تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

نظرية "البقاء الطويل" في أرض العراق

صورة بثتها وزارة الدفاع الأمريكية يوم 10 أبريل 2006 الماضي عن مناورات نفذتها قوات عسكرية في الصحراء العراقية

(Keystone)

لم تعُـد مسألة "الانسحاب من العراق" تحتل نفس وزنها السابق في النقاش الدائر حول مستقبل العراق أو هكذا يبدو مؤقتا في ظل سيطرة سيناريوهات سيئة تتعلق بالحرب الأهلية أو تقسيم الدولة أو النفوذ الإيراني.

بل إن العامل الرئيسي الذي يُـطرح حاليا كسبب محتمل لسحب القوات، يتعلق بحسابات الداخل الأمريكي (!)..

لم تعُـد مسألة "الانسحاب من العراق" تحتل نفس وزنها السابق في النقاش حول مستقبل العراق أو هكذا يبدو مؤقتا في ظل سيطرة سيناريوهات سيئة تتعلق بالحرب الأهلية أو تقسيم الدولة أو النفوذ الإيراني على الأذهان، لدرجة أن العامل الرئيسي الذي يُـطرح حاليا كسبب محتمل لسحب القوات، يتعلق بحسابات الداخل الأمريكي.

لكن في ثنايا ذلك، بدأت نظرية ما في القفز إلى الواجهة، يتم التأكيد في إطارها على أن السؤال الصحيح الذي يمكن أن تقدِّم إجابته فهْـم أكثر واقعية لمستقبل العراق، لا يدور حول "موعد الانسحاب"، وإنما "محددات البقاء"، وشتان ما بين الأمرين.

معادلة تحت السطح

لقد كانت تلك النظرية قائمة دائما بصورة ما. فهناك عبارة باردة شائعة تردّدت كثيرا في التحليلات، تقرّر أن القوات الأمريكية قد دخلت العراق لتبقى فيه، وحتى المناوئون للسياسة الأمريكية ذاتهم، كانوا يتهمونها بأنها لا تريد الرحيل أو أنها لن ترحل. وعادة ما كانت الإجابات غير الرسمية – بعيدا عن الإعلام - للساسة العراقيين حول احتمالات الانسحاب الأمريكي أقرب إلى "الابتسامة الساخرة"، بمعنى أن الجميع يُـدركون المسألة جيدا.

لكن أحدا لم يكن يمكنه أن ينظر لموضوع الانسحاب من تلك الزاوية، لسبب أخلاقي أولا. فهناك احتلال يجب أن يكون الأساس هو رحيله وليس بقاؤه، ولسبب سياسي هو أن الإقرار بفكرة البقاء ليس ورقة تساومية جيدة، وليست شعبية نهائيا، ولسبب عسكري أخيرا، هو أن القوات الأمريكية قد تضطر فعليا للرحيل كما فعلت مرارا في فيتنام ولبنان والصومال بفعل ارتفاع ثمن البقاء.

ولقد احتفظت تلك النظرية أيضا بقوَّتها مع الوقت. فرغم أن القوات الأمريكية كانت تتكبّـد باستمرار خسائر كبيرة، لدرجة جعلت المقارنات مع الحالة الفيتنامية ذات معنى، ورغم أن ثمن الاحتلال قد ارتفع بمراحل عمّـا كانت تُـخطط له الإدارة الأمريكية أو تتصوره، لدرجة أثارت الجنرالات المتقاعدين أنفسهم ضد وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ورغم أنها كانت ترتكِـب طِـوال الوقت عشرات الأخطاء التي لم يبد أبدا أن هناك طريقة لضبطها، ظلت المعادلة تميل لكفة استمرار البقاء مقابل الاستعداد للخروج، عند كل المفترقات.

المعادلة بين الخسائر

وِفقا لتلك النظرية، فإنه يجب التفكير بشكل مختلف في مسألة الانسحاب من العراق حتى يمكن الوصول إلى تقدير حقيقي بشأن المستقبل، بعيدا عن الاعتبارات الأخلاقية أو التوجهات السياسية، مع افتراض بقاء العوامل الأخرى على ما هي عليه. وتبعا لذلك، يُـفترض أن يتم النظر بعين الاعتبار إلى نقطتين:

الأولى، أن المصطلحات المستخدمة تحتاج إلى ضبط. فهناك فارق بين انسحاب القوات الأمريكية من العراق وخروج الولايات المتحدة من العراق، وإذا كان الانسحاب متصورا، فإن الخروج ليس كذلك، وإلا فإن كل ما حدث سيتحوّل إلى فصل عبثي في العلاقات الدولية. يوازى ذلك في الأهمية، أن هناك فارقا بين انسحاب القوات من العراق وإعادة انتشار أو هيكلة القوات في العراق، والاحتمال الأخير الذي أصبح مفهوما في المنطقة، هو الأقرب للواقع، في المدى المنظور، على الأقل حتى عام 2009.

الثانية، أن الإدارة الأمريكية تفكّـر في ثمن الخروج من العراق بمثل ما تفكّـر في ثمن البقاء في العراق، وربما – وهذا هو الجديد نسبيا – بأكثر مما تفكر في ثمن البقاء في العراق، وهنا، توجد تلك الاعتبارات المعقّـدة المتعلقة بمعادلة الخسائر البشرية والمالية مقابل الخسائر الإستراتيجية، التي أشار إليها هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق بقوله "إن الانسحاب من العراق قد يؤدي إلى كارثة"، وهو تقدير موقف سائد داخل أوساط صنع السياسة في واشنطن. فالقدرة على احتمال ثمن البقاء، لا تزال أكبر من تصوّر احتمال ثمن الرحيل.

عدة استراتيجيات كبرى

إن أهمية تلك النظرية هي أنها تدفع نحو محاولة إعادة التفكير في كل ما حدث بشأن العراق مرة أخرى، لمحاولة استكشاف ما إذا كانت الولايات المتحدة ستبقى في العراق بالفعل أم لا. فهناك اتجاه شهير يرى أن حرب العراق كانت عملا خاطئا في اتجاه خطأ في توقيت خطأ بطريقة خاطئة.

وبعيدا عن التفسيرات التآمرية التي تقرر أن ما يُـقال بشأن "الأخطاء"، يحاول الإيحاء بأن الهدف الصحيح منذ البداية كان إيران، يستند هذا الاتجاه في تفسير ما حدث باعتباره نتيجة لتوجّـهات اليمين المحافظ الأيديولوجي في واشنطن أو الطريقة التي تُـدير بها إدارة الرئيس بوش سياسة الولايات المتحدة الخارجية أو وجود فائض قوة وقتها عبر عن نفسه بتلك الصورة.

إن ما يعنيه ذلك، هو أن الولايات المتحدة يمكن أن تترك العراق، فما حدث خطأ، يمكن تصحيحه، وقد اعتادت أمريكا في النهاية على أن ترضّـخ للواقع، مع بعض التعديلات، كما يشير سلوكها في حالات مثل باكستان وكوريا الشمالية وكوبا، وربما إيران، وهناك حتى "معادلة خسائر بشرية" ترتبط بذلك. فأحيانا ما يتردد أن خسائر بشرية بمعدل 3000 جندي تمثل "ثمنا مقبولا"، وأن ما بين 3000 إلى 5000 جندي "تثير مشكلة" كما يحدث حاليا، وأن الوصول إلى معدل 5000 جندي "يطرح فورا فكرة الانسحاب"، فهو رقم لا يُحتمل عسكريا أو سياسيا.

لكن هناك اتجاه يرى أن الولايات المتحدة ذهبت إلى العراق لسبب قوي وشأن كل النظريات، فإنها لا تولي أهمية كبيرة لتلك التفاصيل الخاصة بالأسباب المحدّدة المعلنة للغزو، والتي تمثل ذرائع لا تقدم تفسيرات مقنعة، كالحديث عن تنشيط العراق لبرنامجه النووي بعد عام 1998 أو وجود علاقة بين نظام صدّام حسين وشبكة القاعدة، بصرف النظر عما إذا كانت تلك الأمور صحيحة أم لا، وقد ثبت أنها لم تكن كذلك على الإطلاق، بل ربما كانت هناك فرصة وقتها للتفاهم مع نظام صدّام حسين.

هنا، يثار أن الإدارة الأمريكية، ربما كانت مهتمة أساسا بفكرة "استعادة الردع" بعد ضربة 11 سبتمبر 2001، وأن العراق كان حلقة ممكنة الاستهداف في قائمة دول محور الشر أو أن الهدف الرئيسي كان هو السيطرة على الاحتياطي الأكبر للبترول في العالم في ظل إستراتيجية كُـبرى تتردّد أسماء دول مثل الصين في سياقها أو أن المسألة كلها كانت تتعلّـق ببداية عملية واسعة لضبط منطقة الشرق الأوسط، مثل العراق فيها الهدف المباشر، وتمثل دول أخرى في الجوار أهداف تالية، ثم هناك "جائزة كبرى".

لا توجد خطة خروج

أيا كانت التفسيرات، فإن الواضح هنا – حسب تلك النظرية – هو أن الولايات المتحدة لن تخرج من العراق بتلك البساطة التي يتم تناولها في التحليلات الخاصة، باحتمالات انسحاب القوات الأمريكية من العراق، بما يتضمّـنه ذلك من الحديث عن الخفض التدريجي للقوات أو الجداول الزمنية لانسحابها أو المناطق الخاصة بإعادة انتشارها أو الحد الزمني النهائي لوجودها (2009).

إن كل هذه الأمور ستحدُث في ظل المحدّدات المتعلّـقة بأداء الحكومة العراقية الجديدة، وتقدم عملية إعادة بناء القوات العراقية، وحجم الخسائر التي تتعرّض لها القوات الأمريكية، والانسحابات المتتالية للقوات المتحالفة، وتوجهات الرأي العام الأمريكي، والحسابات الخاصة بالانتخابات الأمريكية في الكونغرس والرئاسة، وربما حتى – وفق ما شاع مؤخّـرا – حسابات المواجهة أو التفاهم مع إيران، لكن كل ذلك لا يشكّـل كل معالم الصورة.

إن العراق قد تحوَّل إلى "مشكلة مركزية" بالنسبة للولايات المتحدة، وبالتالي، فإنه لا يتمّ التعامل معه بمنطق بسيط عبر أسئلة ذات بُـعد واحد تهدف إلى التوصّـل لإجابة بنعَـم أو لا. فعلى الأرجح، ستبقى الولايات المتحدة طويلا في العراق، حتى لو كان ما حدث كله سلسلة أخطاء قادت القوات الأمريكية إلى هناك.

الأسباب عديدة، منها أن الوصول إلى العراق قد رتّـب نتائج لا يمكن تجاهلها وكأنها لم تحدث، وخلق ميزات لا يُـمكن التخلي عنها بسهولة، وأن الانسحاب قد يمثّـل بالفعل (وفق إشارات قيادات القاعدة) هزيمة ساحقة، والأهم أنه ربما لا توجد لدى الإدارة الأمريكية أصلا – حسب أحد استطلاعات الرأي العام التي أجريت داخل الولايات المتحدة – خطة واضحة للخروج من العراق، حتى لو كانت تريد ذلك. ومن هنا تأتي قوة تلك النظرية.

د. محمد عبد السلام – القاهرة


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×