اوراق رسمية او يدخلون بصورة شرعية (سياحة، دراسة..) ويبقون فيها بدون اية وثائق اقامة قانونية، وتصاعدت هذه الظاهرة مع استفحال الازمات الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة بين الشباب، وخريجي الجامعات تحديدا في دول الجنوب، ومع تفاقم الازمة الامنية في الجزائر وأدى ذلك كله الى البحث عن ملجأ سياسي وامني واجتماعي آمن ولقمة عيش حتى لو كانت مغمسة بالخوف.

معسكرات وملاجئ في الجنوب؟؟

تصاعد المد الاصولي الاسلامي، كان ناقوسا يدق في دول الجنوب، الجزائر ومصر تحديدا، وتحولت الدول الاوربية شيئا فشيئا إلى ملجإ للمطاردين من طرف سلطات دولهم، وقدمت لهم احيانا بعض الرعاية والتشجيع، لكنها اكتشفت فيما بعد ان الاصولية المتشددة بدأت تخط اثارها على الوضع الامني الاوروبي، فتحركت آلتها الامنية ولم تسرعها الا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وأدى ذلك إلى تفكيك شبكات قيل إنها تابعة لتنظيم القاعدة او إلى تنظيمات اصولية متشددة كانت تنشط في اوربا طولا وعرضا، شرقا وغربا ولم تعد تُحتمل بعد هجمات 11 مارس 2004 في مدريد التي نفذتها مجموعة من الناشطين اتضح أنهم من أصول مغربية.

الاجراءات الامنية، من مراقبة وملاحقة واعتقال لم تكن كافية لخلق الامان لدى السلطات الاوروبية، فشددت إجراءات الدخول على مواطني دول الجنوب الراغبين بالزيارة او العلاج أو الاقامة، وكثفت مراقبتها لشواطئها وحدودها البرية ومارست ضغوطها على دول الضفة الجنوبية للمتوسط، خاصة تونس وليبيا (الاقرب للشواطئ الايطالية) والمغرب الأقصى (الاقرب للشواطئ الاسبانية). ويبدو أنها أدركت مؤخرا ان الحل قد لن يكون الا بـ "التخلص من المهاجرين" أو على الاقل، في المرحلة الاولى، من المهاجرين السريين الذين يصعب ضبطهم ومراقبتهم امنيا.

وتريد اوروبا - التي يحرص سياسيوها على طابعها الانساني - أن يكون هذا التخلص بطريقة "آدمية"، حيث تفتقت اذهان بعض واضعي سياساتها الامنية (وخاصة في ألمانيا وإيطاليا) مؤخرا عن أفكار تدعو لإقامة "معسكرات - ملاجئ" في دول جنوب المتوسط التي يمكن ان تتحمل عبء أي انتهاك يمارس عليهم دون ان يصاب "الضمير" الاوروبي بالوخز والتأنيب.

مفاوضات وتعويضات

ليبيا والمغرب كانتا الدولتان المغربيتان اللتان " تجاوبتا" مع الصراخ الاوروبي، وذلك بصراخ اعلى وشكوى امر، فوزير الخارجية الليبي عبد الرحمن شلقم شكا الاسبوع الماضي من اجتياح المهاجرين الافارقة لبلاده الذين قدر عددهم بمليون افريقي، وقال ان احياء في طرابلس باتت بأيدي المهاجرين ويفرضون فيها قوانينهم وينشرون البغاء والمخدرات مما يهدد النسيج الاجتماعي الليبي وعزف شلقم على الوتر الذي يثير حساسية الاوروبيين بالتأكيد أن متطرفين اسلاميين قد يكونوا بين هؤلاء المهاجرين.

وفي الرباط قالت صحف مغربية ان اكثر من مائة وعشرين الف افريقي من دول جنوب الصحراء مرشحون للهجرة السرية موزعون على المدن المغربية، وانهم يتخذون من الاحياء الشعبية ملجأ لهم وذهبت مصادر صحفية للحديث الى ان شبكات تهريب الافارقة المرشحين للهجرة السرية اقامت لهم معسكرات ايواء في مناطق الشمال المغربي، في الغابات والجبال الوعرة.

ويصعب فصل الصراخ الليبي المغربي المفاجئ عن الافكار الاوروبية المتداولة حول اقامة معسكرات ايواء للمهاجرين السريين في دول الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، فقد يكون شكوى حقيقية وتخوفات مطروحة وتحذيرا للاوروبيين من ان الشمال الافريقي لا يحتمل اقامة معسكرات جديدة، بعد ان بات الحديث عن تحول منطقة الصحراء الكبرى مأوى للجماعات الاصولية الاسلامية الملاحقة ولعصابات تهريب المخدرات والاجرام، قال وزير الخارجية الليبي ان الاصوليين يعدون لجعلها منطقة عازلة وان قوات بلاده خاضت معارك مع هؤلاء في المناطق الحدودية مع تشاد وعن شكوى مغربية من ان جبهة البوليزاريو تستغل وضعية المنطقة في حربها ضد المغرب لاقامة دولة مستقلة في الصحراء الغربية.

وقد يكون الصراخ رغبة في رفع قيمة التعويضات المادية والسياسية الممكن الحصول عليها اذا ما بدأت المفاوضات بشكل جدي وتحولت الافكار المتداولة الى مشروع يجري التفاوض حوله بين الطرفين والوصول الى مرحلة "المساومة على المقابل او التعويضات".

قد لا يعرف هذا المشروع الاوروبي طريقه للنور، لكن الانباء تتحدث انه محل تداول، وقد يكون الان قد دخل مع بعض دول الجنوب، يتردد ان من بينها تونس والمغرب، مرحلة التفاوض، مما يجعل تحقيقه رهينا بمدى تعاطي هذه الدول مع المشروع.

محمود معروف – الرباط

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة