تصفّح

تخطي شريط التصفح

وظائف رئيسية

زيارةُ البابا بين الترحيب والجدل!

البابا يوحنا بولس الثاني لدى استقباله الأسقف السويسري وولفغانغ هاس في حفل التطويب بكاتدرائية سانت بيتر بالفاتيكان يوم 29 أكتوبر 1995.

(Keystone Archive)

بعد عشرين عاما، يعودُ البابا يوحنا بولس الثاني إلى سويسرا في زيارة تثلج صدر الغالبية الكاثوليكية، بينما تثيرُ انتقادات البروتستانتيين وبعض أتباع الفكر الحر.

وقد صب تعيينُ سويسرا مؤخرا لسفير لها في الفاتيكان المزيد من الزيت على نار الجدل الذي سبق وصول البابا إلى تراب الكنفدرالية، في أكبر حدث ديني تعرفه البلاد منذ عقدين.

بينما يتشوقُ زهاء 12 ألف شاب للقاء البابا يوحنا بولس الثاني في العاصمة السويسرية يوم السبت في أول تجمُّع وطني للشبان الكاثوليك، وبينما يُنتظر توافد ما لا يقل عن 50 ألف شخص على برن يوم الأحد لحضور القداس الضخم الذي سيحييه البابا، يتواصل الجدل في صفوف البروتستانت وأوساط الفكر الحر حول دلالات هذه الزيارة، وشخصية البابا، وما يوصف بـ"جمود" الكنسية الكاثوليكية.

لكن ما أجج هذا الجدل في الواقع هو التقارب الأخير بين سويسرا والفاتيكان على المستوى الدبلوماسي. فقد رفعت الكنفدرالية من درجة تمثيلها الدبلوماسي لدى الفاتيكان، وعينت يوم الجمعة 28 مايو سفيرا لها هناك بدلاً من دبلوماسي "للمهام الخاصة". وجاء هذا التعيين في إطار "تطبيع" العلاقات بين الجانبين التي لم تخل أبدا من الشد والجذب.

وتقيم سويسرا علاقات مع "Saint-Siège" -وهو الاسم الرسمي لدولة الفاتيكان- منذ 80 عاما، لكنها لم تُعين من قبل نظيرا للقاصد الرسولي الذي يُمثل الفاتيكان في برن. وجاء القرار السويسري بتعيين سفير في الفاتيكان ليضع حدا لسلسلة طويلة من الحلقات الدبلوماسية المتوترة بين الجانبين.

قضية أسقف كوار

ومن أهم هذه الحلقات وأكثرها إثارة للجدل قضيةُ أُسقفية كوار بكانتون غراوبوندن. ففي عام 1988، عيَّن البابا يُوحنا بولس الثاني وولفغانغ هاس أسقفا مساعدا يتمتع بحق تعيين خليفة له.

غير أن هذا التعيين كان مخالفا للقانون الذي كرّس منذ عقود طويلة مجلس كهنة كاتدرائية كوار، ومنحه الحق في اختيار قسه بنفسه. وبتلك الخطوة، كسر البابا تقليدا سياسيا عريقا كان مُرسخا في الدستور الفدرالي، وكان يهدف لحماية الكاثوليكية من التأثيرات الخارجية.

وقد عارضت شريحة واسعة من الرأي العام والكاثوليك في سويسرا تعيين أسقف كوار الذي اعتبروه "محافظا جدا". ولتهدئة النفوس، نقل البابا الأسقف هاس إلى فادوز عاصمة إمارة الليختنشتاين المجاورة. وهو ما اعتُبر تنازلا غير عادي من طرف روما.

وفور الإعلان عن تعيين سفير سويسري في الفاتيكان يوم الجمعة الماضي، سارعت الكنيسة البروتستانتية للإعراب عن استيائها، حيث اعتبرت ذلك إخلالا بمبدأ العدل في التعامل مع الكاثوليك والبروتستانت.

غضب البروتستانت

من جهة أخرى، وبعد فتح باب التقارب بين الكنائس من طرف المُجمع الديني في الفاتيكان II، لم تكُفّ مواقفُ البابا البولوني عن تعقيد العلاقات بين الكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية.

ولئن كان التقاربُ بين الكنائس لا يطرح أية مشاكل على المستوى المحلي، فإن رابطة الكنائس البروتستانتية في سويسرا تعتقد أن البابا يوحنا بُولس الثاني يضع المزيد من الفوارق بين الكنيستين. ففي وثيقة نشرها الفاتيكان العام الماضي تحت عنوان "دومينوس إيِزوس" "Dominius Iesus"،احتفظ البابا لنفسه بالأولوية في "تفسير" مضمون الإنجيل ليضع بذلك باقي المسيحيين في درجة ثانوية.

أما ما يتعلق بالزواج بين الكاثوليك والبروتستانت، الذي قبله القساوسة السويسريون والكنائس البروتستانتية في اتفاق تاريخي في عام 1972، فلم يفلت بدوره من بحث وتمحيص الفاتيكان.

وما زاد الطين بلة، إصدار الفاتيكان مؤخرا لتعليم جديد باسم "Redemptionis Sacramentum" يؤكد فيه إقصاء غير الكاثوليك من حفل سر القربان المقدس.

هذه المواقف دفعت رابطة الكنائس البروتستانتية في سويسرا إلى رفض دعوة المشاركة في القُداس الذي سيحييه البابا يوم الأحد 6 يونيو في برن. ولتوقظ بذلك هذه الزيارة النزاعات القديمة التي ميزت تاريخ سويسرا وعلاقاتها مع الفاتيكان.

علاقاتٌ صعبة

على الصعيد التاريخي، كان للبروتستانتية ومؤسساتها الديمقراطية ثقل هام في تحديد مصير سويسرا. فمنذ عام 1520، ونتيجة للشعبية الكبيرة التي حظي بها الكاهنان البروتستانتيان، أولريخ زفينغلي (1484-1531) في زيوريخ، ثم القس الفرنسي جون كالفان (1509-1564) الذي استقر في جنيف، انفصل قرابة نصف سكان الكنفدرالية عن الكنيسة الرومانية.

وبين القرن السادس عشر والتاسع عشر، اندلعت من حين لآخر حروب دينية انتهى خامسها وآخرها في عام 1847 بانتصار الليبراليين ووضع الدستور الجديد الذي مازال يرسم ملامح سويسرا إلى اليوم.

وإلى نهاية القرن التاسع عشر، ظلت الكنيسة الكاثوليكية "المجاهدة" (L'Eglise Catholique militante) مقصية من السياسة الفدرالية. ولم تبدأ محاولات جسر الهوة إلا في عام 1898، إثر انضمام أول كاثوليكي للحكومة الفدرالية.

الكنيسة والديمقراطية

لكن فضلا عن المُنافسة الدينية، ارتبط البروتستانت والكاثوليك بتقاليد الديمقراطية العريقة التي تتميز بها سويسرا. فمن جهة، تتمتع هذه البلاد بقواعد الحكم الذاتي منذ القرون الوسطى.

ومن جهة أخرى، تركت البروتستانتية بصمات هامة على مستوى الاستقلالية لأن أتباعها لا يخضعون لأي ترتيب كنسي، حيث ينتظمون بصورة مُستقلة ولا يُمارس قساوستهم طقوس الأسرار المقدسة.

الكاثوليك السويسريون تأثروا بطابع الحرية والاستقلالية السائد في بلادهم وتمكنوا من الحصول على حق المشاركة في الحياة اليومية للكنيسة، حتى أن بعض الكانتونات تتوفر على مجالس تنسق النشاطات الباباوية مع القساوسة.

ومن بين الإنجازات التي أتاحتها تقاليد المشاركة الشعبية في مصير الكنسية إمكانيةُ ترشيح ممثلين في مجلس الكهنة الأسقفي.

"كاثوليكية على النمط السويسري"

وفي السبعينات، تم إنشاء مجمع كنسي "سينودس" في سويسرا بهدف القيام بقراءة جديدة للكاثوليكية في ضوء العصر الحديث. وتمحورت المناقشات حول البحث عن قاسم مشترك بين الإيمان والمعاصرة.

وفي هذا الإطار، حاول المُجمع إسنادَ دور جديد للعلمانيين والنساء، وإعادة النظر في الحياة الخاصة للقساوسة. وبلغت هذه المحاولات ذروتها العام الماضي عندما تعالت أصوات مجالس الكنائس الخورنية في عدد من الكانتونات مُطالبة بإلغاء عزوبية الأساقفة والتحاق النساء بالكهنوت، وهي مطالب أثارت استياء عميقا في أعلى المراتب الكنسية.

ورغم الشعبية التي يتمتع بها، يمثل يوحنا بولس الثاني بالنسبة للبروتستانت، وشريحة كبيرة من الكاثلوليك السويسريين، كنيسة "مُتجمدة" في قيمها ومواقفها وبالتالي منفصلة عن الواقع.

وما الجدل الذي سبق وسيصاحب زيارة البابا إلى سويسرا إلا دليل جديد على أن هذا الانطباع مازال سائدا.

دانييل باباتشيلا/ ترجمة إصلاح بخات - سويس انفو

معطيات أساسية

تنقسم الطوائف الدينية في سويسرا حسب معطيات المكتب الفدرالي للإحصاء لعام 2000 إلى:
42% من الكاثوليك
35,2% من البروتستانتيين
4,3% من المسلمين
1,8% من الأورثودوكس
0,2% من اليهود
11,1% من سكان سويسرا ليس لهم أي انتماء ديني

نهاية الإطار التوضيحي

باختصار

عشية زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى سويسرا (يومي 5 و6 يونيو الجاري)، احتدم الجدل حول تعيين برن يوم الجمعة الماضي لسفير لها في الفاتيكان بدل "دبلوماسي للمهام الخاصة" في روما.
هذا التعيين الذي جاء في إطار تطبيع العلاقات بين الجانبين، لم يحظ بترحيب الكنائس البروتستانتية. وقد صرح رئيس رابطة الكنائس البروتستانية في سويسرا توماس ويبف:"كنا نفضل أن تتم استشارتنا في الموضوع".
ويرى السيد ويبف أن قرار الحكومة السويسرية ليس مجرد إجراء بسيط، لأن الفاتيكان ليس دولة فقط بل كنيسة "تميل إلى الحديث باسم كافة المسيحيين". وتستنتج الرابطة بالتالي أن الكاثوليك يستفيدون من تعامل تفضيلي على حساب الديانات الأخرى.

نهاية الإطار التوضيحي


وصلات

Neuer Inhalt

Horizontal Line


The citizens' meeting

المؤتمرات البلدية في ربوع سويسرا

تابعُونا على تلغرام

subscription form

قسيمة اشتراك في النشرة الإخبارية

اشترك في نشرتنا الإخبارية المجانية للحصول بانتظام على أهم منشوراتنا في صندوق بريدك