حيوات وأحلام تحت أنقاض الغارات الاسرائيلية العنيفة على لبنان
أرملة فقدت زوجها في انفجار مرفأ بيروت قبل نحو ستة أعوام، موظف في محمصة، شاعرة، مذيعة، متطوعة في مجال إغاثة النازحين… هؤلاء، وعشرات غيرهم معظمهم من الآمنين في منازلهم، هم عيّنة من أكثر من مئتي شخص سرقت منهم الغارات الإسرائيلية المتزامنة على بيروت الأربعاء، حيواتهم وأحلامهم.
شنّ الجيش الإسرائيلي الأربعاء أوسع حملة ضربات متزامنة على لبنان منذ بدء الحرب مع حزب الله في الثاني من آذار/مارس، قائلا إنه استهدف “100 مقرّ وبنية تحتية عسكرية تابعة” للحزب الله في بيروت ومناطق عدة. وأعلنت وزارة الصحة الخميس أن الضربات أسفرت عن مقتل أكثر من مئتي شخص وإصابة أكثر من ألف، فيما أبلغ مصدر عسكري وكالة فرانس برس أن الغالبية الساحقة للضحايا هم من المدنيين.
وأصابت ضربات عدة أحياء مكتظة في بيروت في وضح النهار من دون إنذار مسبق، وأسفرت عن تدمير مبانٍ بشكل شبه كامل. وواصلت فرق الانقاذ الخميس البحث وسط الأنقاض عن ضحايا إضافيين أو ناجين محتملين، واحتاجت غالبا الى استخدام آليات ثقيلة لرفع الركام.
أدناه عينة من ضحايا دفعوا حياتهم ثمنا لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
– “غادة صوت الفرح” –
في مدينة صور الساحلية جنوبا حيث بقيت في منزلها تراود عملها الذي بدأته قبل نحو أربعة عقود في إذاعة “صوت الفرح” المحلية، لفظت غادة الدايخ (60 عاما) أنفاسها الأخيرة تحت الأنقاض، بعدما استهدفت احدى الغارات المبنى حيث تقيم وحوّلته ركاما، بحسب ما يؤكد مقربون منها.
ويقول مالك الإذاعة علوان شرف الدين، وهو نائب رئيس بلدية المدينة، في اتصال مع وكالة فرانس برس “أعرف غادة منذ 37 عاما، ودائما ما كنت أقول إنها مربيّتنا في الإذاعة. درّبت أجيالا من الصحافيين ونشأت أجيال على صوتها”.
ويوضح “كانت مذيعة ومسؤولة عن الموقع الإخباري… كانت يوم أمس تعمل من منزلها، الذي رفضت ان تغادره ظنا منها أنها بأمان ولا منشآت حزبية قربه”، من دون أن تتوقع أن “العدوان الغادر سيستهدف المبنى من دون سابق إنذار” بعدما دمّر مقر الإذاعة الشهر الماضي.
على غرار زملائها، يستذكر شرف الدين “شخصيتها المحببة وروحها المرحة والابتسامة التي لم تفارق وجهها، وحبّها للفرح والحياة”، مضيفا “كانت تعرّف عن نفسها باسم غادة صوت الفرح، عوض ذكر شهرتها”.
– خاتون “الشاعرة الرقيقة” –
في محلة تلّة الخياط في بيروت، قضت الشاعرة خاتون سلمى مساء الأربعاء مع زوجها في منزلهما، حيث كانا يمضيان الوقت، حالهما كحال لبنانيين كثر تسمّروا أمام الشاشات لمتابعة أنباء الضربات الواسعة النطاق التي طالت أحياء عدة في بيروت قبل ذلك بساعات.
في حسابها على فيسبوك، نعت الكاتبة والناشرة رشا الأمير خاتون “الشاعرة الرقيقة، الأم العطوف، الجدة الفخورة، والصديقة التي قضت أمس (الأربعاء) مع زوجها محمّد تحت أنقاض المبنى في تلّة الخياط”.
وكذلك فعل المخرج المسرحي والكاتب يحيى جابر، مستذكرا أمسيات مع الزوجين على شرفة منزلهما. وكتب “كنا نخيط ذكريات، نحكي شعرا ونتذكر مدينتنا صور ونحب بيروت العاصمة”.
ونعاها قائلا “الطائرة قصت بمقصها الحاد شاعرة بلغة عربية رقيقة”.
– نادر ذو “القلب الطيب” –
قبل 35 عاما، بدأ نادر خليل العمل في محمصة الرفاعي. حضر الأربعاء كعادته الى مقر عمله في كورنيش المزرعة، الشارع التجاري والسكني المكتظ في بيروت. لكنه على غير العادة، لم يعد الى منزله وعائلته، اذ قضى في ضربة اسرائيلية مباغتة في ساعة الذروة، حوّلت الحي والتقاطع القريب، مساحة يطغى عليها الخراب والدمار والفوضى.
ونعت محمصة الرفاعي في بيان عبر صفحتها على فيسبوك، نادر خليل الذي “عُرف بتفانيه وخدمته المميزة وشغفه بعمله”، مضيفة “سنفتقده بشدة لكن ارثه سيبقى خالدا في قلوبنا”.
وأشاد زملاء وزبائن في عشرات التعليقات بصاحب “القلب الطيب” و”الوجه البشوش”.
– عُلا كانت “تحلم بالعدالة” –
قلب انفجار مرفأ بيروت المروع في الرابع من آب/أغسطس 2020، حياة عُلا العطار (32 عاما) وطفلتيها رأسا على عقب، اذ سرقت منهم هذه الفاجعة زوجها حمد العامل في الميناء، حاله كحال أكثر من 220 شخصا لا تزال عائلاتهم تنتظر تحقيق العدالة.
اليوم، تعيش الطفلتان (8 و11 سنوات) تجربة الفقد مرة جديدة، بعدما قضت والدتهما بغارة اسرائيلية استهدفت الأربعاء مبنى في محلة الأوزاعي الشعبية جنوب بيروت، في العيادة الطبية حيث كانت تعمل كسكرتيرة.
ويقول ابراهيم حطيط، وهو أحد ممثلي عائلات ضحايا انفجار المرفأ، بعد مشاركته في تشييعها، لفرانس برس “باتت الطفلتان بلا أم وبلا أب، بعدما قتلا بمجزرتين متشابهتين لناحية الفظاعة وعدد الضحايا”.
ويضيف “كان حلمها أن نصل الى الحقيقة والعدالة” في قضية انفجار المرفأ، متابعا “عاهدناها كأهالي ضحايا اليوم أن نحقّق حلمها”.
– رنا “المندفعة من أجل الآخرين” –
في منطقة عاليه جنوب شرق بيروت، قصدت رنا شيّا صيدلية تابعة لجمعية محلية، للحصول على أدوية من أجل توزيعها على النازحين جراء الهجمات الإسرائيلية، والذين يتجاوز عددهم المليون شخص بحسب السلطات اللبنانية.
بعد دخولها، استهدفت غارة اسرائيلية الصيدلية وقضى كل من كان فيها تحت الركام.
وبينما كانت عائلتها تستقبل المعزين الخميس في مسقطها بلدة بيصور الجبلية، قال شقيق زوجها سامي لفرانس برس “منذ بدء الحرب، تطوعت من أجل مساعدة النازحين، قصدت الصيدلية لتوفير أدوية”.
تترك شيّا خلفها زوجا وشابين وعائلة لم يستوعب أفرادها بعد هول الفاجعة، لكنهم سيذكرون دائما “رنا المندفعة من أجل الآخرين والمحبة للحياة”، وفق سامي.
لار/كام