ماديار الفائز بالانتخابات المجرية يتعهد إطلاق “عصر جديد” وتغيير النظام “بالكامل”
تعهّد زعيم حزب “تيسا” الفائز في الانتخابات المجرية بيتر ماديار الاثنين إطلاق “عصر جديد” لدى توليه الحكم، في تصريحات أدلى بها غداة انتصاره الساحق في الاستحقاق على منافسه حزب “فيديش” بزعامة رئيس الوزراء فيكتور أوربان ذي التوجهات القومية والذي تولى السلطة مدى 16 عاما.
ورأى ماديار البالغ 45 عاما أن “الشعب المجري” لم يصوّت “لمجرد تغيير الحكومة، بل من أجل تغيير كامل للنظام”.
وحض الرئيس تاماش سوليوك على دعوة البرلمان للانعقاد “في أسرع وقت ممكن” لتسريع انتقال السلطة. ولدى سوليوك المقرب من أوربان مهلة ثلاثين يوما، على أن يقتصر عمل الحكومة الحالية على تصريف الأعمال.
وأعلن الرئيس على فيسبوك أنه دعا قادة الأحزاب السياسية إلى الاجتماع الأربعاء.
وصرح ماديار “بلدنا لا يملك وقتا يضيّعه. المجر في مأزق من كل الجوانب. لقد نُهبت، وسُلبت، وتعرضت للخيانة، وأغرِقَت في الديون، وأُفلِست”.
وأكد ماديار ذو التوجهات المحافِظة والأوروبية أنه سيعيد إرساء سيادة القانون، ولكن ليس من خلال إجراءات “تنتهكه”، معربا عن ارتياحه لحصوله على غالبية ثلثي مقاعد البرلمان التي تتيح له تعديل الدستور.
ومن بين هذه التعديلات، تعهد حدّ ولاية رئيس الوزراء بولايتين “أي ما يعادل ثماني سنوات”.
وقال ماديار “(سنفعل) كل ما في وسعنا لكي يشكّل هذا (الفوز) حقا بداية عصر جديد”.
وتمكن هذا السياسي غير المخضرم الذي كان ينتمي إلى حزب “فيديش”، من أن يُكوّن خلال سنتين حركة معارضة قادرة على إطاحة أوربان، مع أن رئيس الوزراء كان فصّل النظام الانتخابي على قياسه وصاغه بطريقة تخدم مصالحه، وأخضع وسائل الإعلام لسيطرته.
وقال ماديار في خطاب ألقاه أمام عشرات الآلاف من المحتشدين ليلا أمام مقر الحزب على ضفاف الدانوب احتفالا بالفوز، إن ناخبيه “حرروا المجر”.
وسارع أوربان إلى الإقرار بهزيمته، وقال خلال خطاب مقتضب ألقاه في مقر حملته الانتخابية إن “نتائج الانتخابات (…) مؤلمة ولكن لا لبس فيها”، وهنأ “الحزب الفائز”.
– “لن يكون حَمَلا وديعا” –
وتشكل خسارة أوربان الذي جعل من المجر البالغ عدد سكانها 9,5 ملايين نسمة نموذجا للديموقراطية غير الليبرالية، ضربة أيضا للحركات القومية في مختلف أنحاء العالم، إذ كانت تعتبره قدوة لها.
كذلك تُعَدّ هزيمة رئيس الوزراء المجري نكسة لتيّار “اجعلوا أميركا عظيمة مجددا” الممثل بالرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي سعى جاهدا إلى دعم أوربان، وأوفد نائبه جاي دي فانس هذا الأسبوع إلى بودابست لمساندته.
ورأى مركز “سنتر فور أميركان بروغرس” للأبحاث أنها “هزيمة مدوّية للمنحى الاستبدادي، تتخطى أصداؤها حدود المجر”.
واعتبر أنها “أيضا ضربة كبرى لأولئك الذين رأوا في نموذج أوربان الفاسد مثالا يُحتذى، ومن بينهم دونالد ترامب”.
من جهته، قال نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس الاثنين إنه “حزين” لخسارة رئيس الوزراء المجري وحليفه اليميني في الانتخابات، لكنه أضاف أن واشنطن ستعمل مع خلفه.
وصرّح فانس “أنا حزين لأنه خسر” لكنه أضاف “أنا متأكد من أننا سنتعاون بشكل جيد جدا مع رئيس الوزراء المقبل للمجر”.
ومن شأن فوز ماديار أن يشكّل “نقطة تحوّل” في النهج الذي يعتمده ترامب حيال أوروبا، على ما قال بافيل زيركا كبير الباحثين في السياسات في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
وهو أعطى “دفعة ثقة للقوى المؤيّدة لأوروبا في القارة” وشكّل مؤشّرا إلى أن تأييد ترامب “بات سلبيا أكثر مما هو إيجابي”، بحسب الباحث.
وهنّأ عدد من القادة الأوروبيين الفائز، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك الذي سيستقبل ماديار في وارسو في أيار/مايو المقبل في أول زيارة خارجية يعتزم المسؤول المجري الجديد القيام بها.
وأعربت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين عن سرورها لأن المجر “اختارت أوروبا”.
ورأى المحلل روبرت لازلو من مركز “بوليتكال كابيتا” للأبحاث أن إحدى المهام الأكثر إلحاحا الملقاة على عاتق بيتر ماديار تقضي بـ”إنقاذ أموال الاتحاد الأوروبي المجمَّدة راهنا” بسبب الانتهاكات التي كان أوربان يرتكبها ضد دولة القانون. وتوقع أن “يفعل كل ما في وسعه للإفراج عنها” قبل استحقاق أول في آب/أغسطس المقبل.
وأضاف لازلو أن ماديار مستعد لإعادة المياه إلى مجاريها بين المجر والاتحاد الأوروبي، ولتهدئة العلاقة بين بودابست وبروكسل، بعدما سادها التوتر في عهد أوربان الذي كان يلجأ باستمرار إلى استخدام حقه في النقض لعرقلة السياسات الأوروبية، ومن بينها في نهاية آذار/مارس قرض بقيمة 90 مليار يورو لكييف.
لكنّ المحلل شدّد على أن “هذا الأمر لا يعني أن بيتر ماديار سيكون حملا وديعا”، خصوصا في ما يتعلق بالملف الأوكراني.
– شكر لبكين وموسكو –
وقال ماديار الاثنين إن “من غير الوارد” القبول بانضمام أوكرانيا التي تشهد حربا إلى الاتحاد الأوروبي، علما أنه لم يخف يوما معارضته أي إجراء معجّل في هذا الشأن.
وأكد أن أي تطبيع للعلاقات مع أوكرانيا “يجب أن تسبقه تسوية مسألة حقوق الأقلية المجرية التي تعيش فيها”.
وكان فيكتور أوربان يحرص قبل الانتخابات على إبراز صداقاته مع قادة دول في مختلف أنحاء العالم، “من الولايات المتحدة إلى الصين، مرورا بروسيا والعالم التركي”.
أما ماديار فحرص في مؤتمره الصحافي على أن يشكر لروسيا والصين القريبتين من أوربان “تقبّلهما باحترام قرار الشعب المجري، وانفتاحهما على تعاون براغماتي”.
وكان الناطق باسم الكرملين دميتري بيسكوف قال لوسائل الإعلام في موسكو إن “المجر اختارت طريقها. نحترم هذا الخيار. ونعوّل على مواصلة اتصالاتنا الشديدة البراغماتية مع القيادة الجديدة في المجر”.
أما وزارة الخارجية الصينية فأكدت أن بكين “تولي أهمية كبيرة لتطوير العلاقات بين الصين والمجر”.
وبالإضافة إلى حسّ الكاريزما الذي يتحلّى به ماديار، شكّل استياء الناخبين من “فساد على أعلى المستويات وتضخّم هو الأشدّ في أوروبا وتدهور مستوى المعيشة”، عاملا صبّ في مصلحة حزب “تيسا”، بحسب لازلو.
كما نجح ماديار في “حشد أبناء جيل زد مع رسائل إيجابية مفعمة بالأمل”، على ما قالت عالمة السياسة إديت زغوت-برجيبيلسكا من الأكاديمية البولندية للعلوم.
وقالت سيلا بيكيسي (25 عاما) التي شاركت في الاحتفالات مساء الأحد “من الجميل أن يكون المرء مجريا الآن. والأمر أشبه بحِمل أزيل عن أكتافنا”.
بور-أوو-ب غ/ب ح-م ن-الح/س ح