تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

َصدق ما تراهُ عدسة سالجادوا...

صورة للمصور البرازيلي سالجادوا إخذت عام 1994 لمخيم للاجئين الروانديين في تنزانيا

أكثر من خمسين مليون شخص في العالم اُضطروا إلى الفرار من ديارهم. فروا هربا من الحرب أو الخوف أو الجوع أو الفقر. يعيشون في أوضاع غير إنسانية ويقبعون في الغالب في ركن قصي من ذاكرة الإنسانية. أما عدسة المصور البرازيلي العالمي سيباستياو سالجادوا فقد لاحقتهم على مدى سبعة أعوام. والنتيجة كانت معرضا عالميا للصور احتضنه منتدى الكورنهاوس الثقافي في مدينة بيرن.

لعلها سابقة في حد ذاتها. فعدا عن أنها المرة الأولى في سويسرا التي انتظم فيها معرض "الهجرة: الإنسانية في تحولها"، فإن الإقبال عليه كان مثيرا للانتباه بالفعل. فقد زاره في الفترة بين الواحد والثلاثين من يناير إلى السابع عشر من مارس، أي طوال فترة عرضه، أكثر من ستة عشره ألف زائر.

لكن هذا الإقبال غير مستغرب. فالرجل الذي أعتبر عدسته جسرا ينقل ما يحدث على ارض الواقع إلى عيون الغائبين عنه كان محقا عندما عبر عن أمله "أن يخرج الشخص من المعرض مختلفا بعض الشيء عنه قبل دخوله". لولا ذلك الأثر ما أشتهر البرازيلي سالجادوا، الحاصل على الدكتوراة في الاقتصاد، تلك الشهرة العالمية.

هي القصة ذاتها..

صور سالجادوا هي أساسا صور واقع العالم الثالث. ولهذا، فإنها قادرة على النفاذ حتى النخاع في الكشف عن المعاناة والانحطاط التي يعايشهما يوميا الملايين من البشر. ولأنه يؤمن بأن من حق إنسان العالم الثالث أن يحصل على حقوق إنسان العالم الأول فإنه دأب على تصوير واقع الأول ليذّكر الثاني والعالم معه.

يقول:"كل إنسان له الحق في الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، والحق بل الحاجة في أن يكون مواطنا. كل إنسان على كوكب الأرض له الحق في ذلك. ومن الغريب، أن لدينا من الموارد الكافية لجعل العالم أفضل لكل منا". من الغريب فعلا. فمن يشاهد معرضه عن الهجرة سيدرك أن للبشرية تصنيفات يقع في أسفل دركها أولئك الذين شردتهم الحروب أو الكوارث أو الفقر والجوع.

ما لم يكن غريبا هو مزج سالجادوا لمفهومي الحرب والفقر في بوتقة مستقلة من معرضه. فرغم اختلافهما فإن نتيجتهما واحدة. كلاهما يجبر ضحيته على ترك أرضه وبيته وذويه ويرحل بحثا عن الأمان. وكلاهما يخلق من النتائج المأساوية التي يعاني منها الضحية طوال حياته.

بدا ذلك جليا في صورتين إحداهما أُخذت عام 1994 لمخيم "كيبوما واحد" للاجئين في زائير. فيها إرتص أطفال تبرز عظامهم من جلودهم تحت بطانية. هم بعض ضحايا حروب القارة السمراء شردتهم وأوصلتهم، مع أو بدون ذويهم، إلى المخيم الذي عج بأكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف لاجئ. أما الصورة الثانية فأخذت عام 1995 لزنزانة في سجن خارجي في هونج كونج لاستقبال المهاجرين غير الشرعيين. زنزانة تعج بأطفال ولدوا فيها ولم يروا في حياتهم كلبا أو حصانا أو حديقة. ولدوا في الزنزانة، وبعضهم سيقضي بقية حياته فيها، وجميعهم دفعوا ثمن سعي أهلهم وراء الأمان الاقتصادي.

هي القصة ذاتها. يحكيها مرارا وتكرارا المصور الذي اضطرته عدسته غير المجاملة إلى الفرار إلى فرنسا بحثا هو الأخر عن الأمان. و تولدت لديه لذلك قناعة واقعية، محزنة إلى حد ما، بأن التطور لا يعني بالضرورة التطور إلى الأفضل. وأن الذكاء الحقيقي للبشر يتمثل في مقدرتهم على التأقلم مع أي وضع كان. وأنه لذلك قد يكون من المخيف بالفعل أن نجيب على تساؤله:" هل نعرف حقا طبيعتنا".

إلهام مانع - بيرن


وصلات

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك

×