محاصرة منازل في الضفة الغربية تسلط الضوء على تقاعس الجيش الإسرائيلي في التصدي لعنف المستوطنين
لأكثر من أسبوع، لم ينجح الجيش الإسرائيلي في إجلاء مجموعة صغيرة من المستوطنين المرابطين فوق صخور في الضفة الغربية المحتلة، ما يزيد الشكوك حول وجود إرادة حقيقية لوقف عنف المستوطنين المتصاعد ضد الفلسطينيين.
ويشير خبراء ومتابعون الى أن الجيش الأقوى في الشرق الأوسط يحجم منذ فترة طويلة عن مواجهة العنف ضد الفلسطينيين بحزم، لا سيما دعم الحكومة لاإسرئايلية برئاسة بنيامين نتانياهو لحركة الاستيطان وتزايد انتشار الفكر الاستيطاني في صفوف الجيش.
قبل أكثر من أسبوع، بدأ عدد قليل من المستوطنين في قصرة قرب نابلس محاصرة فلسطينيين داخل منازلهم، ما أدى إلى منع وصول إمدادات إلى المنطقة واستدعى إدانات دولية وحتى محلية.
وأرسل الجيش الإسرائيلي قوات أكثر من مرّة. وقالت الولايات المتحدة إنها طلبت من الحكومة التدخّل لأن أحد الفلسطينيين المحاصرين يحمل الجنسية الأميركية.
لكن بعيدا عن البيانات الاستنكارية وتوقيف إسرائيلي واحد وتفكيك خيام للمستوطنين، بدت الإجراءات غير نافعة في إجبارهم على المغادرة.
بل إن بعض أوائل الجنود الذين وصلوا إلى الموقع التقطت لهم صور وهم يصلّون مع المستوطنين. وتعهد الجيش لاحقا باتخاذ إجراءات تأديبية في حقّهم.
وعاد المستوطنون الاثنين على دراجات رباعية الدفع إلى الموقع، وصافحوا جنودا إسرائيليين وتحدثوا معهم، وفق ما أظهرت لقطات مصوّرة شاركها أحد السكان المحاصرين مع وكالة فرانس برس.
ويقول نمرود نوفيك، وهو مستشار بارز ومبعوث خاص سابقا لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز، إن دعم الحكومة للمستوطنين المتطرفين يضع الجيش في “موقف مستعص”.
ويضيف لوكالة فرانس برس أن الجيش “مضطر للاختيار بين العمل بناء على تقديره المهني وواجبه اللذين يقتضيان اتخاذ إجراءات صارمة بحق المستوطنين العنيفين، أو… الالتزام بسياسة الحكومة التي توفّر لهؤلاء الإرهابيين دعما سياسيا، فضلاً عن الموارد”.
ويتابع “النتيجة هي شلل، باستثناءات نادرة تُعزى إما إلى فداحة الجرائم أو إلى تدخل أميركي”.
– تداخل –
وتُعد المستوطنات في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل منذ عام 1967، وحيث يعيش ثلاثة ملايين فلسطيني، غير قانونية بموجب القانون الدولي. ويُقدَّر عدد سكان هذه المستوطنات حاليا بنحو نصف مليون، من دون احتساب المستوطنين في القدس الشرقية المحتلة والذين يزيد عددهم عن 200 ألف.
ويدعو عدد من الوزراء إلى ضمّ إسرائيل للضفة الغربية بأكملها أو جزء منها، في وقت شهد عهد حكومة بنيامين نتانياهو التي تعد الأكثر يمينية في تاريخ الدولة العبرية، توسعا استيطانيا كبيرا.
ويرتكب مستوطنون إسرائيليون أعمال عنف بحق الفلسطينيين في الضفة منذ سنوات، وغالبا دون تبعات قانونية تُذكر. وتصاعد العنف منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة. وباتت هجمات المستوطنين شبه يومية.
ويقول نداف وايمان، وهو قنّاص سابق يرأس حالياً منظمة “كسر الصمت” (Breaking the Silence) المناصرة لحقوق المحاربين الإسرائيليين القدامى، “صُمّمت بنية الاحتلال بطريقة تجعل من شبه المستحيل بالنسبة للجندي، بالنسبة إلينا، إنفاذ القانون بحق المستوطنين العنيفين، في حين تجعل من السهل جداً فعل ما نشاء بالفلسطينيين”.
ويقول وايمان لوكالة فرانس برس إن قواعد الاشتباك الخاصة بالتعامل مع المستوطنين تكاد تكون معدومة بسبب وضعهم كمواطنين إسرائيليين.
ويضيف “خلال 22 عاما من جمع شهادات الجنود في الضفة الغربية، أستطيع أن أقول أنه في معظم الوحدات، لا يتلقى الجندي أي توجيهات بشأن ما يمكنه فعله تجاه المستوطنين”.
ويرى أن التردّد في التحرّك مردّه أيضا تزايد التداخل بين المستوطنين والجنود في الضفة الغربية، مع ازدياد عدد المستوطنين الذين يصبحون ضباطا بعد التحاقهم بأكاديميات عسكرية تمهيدية ذات توجهات إيديولوجية متطرفة.
وقائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية الميجور جنرال آفي بلوث خريج أكاديمية بني دافيد العسكرية التمهيدية في مستوطنة إيلي.
وازداد هذا التداخل بعد هجوم حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وبينما أُرسل معظم الجنود للقتال في غزة أو لبنان، جنّد الجيش آلافا من جنود الاحتياط المستوطنين في وحدات الدفاع الإقليمية المكلفة تأمين مستوطناتهم في الضفة الغربية.
وبحسب منظمة “يش دين” الحقوقية، تم تسليح نحو 7000 مستوطن وضمهم الى هذه الوحدات خلال الأشهر الأولى من الحرب، ويُرجّح أن يحجم هؤلاء الجنود الاحتياطيون عن التدخل لوقف هجمات المستوطنين.
ورغم أن العديد منهم لم يعودوا في الخدمة الاحتياطية الفعلية، إلا أن الجيش سمح لهم بالاحتفاظ بأسلحتهم وملابسهم العسكرية وفقا لـ”يش دين”، ما أسهم في تصاعد أعمال العنف التي يرتكبها مستوطنون يتظاهرون بأنهم جنود.
ولدى تواصل وكالة فرانس برس مع الجيش، أوضح أن الجهة الرئيسية المسؤولة عن التعامل مع الانتهاكات التي يرتكبها مواطنون إسرائيليون في الضفة الغربية هي الشرطة، وأن الجنود مُكلَّفون بـ”العمل على وقف الانتهاك وتأخير المشتبه بهم أو احتجازهم إلى حين وصول الشرطة إلى مكان الحادثة”.
وأضاف “في الحالات التي لا يلتزم فيها الجنود بأوامر الجيش الإسرائيلي، تتم مراجعة هذه الحوادث بشكل دقيق، وتُتخذ الإجراءات التأديبية المناسبة”.
– تشكيك –
عقب محاصرة مستوطنين منازل في قصرة، دعا وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى تولي الشرطة مسؤولية “حفظ النظام” في الضفة الغربية، مؤكدا أن ملاحقة المستوطنين العنيفين ليست من مسؤولية الجيش.
ويشكّك مراقبون في وجود إرادة سياسية كافية لاتخاذ اجراءات ضد المستوطنين العنيفين قبل انتخابات 27 تشرين الأول/أكتوبر، لكنهم يؤكدون على ضرورة التعامل مع هذه القضية بشكل عاجل.
ويقول نوفيك “إذا استمر عنف المستوطنين، فسيكون من المدهش ألا تندلع مواجهة دامية واسعة النطاق”.
اتش/غد/رض