اقتصاد إيران المنهك قد يجعل أي نجاح في الحرب شيئا عابرا
من باريسا حافظي وأنجوس مكدويل
دبي 8 أبريل نيسان (رويترز) – تنظر السلطات الإيرانية إلى الهدنة مع الولايات المتحدة وإسرائيل على أنها نصر استراتيجي، لكن طهران باتت منهكة ومعزولة باقتصاد ممزق واحتمالات محدودة لتعاف سريع وشعب يرزح تحت وطأة الفقر ويشعر بالاستياء والمرارة.
فبعد أسابيع من الضربات الأمريكية والإسرائيلية، خسر كثير من الإيرانيين وظائفهم وارتفعت الأسعار. ودُمرت مصانع ومحطات طاقة وخطوط سكك حديدية ومطارات وجسور. وانقطعت العلاقات التجارية بالغة الأهمية مع دول الخليج ربما لعقود مقبلة.
ورغم أن إيران تبدو أكثر جرأة على الساحة الإقليمية بعد فرض سيطرتها على إمدادات طاقة بالغة الأهمية، فإنها تواجه أزمات داخلية متصاعدة قد تشكل في نهاية المطاف تهديدا أكبر للجمهورية الإسلامية من القنابل الإسرائيلية أو الأمريكية.
* الحاجة إلى تخفيف العقوبات
في مقابلات أجرتها رويترز مع خبراء سياسيين إيرانيين وأصحاب أعمال ومحللين، رسمت رويترز صورة لبلد على شفا الانهيار الاقتصادي فيما يعيش قادته هواجس مستقبل أكثر فقرا وغموضا.
ويظل شبح اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية في أنحاء البلاد حاضرا، على غرار تلك التي اندلعت في يناير كانون الثاني قبل أن تقمعها السلطات في نهاية المطاف بقتل آلاف الأشخاص، بعدد يفوق عدد القتلى في إيران خلال الحرب.
وقال مسؤول إصلاحي سابق إن القلق من أن يؤدي الاقتصاد المنهار إلى جولات جديدة من الاحتجاجات يهيمن على كل قرار حكومي. وقال مصدر سياسي مقرب من المؤسسة الإيرانية إن المسؤولين ينظرون إلى الاقتصاد باعتباره نقطة الضعف الأخطر في البلاد.
وقال المصدر المطلع إن أي اتفاق سلام شامل سيستدعي رفع العقوبات الدولية والإفراج عن الأموال المجمدة، وإلا فستواجه السلطات صعوبات شديدة حتى في دفع رواتب الموظفين، فضلا عن إصلاح البنية التحتية المتضررة. وأضاف أن هذا الوضع يفضي في النهاية إلى التشكيك في قدرة القيادة على حكم بلد يبلغ عدد سكانه 90 مليونا.
وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ في جامعة سانت أندروز “لا يمكننا فعلا تقدير حجم الضرر والتداعيات السلبية داخل إيران. لكن ما جرى، وفق كل المعايير، يمثل فشلا ذريعا لإيران. فليس هناك أموال والبنية التحتية مدمرة”.
وأضاف “كان إغلاق مضيق هرمز الخيار الأخير، وحقيقة قيامهم بذلك تدل على يأسهم. وهو خيار بعائد متناقص، لأن التكلفة التي ستتحملها إيران على المدى المتوسط إلى الطويل ستكون هائلة للغاية”.
وقال أراش، صاحب مصنع صغير للملابس في مدينة تبريز شمال إيران، إنه اضطر إلى وقف الإنتاج، مما أدى إلى توقف 12 موظفا عن العمل مؤقتا.
وأضاف “حتى الآن لا أعرف متى سأتمكن من إعادة فتح (المصنع). كل هذا مرهون بموعد انتهاء هذه الأزمة”.
* الصناعات الرئيسية في إيران تحت ضغط
قال مسؤول إيراني إن حجم الأضرار يعني أن إصلاح كبرى المنشآت الصناعية التي تشكل عصب الاقتصاد سيستغرق شهورا أو سنوات، وإن البلاد “ستواجه كارثة” إذا لم تُرفع العقوبات.
وأضاف أن الأضرار التي لحقت بالمصانع والمواقع الصناعية الأخرى تسببت في سلسلة من التداعيات، إذ اضطرت عشرات الشركات التي تعتمد على هذه المنشآت الرئيسية إلى وقف أعمالها، مما حول آلاف الأشخاص إلى عاطلين من العمل.
واستهدفت الضربات منشآت الإنتاج الإيرانية، في حقل غاز بارس الجنوبي، التي تكلف بناؤها مليارات الدولارات. واستهدفت هجمات أخرى كبار منتجي البتروكيماويات في البلاد.
وأفادت تقارير صحفية إيرانية بتوقف العمل في مصانع الصلب العملاقة في خوزستان وأصفهان، مما أثر على آلاف العمال في كل مصنع، إلى جانب إغلاق مناطق صناعية على ساحل الخليج تأثرت بانقطاع كهرباء منشآت الطاقة.
وحتى إذا تمكنت إيران من إعادة إحياء صناعتها، فإن العلاقات بالغة الأهمية تضررت بشدة نتيجة استهداف طهران لدول الخليج خلال الحرب.
وللإمارات على وجه الخصوص مكانة هامة بالنسبة لعلاقات إيران الاقتصادية مع العالم الخارجي.
وقال مسؤول إماراتي إن العلاقات بين إيران ودول الخليج يمكن أن تتعافى في نهاية المطاف نظرا بحكم الجيرة الباقية، إلا أن الضربات الإيرانية على دول الخليج خلقت “فجوة ثقة هائلة ستستمر في رأيي لعقود قادمة”.
وقال رجل أعمال إيراني مقيم في دبي، وهي أكبر مركز اقتصادي دولي في الخليج، إنه قرر نقل أنشطته في مجال الاستيراد والتصدير إلى سلطنة عمان.
* تنامي السخط الشعبي
لم تصدر الحكومة الإيرانية أي بيانات اقتصادية جديدة منذ اندلاع الحرب، كما أن صعوبة الإبلاغ داخل البلاد تجعل من الصعب تحديد حجم المشاكل الاقتصادية بشكل شامل.
وقال أومود شكري، الزميل الزائر البارز في جامعة جورج ميسون، إن العقوبات والتضخم وتراجع قيمة العملة وسوء الإدارة ونقص الطاقة أضعفت الاقتصاد الإيراني بشكل كبير قبل أن تضاف إليها أضرار الحرب.
وأضاف شكري أن بعض التقديرات تشير إلى أن الحرب قد تؤدي إلى انكماش الاقتصاد بنسبة 10 بالمئة هذا العام، وأن أي تأثير إيجابي ناتج عن ارتفاع أسعار النفط أو شبكات التحايل على العقوبات من المرجح أن يصب في مصلحة كيانات مرتبطة بالدولة، وليس في صالح عموم السكان.
وتابع “مع أن الأرقام الدقيقة تتفاوت، يعاني الملايين من فقدان الوظائف أو انخفاض الدخل أو إغلاق الأعمال”.
وعلى أرض الواقع، لم تتحول الضغوط الاقتصادية بعد إلى أزمة واضحة. وقال سكان في طهران ومدن أخرى إنه لا يوجد نقص في السلع، فيما تعمل الأسواق والمتاجر والعديد من الشركات والبنوك والمكاتب الحكومية كالمعتاد.
لكنهم أشاروا إلى ارتفاع في الأسعار، بلغ في بعض الحالات نحو 40 بالمئة منذ اندلاع الحرب، ويتردد الناس في شراء أي شيء بخلاف الضروريات، حيث قالت مالكة معرض فني في العاصمة إن أعمالها “انتهت فعليا”.
وقال مصدر إيراني آخر رفيع المستوى إن هناك عدة اجتماعات مهمة بهدف الحفاظ على استمرار الاقتصاد بموارد محدودة، وإن الهدنة، واحتمال وقف إطلاق النار على المدى الطويل، قد يوفران مزيدا من المرونة للإنفاق الحكومي.
ومنذ اندلاع الحرب، قدمت إيران إعانات مالية للأشخاص الذين اضطروا إلى النزوح من ديارهم، إلى جانب إنفاقها على إصلاحات عاجلة في البنية التحتية الحيوية.
ومع ذلك، أضاف المصدر أن انتهاء الصراع يعني أيضا أن الناس سيبدأون في الشعور بنفاد الصبر تجاه السلطات بدرجة أكبر مما كان عليه الحال خلال الحرب.
(إعداد بدور السعودي للنشرة العربية – تحرير أيمن سعد مسلم )