الذكاء الاصطناعي يقود اكتشافات سيرن المقبلة
في كل ثانية، يُنتج مصادم الهادرونات الكبير في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية "سيرن"، أربعين مليون تصادم بين الجسيمات. وتولّد هذه التصادمات بيانات تفوق قدرة أيّ حاسوب على الأرض على تخزينها أو تحليلها. لذلك، يستخدم علماء سيرن الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات لحظية، وفي الزمن الحقيقي. وتختار الخوارزميات التصادمات التي قد تحمل دلائل على الاكتشاف العلمي الكبير التالي. وهذه واحدة فقط من طرق عديدة، قد يغيّر بها الذكاء الاصطناعي أبحاث فيزياء الجسيمات جذريًّا.
تخطط سيرن لبناء مصادم جديد يحلّ محلّ مصادم الهادرونات الكبير في أربعينات القرن الحادي والعشرين. وستفوق تكلفته تكلفة المصادم الحالي بكثير. ويرى علماء الفيزياء وعالماتها أنّ الذكاء الاصطناعي لن يقتصر على معالجة البيانات بعد انتهاء التجارب. بل سيساعد أيضًا في تصميم المصادم، واختيار مواده، وربما حتى في تحديد الأسئلة العلمية التي سيُبنى للإجابة عنها.
وكان اكتشاف الفرق العلمية في مختبر سيرن لفيزياء الجسيمات بوزون هيغز (Higgs Boson) عام 2012، قد شكّل ثورة في فهمنا للكون. ويرتبط هذا الجسيم بحقل هيغز (Higgs Field)، مانح كثيرٍ من الجسيمات الأولية كتلتها.
وجاء هذا الاكتشاف بعد أربعة عقود من البحث. ولم يكن ليتحقّق لولا خوارزميات التعلُّم الآلي. ويصف الفيزيائي في سيرن، ماوريتسيو بييريني، تلك الخوارزميات بأنها “أشبه بالجدّ الأكبر لما نسميه اليوم الذكاء الاصطناعي”.
واليوم، تشقّ الأجيال اللاحقة من تلك الخوارزميات طريقها إلى مختلف مجالات فيزياء الجسيمات. وتقول مديرته العامة السابقة، فابيولا جيانوتي، لموقع سويس إنفو (Swissinfo.ch): “سنستخدم الذكاء الاصطناعي أكثر فأكثر”.
تتناول هذه السلسلة موقع أكبر مختبر لفيزياء الجسيمات في العالم من حيث طموحاته العلمية، وجهوده للحفاظ على دوره ملتقىً دوليًا يسهم في فهمنا للكون.
وكما في سائر التخصّصات العلمية، تستخدم فرق الفيزياء الذكاء الاصطناعي قبل التجربة للتحضير لها، وبعدها لتحليل البيانات. لكن تدفع فرق سيرن بهذه التقنية إلى آفاق لم تُستكشف بعد. ويوضح بييريني: “ما يميزنا هو استخدام الخوارزميات أيضًا أثناءَ التجربة نفسها، بوصفها جزءًا من جمع البيانات الفعلية”.
وتأتي أدوات سيرن الجديدة، المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، في وقت تعمل فيه المؤسسة، المتّخِذة من جنيف مقرًّا لها، على تحديث جانب كبير من تجهيزاتها. ففي هذا العام، سيبدأ العمل على تطوير مصادم الهادرونات الكبير لزيادة معدّلات التصادم، ما سيؤدي إلى إنتاج كميات أكبر من البيانات المحتاجة إلى التحليل.
وبعد ذلك، يتعيّن على المختبر استكمال تصميم المصادم الدائري المستقبلي (FCC)، والحصول على الموافقات اللازمة لبنائه. ومن المقرّر حلوله محلّ مصادم الهادرونات الكبير في أربعينات القرن الحادي والعشرين.
ووفق المقابلات التي أُجريت لإعداد هذا التقرير، يتّفق علماء وعالمات داخل سيرن على أنّ الذكاء الاصطناعي قد يكون عنصرًا حاسمًا. وليس ذلك في البحث والتحليل فحسب، بل أيضًا في تصميم المصادم الجديد وخفض تكاليفه، واستقطاب المواهب مجددًا إلى مجال فيزياء الجسيمات.
وتتعاون ماريا سبيروبولو، عالمة فيزياء الجسيمات في معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech)، مع سيرن. وتقول: “بفضل الذكاء الاصطناعي، سننجز كل شيء بطريقة مختلفة. سيكون العمل أفضل، وأسرع، وأكثر تقدمًا من الناحية التقنية. وسيساعدنا الذكاء الاصطناعي على استكشاف الأسئلة المفتوحة في فيزياء الجسيمات”.
الذكاء الاصطناعي وبوزون هيغز
استخدمت سيرن التعلُّم الآلي للمرة الأولى عام 1987. حينها، طوّر العلماء والعالمات نظامًا لاكتشاف الأعطال في جهاز المُسرِّع البروتوني التزامني (Proton Synchrotron). وهو أحد المسرّعات الرافعة لطاقة البروتونات قبل حقنها في مسرّعات أكبر.
ولاحقًا، استخدم علماء سيرن وعالماته جيلًا آخر من تقنيات التعلُّم الآلي للاستفادة من قدرات مصادم الهادرونات الكبير. وفي هذا الجيل، تتصادم الجسيمات عند طاقات تصل إلى 13 تيرا إلكترون فولت (TeV). وينتج المصادم نحو أربعين مليون تصادم في الثانية، يخلّف كل منها آثارًا ترصدها كواشف عملاقة تحيط بمناطق التصادم. ويقول بييريني تدفّق البيانات هائل، وسريع إلى درجة “لا تستطيع أيَّ بنية حاسوبية على هذا الكوكب، التعامل معه. ولا بدّ من ترشيح البيانات، ولا بد من خوارزمية تقرّر ما هو مهمّ”.
وهذا بالضبط ما حدث عندما كانت فرق سيرن تبحث عن بوزون هيغز، المعروف إعلاميًا باسم “جسيم الإله”. وهذه تسمية صحفية شائعة، وليست مصطلحًا علميًا معتمدًا. ويرتبط هذا الجسيم بالآلية التي تكتسب بها جسيمات أخرى كتلتها. غير أنه لا ينتج إلا نادرًا في أثناء التصادم، ولا يبقى موجودًا إلا لبرهة بالغة القِصر. ومع ذلك، كانت فرق البحث تعرف مسبقًا ما الذي تبحث عنه. فقد تنبأ الفيزيائي بيتر هيغز بوجود هذا البوزون في ستينيات القرن الماضي، استنادًا إلى النظريات السائدة آنذاك في فيزياء الجسيمات. لذلك، أصبح العثور عليه مسألة ترشيح كميات هائلة من البيانات بحثًا عن آثار تدل على وجوده.
ولتحقيق ذلك، وضع الباحثون والباحثات خوارزميات التعلُّم الآلي على العتاد الإلكتروني لمصادم الهادرونات الكبير. وبرمجوا الخوارزميات للبحث عن آثار تتوافق مع حسابات بيتر هيغز. ومن التدفّقات الهائلة للبيانات، اختارت المنظومة الحالات الأكثر احتمالًا لإنتاج بوزون هيغز. وفي النهاية، رشّحت الخوارزميات نحو ألف إشارة في الثانية. وأتاح ذلك أولى الملاحظات الواضحة لـ “جسيم الإله”. ويقول بييريني: “لهذا، نستطيع القول إنّ الذكاء الاصطناعي أسهم في اكتشاف بوزون هيغز”.
>> البحوث العلمية ليست رخيصة، ومعارك التمويل ليست غريبة على سيرن:
المزيد
مشروع سيرن بميزانية 19مليار دولار: هل ينجح وسط عالم يزداد اضطرابًا؟
الذكاء الاصطناعي واكتشاف المجهول
ورغم النجاح، لم يكن بييريني راضيًا عن أداء التقنية. وظلَّ يحلم بالاستفادة أكثر من الشرائح الإلكترونية المتكوِّنة منها منظومة ترشيح البيانات. وكان هدفه تزويدها بخوارزميات أسرع، وأكثر قدرة. لكنّ عتاد كواشف مصادم الهادرونات الكبير محدود للغاية. ولذلك، يقول: “لا يمكنك وضع تشات جي بي تي داخله”. وبدلَ ذلك، اختار استخدام الشبكات العصبية الاصطناعية. وتستطيع هذه النماذج الحاسوبية القوية العمل على عتاد صغير، وتنفيذ وظائف معقدة بسرعة فائقة. وبفضلها، استطاع علماء سيرن وعالماته تنفيذ مهام الخوارزميات في غضون أجزاء من مليار جزء من الثانية. فيقول بييريني: “لقد فتحت هذه النتائج أمامنا آفاقًا جديدة بالكامل”.
واليوم، تسمح الشبكات العصبية بتشغيل عدّة خوارزميات على العتاد نفسه، وتحليل جميع البيانات في الزمن الحقيقي. ويهتم بييريني بتوظيف هذا التطوّر في البحث عن تصادمات تنحرف عن الأنماط المتنبّئة بها النظريات الحالية. ويُعرف هذا النهج باسم كشف الأنماط غير المألوفة، الشبيه بأسلوب المصارف المستخدَم لاكتشاف عمليات الاحتيال في بطاقات الائتمان. وعند تطبيقه على بيانات مصادم الهادرونات الكبير، قد يكشف هذا النهج أحداثًا جديدة وغير مألوفة، لم يكن العلماء والعالمات يعلمون أصلًا أنّ عليهم البحث عنها. ويقول بييريني: “إنها طريقة لاكتشاف شيء غير متوقّع!”.
ويشير العالم الإيطالي إلى تركيز فيزياء الجسيمات طويلًا على تأكيد نظريات وُضعت قبل عقود، أو دحضها. لكن قد يعيد نهجه، المدعوم بالذكاء الاصطناعي، هذا الفرع إلى جوهر المنهج العلمي، الذي يبدأ بمراقبة الطبيعة وطرح الأسئلة، ثم بناء نظريات جديدة وفهم أعمق للعالم.
ويقول: “لا شكّ أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحسين بحثنا في الأماكن التي نعرفها. لكن ما يثير اهتمامي أكثر هو مساعدتنا على اكتشاف ما لم يخطر لنا أصلًا البحث عنه”. وقد اختُبرت هذه التقنية الجديدة، المعروفة باسم (Trigger AI)، أي الذكاء الاصطناعي لنظام الانتقاء اللحظي للبيانات، في مصادم الهادرونات الكبير. وستستخدمها سيرن في النسخة المطوّرة من المصادم، وفي المصادمات المستقبلية.
>> ما ميزات الجيل المقبل من مصادمات الجسيمات في سيرن؟ اقرأ.ي المزيد في مقالنا أدناه:
المزيد
قفزة سيرن العملاقة المقبلة: آلة قد تفتح أسرار الكون
الذكاء الاصطناعي ومصادمات المستقبل
ومع استمرار تطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان العلماء والعالمات استخدامها لتحليل البيانات بعد انتهاء التجارب بدقةٍ قد تزيد، في بعض التطبيقات، مئات المرات على ما هو ممكن حاليًّا، مع توفير ملايين الفرنكات السويسرية، بحسب بييريني.
وقد يصبح هذا التقدّم عاملًا حاسمًا في العثور على مؤشّرات تدلّ على أحداث نادرة ومعقّدة، وسط ملايين الآثار المتشابهة. ومن أمثلة ذلك، إنتاج بوزونَي هيغز في التصادم نفسه. وهو حدث بالغ الندرة، ومن شأن رصده توفير رؤى جديدة حول كيفية منح حقل هيغز الجسيمات كتلتها. وهو، كما يقول بييريني، “أحد أكبر المجهولات في فيزياء الطاقات العالية”. وستزداد أهمية تحليل البيانات بكفاءة مع تشغيل النسخة المطوّرة من المصادم، المعروفة باسم مصادم الهادرونات الكبير عالي اللمعانية (High-Luminosity LHC)، الذي سينتج بيانات تزيد خمسة إلى ستة أضعاف ما ينتجه المصادم الحالي.
وسيكون للذكاء الاصطناعي أيضًا دور في بناء مصادمات الجسيمات الجديدة، مثل المصادم الدائري المستقبلي المقرّر أن يحلّ محلّ مصادم الهادرونات الكبير. وتقول ماريا سبيروبولو، عالمة فيزياء الجسيمات في معهد كاليفورنيا للتقنية والمتعاونة مع سيرن: “سيكون الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًّا في كل شيء، بدءًا من تصميم الكواشف، ومرورًا بتشغيل التجارب، وانتهاء بأنظمة المراقبة”.
فمثلًا، قد يساعد الذكاء الاصطناعي في تطوير مواد أقلّ تكلفة للمغناطيسات فائقة التوصيل، العنصر الأساسي لعمل أي مصادم. كما يمكنه الإسهام في تصميم الكواشف. ففي حين تعتمد فرق فيزياء الجسيمات اليوم على خبراتها في تصميم جيل الكواشف المقبل، قد يأتي يوم، بحسب بييريني، “يطلب فيه العلماء والعالمات من الذكاء الاصطناعي تصميم الكواشف بالكامل، بحيث تكون مُحسَّنة وفقًا للمتطلبات الفيزيائية والمهام المطلوبة”.
ومع ذلك، سيظلّ وجود مصادم فعليّ ضرورة لا غنى عنها لإنتاج البيانات. ويوضّح بييريني قائلًا: “لن يتيح لنا الذكاء الاصطناعي إجراء تجارب المصادم الدائري المستقبلي دونَ بناء المصادم نفسه”.
>> “أروع أداة بُنيت على الإطلاق؟“. شاهد.ي فيديو سويس إنفو عن المصادم الدائري المستقبلي:
مجال آخذ في التقلّص
ويرى بييريني أن إسناد مزيد من المهام الروتينية والمضنية في أبحاث فيزياء الجسيمات إلى الذكاء الاصطناعي سيجعل العمل في هذا المجال أكثر إثارة وجاذبية للمواهب الجديدةكما قد يفتح ذلك الباب أمام وظائف جديدة ترتبط بتطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
لكن إذا استمر هذا المجال في التقلّص، من حيث أعداد الباحثين والباحثات فيه، فسيساعد الذكاء الاصطناعي المتمسكين والمتمسّكات به على خوض تجارب جديدة أكثر طموحًا وتحديًا. وذلك، كما يوضح، لأنّ “كل باحث وباحثة سيصبحان مدعومين بوكلاء ذكاء اصطناعي (AI Agents)، أو بأدوات ذكية”.
ويختتم بييريني قائلًا: “سيُبقي الذكاء الاصطناعي هذا المجال حيًّا، بطريقة أو بأخرى”.
تحرير: فيرونيكا دي فور
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: ريم حسونة
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.