الصحافة السويسرية: نووي يغيّر التوازنات وجبهة تهدد الملاحة وسويسرا تراهن على الحوار
من الاتفاق النووي الأميركي–السعودي إلى تجدد القتال في اليمن، ترصد الصحافة السويسرية تحولات تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط. أما سويسرا، فتراهن على دبلوماسية هادئة تحافظ على قنوات الحوار في منطقة تتراجع فيها فرص التسوية.
ساعدنا على تطوير العرض الصحفي
يهمّنا الاستماع إلى رأيك بصفتك متابع.ة للعرض الصحفي. ندعوك لتخصيص دقيقتين فقط للإجابة عن استبيان قصير يساهم في تحسين محتوانا الصحفي. الاستبيان مجهول الهوية، وجميع البيانات تبقى سرية.
برنامج السعودية النووي: تنويع للطاقة أم تغيير لموازين القوة؟
لا تنظر التغطيات السويسرية إلى الاتفاق الأميركي–السعودي بوصفه مشروعًا لإنتاج الكهرباء فحسب، بل تربطه بالتنافس الأمريكي مع الصين وروسيا، والردع بين السعودية وإيران، ومخاطر الانتشار النووي في المنطقة.
وترى باربرا كولبي، مراسلة قناة الإذاعة والتلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية (SRF ) في الولايات المتحدة، أن الاتفاق ينبغي فهمه في سياق الحرب مع إيران. وتقول: “من المستبعد أن يكون توقيته مصادفة”. فواشنطن تسعى إلى توثيق علاقتها بالرياض، ومنعها من الاعتماد على الصين أو روسيا في بناء برنامجها النووي.
ووفقًا لكولبي، يفتح الاتفاق أمام الشركات الأمريكية سوقًا قد تبلغ قيمتها مليارات الدولارات على مدى عقود. لكنه يثير جدلًا في واشنطن؛ إذ قد تحصل السعودية على إمكان تخصيب اليورانيوم في خضم حرب تتمحور حول البرنامج النووي الإيراني.
أما توماس غوترسون، مراسل القناة ذاتها في الشرق الأوسط، فيقرأ الاتفاق من زاوية المصالح السعودية. ويقول إن المملكة تحتاج إلى مصادر جديدة للطاقة، في ظل اعتماد ميزانيتها الكبير على النفط ومحدودية احتياطياته على المدى البعيد.
كما يرى غوترسون أن الاتفاق يمنح ولي العهد محمد بن سلمان إنجازًا يمكن تقديمه في الداخل، بعد تعثر عدد من المشروعات الكبرى، وتقليص طموحات “رؤية 2030”. وبحسب تحليله، يتيح امتلاك منشآت نووية للسعودية اللحاق بإيران وإسرائيل والإمارات في التنافس الإقليمي.
لكن الصفقة تضع الرياض أمام معضلة سياسية، بعدما جعل دونالد ترامب اعترافها بإسرائيل شرطًا لتنفيذ الاتفاق. ويختصر غوترسون المأزق بقوله: “المملكة ستفقد إما مصداقيتها، أو برنامجًا نوويًا كانت تظنه مضمونًا”.
مخاوف من الانتشار النووي
وفي مقابلة للقناة ذاتها، يحذر المراسل الدبلوماسي فريدي غشتايغر من مخاطر الانتشار النووي. وعندما يُسأل عمن يضمن بقاء البرنامج السعودي مدنيًا، يجيب: “في الواقع، لا أحد”. ويرى أن الاتفاق يكاد يخلو من الضمانات التي تحول دون انتقال البرنامج إلى الاستخدام العسكري.
ويشير غشتايغر إلى أن واشنطن لا تلزم السعودية بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم، خلافًا لما فعلته مع الإمارات في اتفاق عام 2009. وبحسبه، تتيح قدرة التخصيب نظريًا استخدام يورانيوم أعلى تخصيبًا لأغراض عسكرية. كما يحذر من أن تركيا ومصر والإمارات قد تسلك المسار نفسه إذا اتجهت السعودية نحو التسلح النووي.
ويتفق إريش غيسلينغ في موقع جورنال 21 مع غشتايغر على خطورة غياب القيود الرقابية، لكنه يوسع نقده إلى ازدواجية المعايير. ويلخص جوهر المسألة بسؤال: “من يُسمح له؟ ومن لا يُسمح له؟ ولماذا؟”. فإسرائيل تطالب بمنع دول المنطقة من تطوير قدرات نووية عسكرية، بينما لا تخضع هي نفسها لعمليات تفتيش دولية. ويضيف أن إيران قد تحتجّ بعدم وجود سبب لحرمانها من الحق نفسه الذي تمنحه واشنطن للسعودية.
أما صحيفة لوتون الناطقة الفرنسية، فركّزت على زاوية الإعلان الرسمي والجدل الذي أثاره في الولايات المتحدة.
وتشير إلى تحذير السيناتور الديمقراطي كريس مورفي من احتمال إشعال سباق نووي إقليمي، وانتقاد بيرني ساندرز ما اعتبره تناقضًا في موقف ترامب. كما تشير إلى معارضة نواب من الحزبين ومسؤولين إسرائيليين أي مشروع قد يتيح للسعودية تطوير قدرات عسكرية لاحقًا.
اليمن: بين حرب الجبهات وصراع الممرات البحرية
تقدم صحيفتا لوتون ونويه تسورخير تسايتونغ رؤيتين مختلفتين للحرب اليمنية. تدخل الأولى إلى النزاع من الجبهات البرية ومن حياة الجنود والنازحين، بينما تنظر الثانية إليه من البحر، بوصفه جزءًا من الصراع الإقليمي وتهديدًا للتجارة العالمية.
في تقريرين من مأرب والجوف وتعز، يرصد كوينتان مولر في لوتون عودة العمليات الهجومية للحوثيين وهشاشة الهدوء النسبي السائد منذ عام 2022. لكن أهمية التقريرين لا تقتصر على رصد عودة المعارك، بل تكمن أيضًا في إظهار كيف تنظر الأطراف المحلية المناهضة للحوثيين إلى المرحلة المقبلة.
وفي مأرب، تظهر الحرب بوصفها تحديًا عسكريًا وإنسانيًا في آن واحد. فقد نظم المحافظ سلطان العرادة القبائل والجيش لمقاومة هجمات الحوثيين، فيما استقبلت المنطقة نحو ثلاثة ملايين نازح. كما بنت السلطات الطرق والمدارس والمستشفيات، ووفرت الخدمات للمخيمات المتنامية.
أما في تعز، المدينة المقسمة منذ نحو عقد، فينقل تقرير لوتون تطلع قادة وجنود إلى تصعيد حاسم. ويقول قائد العمليات العسكرية في المنطقة عبد العزيز المغيدي: “نريد حربًا حاسمة ونهائية”. وتوحي هذه العبارة بأن بعض المقاتلين باتوا يرون في التصعيد طريقًا إلى إنهاء حرب لم يحسمها الهدوء النسبي.
أما صحيفة نويه تسورخير تسايتونغ، فتنقل زاوية النظر إلى الساحل الغربي. وبدل التركيز على السيطرة على المدن، تربط الصحيفة اليمن بأمن باب المندب، أحد أهم مداخل البحر الأحمر. ويعرض تقريرها احتمال استخدام إيران حلفاءها الحوثيين للضغط على حركة الملاحة في إطار مواجهتها الأوسع مع الولايات المتحدة.
ويصف التقرير اختلالًا في القدرات البحرية؛ إذ لا يملك خفر السواحل اليمني سوى عدد محدود من القوارب، في مقابل امتلاك الحوثيين صواريخ مضادة للسفن. كما تزيد الانقسامات داخل المعسكر المناهض لهم صعوبة التصدي لهذا التهديد.
ومن خلال جمع الجبهتين، البرية والبحرية، تقدم هذه التغطيات للقارئ منظورًا يتجاوز إطار الحرب الأهلية وحده. فاليمن يظهر بلدًا يدفع سكانه كلفة نزاع داخلي، لكنه أصبح في الوقت نفسه ساحة للمنافسة الإقليمية وورقة ضغط على أحد أهم طرق الملاحة في العالم.
سويسرا والعالم العربي: ماذا تحقق الدبلوماسية الهادئة؟
في مقابلة مع صحيفة بليك، تدافع مونيكا شموتس كيرغوز، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية السويسرية، عن نموذج دبلوماسي يقوم على الصبر وبناء الثقة والحفاظ على الاتصال بين الأطراف. وتكشف المقابلة رؤية برن لدورها في الشرق الأوسط: لا في منافسة القوى الكبرى على النفوذ، بل في الحفاظ على قنوات الحوار عندما تصبح المحادثات المباشرة صعبة أو مستحيلة.
وتستشهد بلبنان مثالًا على التحولات التي قد تفتح فرصًا جديدة. فتقول إن النفوذ الإيراني، الذي كان محسوسًا يوميًا خلال عملها سفيرة بين عامي 2017 و2021، لم يعد حاضرًا بالطريقة نفسها. كما بات كثيرون يتحدثون علنًا عن السلام، بعدما كان يصعب في السابق حتى ذكر اسم إسرائيل. وبحسبها، يريد الجميع تقريبًا في لبنان السلام، باستثناء حزب الله.
أما في سوريا، فيظهر النهج السويسري في ملفات طويلة الأمد، مثل البحث عن المفقودين والمقابر الجماعية، ومساعدة العائلات على معرفة مصير ذويها، ودعم محاسبة مرتكبي الجرائم. وترى شموتس كيرغوز أن بناء سوريا جديدة يظل متعذرًا دون معالجة جراح الحرب، التي تنذر بنزاعات مستقبلية واستمرار عدم الاستقرار.
وتشير، ضمن المؤشرات التي تدعوها إلى التفاؤل، إلى تصريحات الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عن رغبته في السلام، وإلى تحسن العلاقات السورية–اللبنانية. كما تنقل عن وزير الخارجية السعودي قوله إن على إسرائيل تحويل تفوقها العسكري إلى دبلوماسية ومد اليد إلى السلام، وتضيف أنها تشاطره هذا التقييم.
وفي الملف الفلسطيني، تقول إن السلام الدائم يتطلب حلًا يخص الفلسطينيين وقطاع غزة. وتشير إلى مشاورات سياسية سويسرية مع ممثلين عن السلطة الفلسطينية، وإلى زيارة مرتقبة لمسؤول رفيع في وزارة الخارجية الإسرائيلية لإجراء محادثات في سويسرا. كما تؤكد أن برن تدين بوضوح التطورات في الضفة الغربية.
وتدافع شموتس كيرغوز عن نموذج دبلوماسي يقوم على العمل الطويل الأمد بعيدًا عن الأضواء. وتلخص هذا النهج بقولها: “نعيش في زمن يعلو فيه الصخب، لكن سويسرا تتعمد أن تبقى هادئة”. وترى أن هذا الهدوء يحافظ على الثقة وقنوات الاتصال، عندما تصبح المحادثات المباشرة صعبة.
مراجعة: فريق سويس إنفو
موعدنا الأسبوع القادم مع عرض صحفي جديد.
يمكنك الكتابة لنا على العنوان الإلكتروني إذا كان لديك رأي أو انتقاد أو اقتراح لموضوع ما.
مقالاتنا الأكثر قراءة هذا الأسبوع:
الصحافة السويسرية: غزة بلا مدنيين؟ سوريا بلا عدالة؟ والخليج بلا ماء؟
استعدادًا لأسوأ الاحتمالات… سويسرا تعيد تأهيل ملاجئ الحرب الباردة
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.