تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

هواجس وكوابيس المرأة في العراق

منذ سقوط نظام صدام حسين، تعيش المرأة العراقية أوضاعا مأساوية بسبب التسيّب وانعدام الأمن

(Keystone)

أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية تقريرا حول مناخ الخوف المسيطر على المرأة في العراق باعتبارها ضحية للعنف الجنسي والاختطاف.

وعزّزت المنظمة تقريرها بشهادات حيّـة عن تقاعس الشرطة العراقية وقوات الاحتلال الأمريكية

ربما يكون صحيحا القول، إن في الموضوع قدرا أكبر من الحقيقة ذاتها. لكن الحقيقة التي لا يُـمكن لكائن إنكارها هي أن شبح انعدام الأمن بات اليوم جاثما على كل مفاصل الحياة في بغداد وفي باقي مدن العراق في ظل العهد الجديد.

فمن يلتقي بشرائح مختلفة من الشعب العراقي، لابد له أن يسمع من القصص ما يشيب لهوله الأطفال. وقد يكون في ذلك شيء من المبالغة والتهويل، وهذا أمر طبيعي. إلا أن سويس انفو كانت شاهدا على واحدة من القصص التي تكررت مشاهدها في فيلم الرعب المتواصل عرضه في العراق، ولاسيما في بغداد.

فقد كانت عائلة السيد (محمد) آمنة وادعة يعيش في كنفها صبيان وبنتان، إلا أن ما حدث ذات يوم هزَّ كيان الأسرة على نحو مُـرعب.

فبرغم أنه لا يعرف ثمة أعداء لها، إلا أنها وجدت نفسها في مواجهة عصابة محترفة تُـجيد فنون اقتحام المنازل وسرقة محتوياتها بعد رصد مداخلها ومخارجها وطبيعة ساكنيها.

فقد اقتحم ثمانية أشخاص مُـلثّـمين الدار، وسرقوا كل ما خفَّ حمله وغلا ثمنه من مجوهرات وأموال، ولم يكتفوا بذلك، بل أنهم ساقوا معهم الطفل ذا الثلاثة عشر عاما ليطالبوا أهله بفدية تبلغ نحو مائة ألف دولار.

وكان اثنان من أفراد هذه العصابة يقومون بمهمة الانتظار في الخارج، فيما كان ثلاثة آخرون منهم يجوبون الحي السكني بثلاث سيارات للرصد والمراقبة. ومع مرور خمسة أيام حتى الآن على هذه الجريمة، فإن الفصل الأكثر مأساة منها (الاختطاف) ما زال قائما حتى الساعة.

ومع أن عشرات الدور، بل المئات منها تمت سرقتها بطرق مشابهة، وأن مئات السيارات الشخصية، فضلا عن الحكومية كانت نهبا للصوص منذ سقوط بغداد واحتلالها، إلا أن ثمة أمرا صار يُـشكّـل هاجسا لكل عائلة عراقية. إنه شبح اختطاف الفتيات واغتصابهن.

تبعات الإنفـلات الأمني

وبالتأكيد، فإن هذا الموضوع الذي بات يُـمثّـل لوحده رُعبا ساكنا في صميم العوائل والفتيات له من الأبعاد الاجتماعية والصحية والنفسية مما يعجز المرء عن الإحاطة به تماما.

ويروي أطباء أقسام الطوارئ في عدد من المستشفيات التي ما تزال تعمل الآن، أنهم يعالجون العديد من حالات الاغتصاب يوميا. لكنهم يؤكدون أن معظم من يتعرّضن لهذه الجريمة، تُـظهرن إصرارا على أن ما تعرضن له، كان مجرد إصابات ناجمة عن شجار أو حادث مروري. ويعود سبب ذلك الإنكار إلى الثقافة السائدة في المجتمع العراقي المحافظ، حيث العار الذي يلحق بالضحية.

وقام عاملون في المهن الطبية والضحايا والشهود والسلطات المسؤولة عن تنفيذ القانون، بتوثيق بعض تلك الجرائم التي تعرّضت لها فتيات عراقيات، معظمهن من طالبات المدارس الإعدادية أو المتوسطة، أي اللاتي تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عاما.

وهناك قلق حقيقي أن الكثير من هذه القضايا يمر دون أن يبلغ عنها أو يُـحقّـق فيها أحد، إذ تخشى بعض النساء والفتيات أن يؤدي الإبلاغ عن جرائم العنف الجنسي إلى وقوع أعمال القتل دفاعا عن الشرف، وإلى وصمهن بالعار في المجتمع الذي ما تزال الأعراف الريفية تحكمه في أحيان كثيرة.

وتساورهن مخاوف لها ما يُـبرّرها من التعرض للعزلة الاجتماعية، والنبذ من جانب الأسرة، وربما القتل غسلا للعار أيضا، برغم أنهن مجرد ضحايا يُـفترض أن تتوفّـر لهن الحماية والرعاية والشعور بالأمان من المجتمع.

وثمة أخريات يُـواجهن عقبات تثنيهن عن تقديم بلاغات للشرطة ومتابعتها أو الخضوع لفحص طبي شرعي يتمخّـض عن دليل قانوني على حدوث العنف الجنسي ضدهن، الأمر الذي يمنعهن من تلقي العناية الطبية والسعي للإنصاف وتحقيق العدل.

وثمة مسألة إجرائية تتصل بالإجراءات البروقراطية التي تعترض سبيل الضحايا، حيث لا تستطيع النساء والفتيات تلقي الفحوص الطبية الشرعية، إلا إذا أحالتهُـن الشرطة للجهات المختصة.

انتكاس مكاسب المرأة وحقوقها

وفي بعض الحالات التي طلبت فيها بعض النساء والفتيات العون إثر تعرضهن للعنف الجنسي، مُـنعن من تلقي الرعاية الطبية، لأن بعض العاملين في المستشفيات لا يعتبرون معالجة ضحايا العنف الجنسي جزءً من مسؤوليتهم، أو يعطون هذه الرعاية أولوية متأخرة، نظرا لمواردهم المحدودة من جراء الحرب وعواقبها، لاسيما ضعف ذات اليد.

وأياً كان السبب، فإن الروايات الموثقة أو التي ترددها الشائعات عن العنف الجنسي والاختطاف، تسهم في إثارة مناخ ملموس من الخوف بين الناس.

وبسبب ارتفاع معدلات اختطاف الفتيات، أحجمت أسر عراقية كثيرة عن إرسال بناتهن إلى المدارس خشية تعرضهن لحالة خطف، والذي يسير في شوارع بغداد نهارا أو عصرا يندر أن يرى فتاة تتبضع من متجر، إذ يبدو المجتمع وكأنه ذكوري فحسب.

وتغامر أعداد قليلة من الفتيات بالاستمرار في مزاولة أعمالهن الوظيفية. وبالتالي، فإنهن قلّـما يخرجن من منازلهن، وإذا حصل ذلك، فإنهن يخرجن جماعات أو من خلال إيصال ذويهن لهن إلى مقر العمل.

وتروي (أطياف)، وهي موظفة في إحدى السفارات في بغداد، أنها لم تخرج من منزلها منذ انتهاء الحرب بمفردها، والمرة الوحيدة التي خرجت فيها من المنزل، أُصيبت برعب حقيقي ظلَّ يسكنها حتى عودتها إلى المنزل. إلا أن هذه الفتاة العراقية، تؤكّـد أنها تصل إلى مقر عملها بمعاونة سائق سيارة تم استئجاره لهذا الغرض، حيث لا يمكن أن تطمئن – هي أو ذويها – إلى استخدام سيارات الأجرة العابرة في الشوارع.

وتمثل حالة (أطياف) صورة مختصرة لما تعانيه النساء في العراق من رعب حقيقي، نتيجة انعدام الأمن وشيوع الفوضى.

أجراس الخـطـر

وقد وجدت هذه الظاهرة صداها لدى المنظمات الدولية المعنية، إذ قالت منظمة هيومن رايتس ووتش الأمريكية للدفاع عن حقوق الإنسان، إن انعدام الأمن الذي تعاني منه العاصمة العراقية بغداد وغيرها من المدن العراقية، ترك تأثيراً واضحاً على الحياة اليومية للنساء والفتيات، مما يمنعهن من المشاركة في الحياة العامة في هذا الوقت الحاسم من تاريخ البلاد.

وقد جاء ذلك في تقرير مُـوسّـع وتفصيلي أصدرته المنظمة المدافعة عن حقوق الإنسان الأسبوع الماضي، تحدثت فيه عن ما أسمته مناخ الخوف المسيطر على النساء والفتيات باعتبارهن ضحايا للعنف الجنسي والاختطاف في بغداد.

وخلصت المنظمة إلى أن علّـة العلل في شيوع الخوف من الاغتصاب والاختطاف بين النساء وذويهن، هو تقاعس السلطات العراقية وسلطات الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة عن توفير الأمن العام في العاصمة العراقية والمدن الأخرى أيضا.

وقد أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع ضحايا وشهود الاغتصاب والاختطاف وأفراد الشرطة العراقية والمهنيين الطبيين وأفراد الشرطة العسكرية الأمريكية والضباط المعنيين بالشؤون المدنية، وتلقت 25 ادعاءً جديراً بالتصديق عن الاغتصاب أو الاختطاف.

وانتهت المنظمة في تقريرها إلى أن ضباط الشرطة لم يولوا أهمية كبيرة لادعاءات العنف الجنسي والاختطاف، وأن الشرطة ليست لديها موارد كافية، وأن ضحايا العنف الجنسي قوبلن باللامبالاة والتحيّـز الجنسي ضدهن من جانب الموظفين العراقيين المكلفين بتنفيذ القانون.

كما خلصت هيومن رايتس ووتش في تقريرها إلى أن الشرطة العسكرية الأمريكية لم تسد الفجوة الناشئة عن امتناع الشرطة العراقية أو عجزها عن إجراء تحقيقات جادة في حالات الاختطاف والعنف الجنسي.

وقالت المنظمة إن عدم الاهتمام الكافي باحتياجات النساء والفتيات، أفضى إلى عجز الشرطة أو إحجامها في بعض الحالات عن إجراء تحقيقات جادة، بل أن بلاغات العنف الجنسي والاختطاف المُـقدّمة للشرطة ضاعت في بعض الأحيان.

وتروي المنظمة الدولية في ذلك التقرير العديد من القصص الجديرة بالتصديق، والتي كانت ضحاياها فتيات عراقيات بعضهن لم يتجاوزن العاشرة من العمر، لكنها تؤكد أن كل هؤلاء الضحايا، كُـنّ يعانين من إهمال الشرطة العراقية والأمريكية على حد سواء، وإذا ما استجاب أحد إليهن، فإنما يتم ذلك بعد وقت يسمح للجناة بالهرب.

وحثت هيومن رايتس ووتش الولايات المتحدة على إرسال وحدة خاصة للتحقيق في الجرائم القائمة على الجنس أو جرائم المتاجرة بالأعراض التي تتعرض لها النساء والفتيات، وتدريب الشرطة العسكرية والشرطة العراقية بشأن حاجة ضحايا العنف الجنسي إلى تلقّـي الرعاية الطبية والشرعية فورا، حتى يمكن جمع الأدلة الخاصة بكل جريمة.

ودعت المنظمة الجهات المانحة إلى ضرورة إعطاء أولوية خاصة للبرامج التي تُـعنى بمراجعة القوانين الحالية وتعديلها، ضمانا للتوفيق بينها وبين التزامات العراق في ظل المعايير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وعدم التمييز على أساس الجنس أو النوع، ومنح النساء والفتيات المساواة وتكافؤ الفرص، وتدريب المسؤولين عن تنفيذ القانون، والمسؤولين بالسلطة القضائية على التعرف على جرائم العنف الجنسي والتحقيق فيها وتحريك الدعوى القضائية بشأنها وتقديم المساعدات المالية والفنية لمنظمات المجتمع المدني، التي تقدم الخدمات للنساء والفتيات اللاتي يتعرّضن للعنف الجنسي والمتاجرة بأعراضهن.

مصطفى كامل - بغداد


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

swissinfo en arabic en Facebook

دعوة للإشتراك في صفحتنا بالعربية على فايسبوك

تفضّلوا بالإنضمام إلى صفحتنا العربية على فايسبوك

×