البابا يقول إنه “لا يخشى” الإدارة الاميركية بعد انتقادات ترامب
قال البابا لاوون الرابع عشر الاثنين إنه “لا يخشى” الإدارة الأميركية، وإن عليه “واجبا أخلاقيا” بأن يعبّر عن موقفه المؤيد للسلام، وذلك بعدما شنّ رئيس الولايات المتحدة هجوما مباشرا عليه بسبب معارضة الحرب في الشرق الأوسط.
وأكد البابا الأميركي للصحافيين من الطائرة التي أقلّته إلى الجزائر، أول محطة في جولة إفريقية تستمر 11 يوما، أنه لا ينوي “الدخول في جدال” مع ترامب وأنه “لا يخشى” إدارته.
وقال “لست خائفا، لا من إدارة ترامب ولا من التعبير بصوت عال وواضح عن رسالة الإنجيل” مضيفا “لست سياسيا (…)الرسالة هي نفسها دائما: تعزيز السلام”.
وتابع “أعتقد أن على الكنيسة واجبا أخلاقيا يتمثل في أن تعبّر بوضوح شديد عن مناهضة الحرب”، معتبرا أنه من المهم العودة إلى طريق الدبلوماسية.
وفي سياق دولي متوتر بسبب الحرب في الشرق الأوسط، أطلق ترامب هجوما لاذعا على الحبر الأعظم، قائلا إنه ليس “من أشد المعجبين” به، وذلك بعد تكرار لاوون الرابع عشر في الفترة الماضية الدعوة إلى السلام ووقف النزاعات، وانتقاده من يطلقونها من دون تسميتهم.
والإثنين جدّد ترامب انتقاداته للبابا في منشور على منصته تروث سوشال جاء فيه “قال البابا لاوون أشياء خاطئة. لقد عارض بشدة ما أفعله في ما يتعلق بإيران، ولا يمكن أن تملك إيران أسلحة نووية”، مشيرا إلى أن البابا “كان ضعيفا جدا (في موقفه) تجاه الجريمة وأمور أخرى”.
ورفض ترامب الاعتذار للبابا قائلا “لا يوجد ما يستدعي الاعتذار. إنه مخطئ”.
وكان ترامب أشار عبر منصته إلى أن “البابا لاوون ضعيف في ملف الجريمة وسيّئ جدا في السياسة الخارجية”.
وردّا على هذه الانتقادات، قدّم الأساقفة الإيطاليون والأميركيون دعمهم لرأس الكنيسة الكاثوليكية.
وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إن الانتقادات التي وجّهها الرئيس الأميركي للبابا “غير مقبولة”.
وأضافت ميلوني في بيان أن “البابا هو رأس الكنيسة الكاثوليكية، ومن الصحيح والطبيعي أن يدعو إلى السلام وأن يدين كل أشكال الحرب”.
وكان الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان وجّه إلى البابا رسالة على منصة إكس، دان فيها “باسم الأمة الإيرانية العظيمة الإهانة التي وُجِّهت إلى فخامتكم”.
وفي أول يوم من الزيارة التي تستمر يومين في الجزائر، حيا البابا، أمام مقام الشهيد في العاصمة الجزائرية، ضحايا حرب تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي (1954-1962) في اعتراف بآلام التاريخ الوطني.
وفي أجواء ممطرة ووسط حراسة أمنية مشدّدة وتأثر واضح، وضع البابا إكليلا من الورود البيضاء أمام النصب التذكاري قبل أن يقف دقيقة صمت.
– “روح متصالحة” –
وصرح البابا باللغة الانكليزية “في هذا المكان نستذكر أن الله يريد السلام لكل أمة”، مشيرا إلى أن “هذا السلام، الذي يمكننا من التطلع إلى المستقبل بروح متصالحة، هو ممكن فقط بالمغفرة”.
وخلال غزو الجزائر واستعمارها من جانب فرنسا ابتداء من عام 1830، ارتُكبت مجازر على نطاق واسع ودُمّرت بنيتها الاجتماعية والاقتصادية، فضلا عن عمليات تهجير كبرى، بحسب مؤرخين.
بعد الظهر، زار البابا جامع الجزائر الكبير، الصرح المعماري الضخم الذي يضم أعلى مئذنة في العالم (267 مترا)، قبل أن يتوجه إلى كاتدرائية “السيدة الإفريقية”، الموقع المسيحي البارز المطلّ على خليج الجزائر.
وقال في خطاب ألقاه بالإنكليزية أمام حشد من المسؤولين، من بينهم الرئيس عبد المجيد تبون “إن قوة البلد الحقيقية هي في تعاون الجميع لتحقيق الخير العام. فالسلطات ليست مدعوة إلى السيطرة، بل إلى خدمة الشعب وازدهاره”.
وأضاف “أدعوكم، أنتم أصحاب السلطة في هذا الوطن، إلى عدم الخوف من هذه الرؤية (المشاركة الشعبية)، وإلى تعزيز مجتمع مدني نابض بالحياة، مجتمع ديناميكي، وحرّ، يعترف بقدرة الشباب، خاصة، على المساهمة في توسيع آفاق الرجاء من أجل الجميع”.
ومنذ الزخم الذي ولّده حراك 2019 المؤيد للديموقراطية والذي طالب بإصلاحات عميقة وبمزيد من الشفافية، تعيش البلاد على وقع تطلعات قوية، ولا سيما لدى الشباب الذين يواجهون شعورا بانسداد الآفاق.
وخلال احتفال يجمع مسيحيين ومسلمين، يوجّه رأس الكنيسة الكاثوليكية البالغ عدد أتباعها 1,4 مليار نسمة، نداء من أجل الأخوّة في بلد لا تتجاوز فيه نسبة الكاثوليك 0,01% من عدد السكان.
وتُعد هذه الزيارة فاتحة جولة خارجية هي الثانية للبابا البالغ 70 عاما منذ اعتلائه السدة الرسولية في أيار/مايو 2025، والتي ستقوده إلى الكاميرون وأنغولا وغينيا الاستوائية (من 13 إلى 23 نيسان/أبريل)، في رحلة سيجتاز خلالها 18 ألف كيلومتر.
وارتدت العاصمة الجزائرية مظاهر احتفالية لمناسبة هذه الزيارة التاريخية. فجرى تجديد طلاء جدران بعض الواجهات، وإعادة تعبيد بعض الطرق، وتزيين المساحات الخضراء بالنباتات، ووُضعت الزهور وأعلام الفاتيكان الصفراء والبيضاء على جزء من المسار الذي يفترض ان يسلكه وفد البابا.
لكن لن تُقام أي فعاليات عامة في العاصمة.
وكرّم البابا لاوون الرابع عشر الإثنين ذكرى كهنة ورهبان وراهبات قُتلوا في الحرب الأهلية في الجزائر بين عامَي 1992 و2002 في كاتدرائية “السيدة الإفريقية”.
في الحرب الأهلية، قُتل 19 كاهنا وعضوا في رهبانيات دينية، بينهم سبعة رهبان خُطفوا وقُتلوا عام 1996 في واقعة لا يزال الغموض يكتنفها.
بور-كمك-ابع/ع د/كام-ود-الح/س ح