أزمة الكاكاو تكشف هشاشة نموذج الشوكولاتة المستدامة
تقول إيما فاريل لا يمكن معالجة فقر المزارعين والمزارعات من خلال التزامات الشركات أو حوار المستثمرين والمستثمرات مع شركات الشوكولاتة.
في مطلع عام 2023، وأثناء عملي كاختصاصية في مجال الملكيّة النشطة* لدى إدارة الأصول في “كريدي سويس”، كتبتُ مقالًا عن المخاطر البيئية الكامنة في سلسلة توريد الكاكاو. وكان من المقرّر نشره ضمن سلسلة الأبحاث الخاصّة بالتفاعل المؤسّسي. وهي دراسات تُعدّها المؤسّسات الاستثمارية لدعم الحوار مع الشركات، ودفعها نحو تحسين ممارساتها. لكنّه لم يرَ النور آنذاك؛ ففي ذلك العام، أدّى الاندماج مع بنك “يو بي إس” (UBS) إلى تعطيل مسار النشر. وفي الفترة نفسها، قدّمتُ استقالتي لأكرّس عامًا للعمل التأسيسي لمؤسّسة خيرية، وجمعت بين أعمال الحوكمة وقياس الأثر الاجتماعي، وبين فترة إقامة خارج البلاد. ومنذ ذلك الحين، بقي المقال محفوظًا في مساحة التخزين السحابي دونَ مراجعة أو تعديل.
وعند عثوري عليه مجدّدًا، قبل وقت قريب، قرأته كاملًا. فإذا بما ظننته يومًا تحذيرًا نظريًّا يعود إليّ على هيئة واقع متحقّق؛ وعاد معه ذلك الإحساس القديم الممزوج بالأسى، واليقين.
فبعد عامين، كانت المخاطر التي وصفتها في ذلك المقال قد تجسّدت بالفعل. ففي أبريل 2024، تجاوزت العقود الآجلة للكاكاو في نيويورك مستوى 12،000 دولار أمريكي (9،341 فرنكًا سويسريًا) للطنّ المتري الواحد. وكان متوسّط الأسعار التاريخي طويل الأمد قد استقرّ لعقود عند نحو 2،500 دولار للطنّ. وبكلّ المقاييس، شكّل ذلك اختلالًا تاريخيًا غير مسبوق في السوق. كما أفادت المنظّمة الدوليّة للكاكاو (ICCO) بوجود عجز عالمي في الإنتاج، بلغ نحو 478 ألف طنّ متريّ خلال موسم 2023–2024. وهو أكبر عجز يُسجَّل منذ أكثر من ستين عامًا، مع هبوط المخزونات في نهايته إلى أدنى مستوياتها منذ ما يقارب نصف قرن.
أما الأسباب التي قادت إلى هذه الأزمة، فكانت ذاتها المشار إليها سابقًا في مقال عام 2023، بوصفها إشارات إنذار مبكّرة. فقد شهدت كلّ من غانا وساحل العاج، اللّتان تؤمّنان معًا قرابة 60% من إمدادات الكاكاو العالمية، انهيارًا حادًا ومتزامنًا في الإنتاج، خلال الموسم نفسه. وأفاد مجلس الكاكاو في غانا بتأثّر 81% من محصول عام 2024 بفيروس تورّم براعم الكاكاو (CSSV). وهو مرض يضعف الأشجار، ويُرجَّح تسارُع وتيرة انتشاره بفعل الضغوط المناخية المتزايدة.
وسجّلت ساحل العاج أدنى مستوى إنتاج خلال ثمانية أعوام، بينما سجّلته غانا خلال عقدين. ولم يكن ذلك مجرّد تقاطع عابر للأحداث، بل نتيجة تراكمية لهشاشة مناخية تضرب سلسلة توريد تعتمد بدرجة كبيرة على نطاق جغرافي محدود. وهو ما يجعل أي اضطراب محلّي قادرًا على إحداث أثر واسع على مستوى السوق العالمية.
الخسائر تضرب مجتمعات الإنتاج وتمتد إلى الاستهلاك
في عام 2024، كلّفت أزمة الكاكاو مليارات الدولارات. وبالنسبة إلى الأسواق الاستهلاكية، لم يقتصر الأثر على ارتفاع الأسعار، بل ظهر أيضًا في إعادة تركيب المنتجات بهدوء، ودونَ إعلان مباشر. وذلك بإدخال مكوّنات بديلة أقلّ تكلفة، واستخدام معزّزات للنكهة، وتقليص نسبة الكاكاو في ألواح الشوكولاتة التي ظلّ شكلها الخارجي، وحجمها، وموقعها على الرفوف يوحي بعدم تغيُّر المنتج.
وبحسب ما نشرته سويس إنفو (Swissinfo.ch) في سبتمبر 2025، فقد دفعت أسعار الكاكاو القياسية إلى تسريع اعتماد بدائل أرخص تحافظ على المذاق المألوف بكلفة أقلّ. وفي المقابل، تلقّت مجتمعات إنتاجه الصغيرة ضربة قاسية، لعدم انعكاس الارتفاع القياسي في الأسعار العالمية فعليًا على الدخل الواصل إليها. وحتى في سيناريو افتراضي تنتقل فيه مكاسب السوق إلى حلقات الإنتاج، لا تتجاوز الحصة الآيلة إليها من سعر الشكلاطة النهائي، وفق التقديرات، ما بين 3% و6%. أي لا تتحوّل الارتفاعات القياسيّة في أسعار الأسواق العالمية إلى تحسّن ملموس في مستويات المعيشة داخل مناطق الإنتاج تلقائيًّا.
كما لا تحدث تقلّبات الأسعار الضرر عند الارتفاع وحده، بل عند الانخفاض أيضًا. فخلال عام 2025، انعكس الاتجاه بصورة حادّة. وتراجعت أسعار الكاكاو من ذروتها المسجَّلة في عام 2024 إلى أقلّ من 6،000 دولار للطنّ مع نهاية العام، أي بانخفاض تجاوز 50%.
أما في ترتيبات الشراء المعتمِدة “للسعر المرجعي للدّخل المعيشي”، السعر المحدّد مسبقًا بهدف تأمين حدّ أدنى من الدخل المستدام بصرف النظر عن تقلّبات السوق، فقد بقي هذا الحدّ قائمًا. لكن بالنسبة إلى مجتمعات الإنتاج المعتمِدة على أسعار الحكومة المحدَّدة عند نقطة بيع المحصول، بدأت المكاسب المحقَّقة خلال العامين السابقين تتآكل تدريجيًا. فانخفضت في ساحل العاج بنسبة 57%، وفي غانا بنسبة 21%. وهكذا، أكّدت أزمة الأسعار الخلاصة ذاتها، ولكن بصورة معكوسة. فإذا كانت مكاسب الارتفاع لا تصل إلى مجتمعات الإنتاج كاملةً، فإنّ كلفة الانخفاض تصل إليها شبه كاملة.
لماذا لا تكفي التعهّدات الطوعية لمعالجة أصل المشكلة؟
على امتداد سنوات، عمل قطاع الكاكاو على بناء شبكة واسعة من الالتزامات، والمعايير، وآليات الحوكمة المرتبطة بالاستدامة. ففي عام 2017، أُطلقت “مبادرة الكاكاو والغابات” (CFI) بتعاون بين حكومتي ساحل العاج وغانا، وعدد من كبرى شركات صناعة الشوكولاتة. ومن هذه الشركات “نستله” (Nestlé)، و”باري كاليبو” (Barry Callebaut)، و”لينت آند شبرونغلي” (Lindt & Sprüngli)، و”مونديليز” (Mondelēz). ثم في عام 2019، تلتها خطط تنفيذية مفصّلة هدفت إلى تحويل التعهّدات العامّة إلى إجراءات عملية يمكن تنفيذها على أرض الواقع، وقياس مدى الالتزام بتحقيقها.
وفي عام 2016، انطلقت “شراكة المستقبل من أجل كاكاو متكيّف مناخيًا” (Feed the Future Partnership for Climate-Smart Cocoa)، وركّزت على تطوير أصناف أكثر مقاومة للجفاف، وتشجيع أنماط الزراعة المعتمِدة للظل. وذلك للحد من الإجهاد المناخي المتعرِّضة له الأشجار. كما نُفِّذت برامج منتظمة لمشاركة الجهات الاستثمارية، ومنها برامج الملكية النشطة، التي أسهمتُ فيها خلال عملي في “كريدي سويس”، عبر الشركات الرئيسة ضمن المحافظ الاستثمارية. ومع ذلك، وعند وصول أزمة 2024، لم تكن تعهّدات الحدّ من إزالة الغابات قد تحققت. وظلّت القدرة على تتبّع مصادر الكاكاو غير مكتملة. ولم يظهر تحسّن مستدام في مستويات الدخل داخل مجتمعات الإنتاج.
ومن واقع الخبرة العملية داخل برامج الملكية النشطة الموجّهة إلى هذه السلاسل، يبدو السبب البنيوي للفشل واضحًا. فقد صُمِّمت منظومة الحوكمة الخاصة باستدامة الكاكاو لإدارة الإفصاح المؤسسي ومتابعة الالتزامات على مستوى الشركات، لا لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية المنتجة للمشكلة أصلًا.
فلا يمكن حلّ المشكلة البنيوية، الفقر المزمن في مجتمعات إنتاج الكاكاو، عبر التعهّدات المؤسّسية أو الحوارات الاستثمارية وحدها. فقد خلص تقرير “مقياس الكاكاو 2025”، الصادر عن شبكة “فويس” (VOICE) المعنية بقطاع الكاكاو والاستدامة، إلى أن مستويات الدخل في مناطق الإنتاج بغرب إفريقيا، ما زالت أدنى بكثير من مستوى الدخل المعيشي. وذلك رغم ارتفاع الأسعار العالمية. وكان استنتاج التقرير واضحًا؛ فليس فقر مجتمعات الإنتاج أثرًا جانبيًا للأزمة، بل هو الجذر المتفرّعة عنه معظم أزمات القطاع. ولذلك، يظلّ أيّ إطار حوكمي لا يعالج الخلل في توزيع القيمة داخل سلسلة الإنتاج عاجزًا عن معالجة أصل المشكلة.
ماذا تعني هذه الدروس بالنسبة إلى سويسرا؟
ليست إعادة النظر في منطق الحوكمة مسألة أخلاقية مجرّدة، بل قرار اقتصادي يحدّد من يتحمّل كلفة النموذج القائم، وإلى أيّ مدى زمني. لقد بنت سويسرا مكانتها العالمية على الشوكولاتة؛ وربّما آن الأوان لتقديمها نموذجًا للعالم يثبت عدم تعارض مسارَيْ الريادة الصناعية، والاستدامة.
وعادت هذه المسألة إلى الواجهة في 16 أبريل 2026، عند إعلان شركة “باري كاليبو”، أكبر شركة لمعالجة الشوكولاتة في العالم ومقرّها زيورخ، عن تراجع أسهمها بأكثر من 15% خلال يوم واحد. وعزت الشركة ذلك إلى الانخفاض السريع في أسعار الكاكاو، وفائض الطاقة الإنتاجية، واضطرابات سلاسل الإمداد. كما تراجعت أرباحها التشغيليّة المتكرّرة قبل الفوائد، والضرائب. أي الأرباح الناتجة عن النشاط التشغيلي المعتاد بعد استبعاد البنود الاستثنائية، بنسبة 4،2 %، وانخفضت الكميات المباعة بنسبة 6،9 %. ويشير أحد المحللين إلى أنّ الأسواق لم تعد تنظر إلى هذا التراجع بوصفه دورة اقتصادية عابرة، بل بوصفه مؤشّرًا على خلل أعمق في بنية القطاع.
لقد كشفت أزمة 2024 هشاشة بنيوية في قاعدة إنتاج الكاكاو. أمّا انهيار الأسعار في عام 2025 فكشف هشاشة من نوع آخر في حلقات المعالجة، والتصنيع. وهكذا، يخضع القطاع بأكمله لاختبار قاس من المزرعة إلى المنتج النهائي. فيما تبدو منظومة الحوكمة الحالية عاجزةً عن حماية أيّ من طرفَي المعادلة.
* مقاربة استثمارية تقوم على توظيف النفوذ الاستثماري للتأثير في ممارسات الشركات بدل الاكتفاء بامتلاك حصص فيها.
المزيد
تحرير: أناند تشاندراسيخار
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.