أسرار وخفايا آلاف الرفات البشرية في المتاحف السويسرية
لا تزال المتاحف السويسرية تحتفظ بما لا يقل عن 4000 عظم بشري وبقايا أخرى من الحقبة الاستعمارية. في مقابلة مع سويس إنفو، يشرح عالم الأنثروبولوجيا الثقافية كونراد كون كيف أصبحت دولة لم تمتلك مستعمرات قط مركزًا لهذه المجموعات القيّمة.
لفترة طويلة، ساد الاعتقاد بأن سويسرا لم تقن بأي دور في الاستغلال الاستعماري لعدم امتلاكها مستعمرات خارجية. لكن الأبحاث التاريخية (رابط خارجي) تكشف قصة مختلفة. باحثون سويسريون،
كان التجار وهواة جمع التحف الفنية شخصيات مؤثرة في المشروع الاستعماري، حيث جلبوا آلاف العظام البشرية إلى المجموعات السويسرية.
يتعين على المتاحف وصناع السياسات الآن التعامل مع التعقيدات الأخلاقية والقانونية واللوجستية لهذا الإرث. ويشرح عالم الأنثروبولوجيا الثقافية كونراد كون التحديات التي لا تزال سويسرا تواجهها.
المزيد
مدن سويسرية تنفض الغبار عن ماضيها الاستعماري
سويس إنفو: هل تُقدّم سويسرا مثالاً يُحتذى به في مواجهة التاريخ الاستعماري لمجموعاتها، أم أنها متأخرة عن غيرها من الدول الأوروبية؟
كونراد كون: لا تزال سويسرا، كغيرها من الدول الأوروبية، بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لمواجهة التاريخ الاستعماري لمجموعاتها. ربما بدأ النقاش هنا متأخرًا بعض الشيء.
وقد استغرق الأمر عدة عقود حتى أدرك الجمهور أن النزعات الاستعمارية كانت جزءًا من المجتمع السويسري، وأن سويسرا كانت تضم مجموعات أثرية تعود إلى الحقبة الاستعمارية أيضًا.
في السنوات الأخيرة، اكتسب النقاش حول تتبع أصول مقتنيات المتاحف زخمًا حقيقيًا. حتى المتاحف المحلية والإقليمية تدرك الآن تمامًا التحديات وضرورة الاستجابة لها.
المزيد
سويسرا تعيد رفات ضحايا الاستعمار… ورفات 30 مصريًا تنتظر دورها
وقد تجنّب النقاش الاتهامات المبسطة أو المطالبات القانونية. إذ تُدار المتاحف والمجموعات السويسرية من قبل مجموعة دوائر واسعة من السلطات والمنظمات، بما في ذلك المدن والكانتونات، ولكن في كثير من الأحيان من قبل أفراد أو مؤسسات خاصة أيضًا.
وهذا يجعل مسائل المسؤولية القانونية معقدة للغاية.
لماذا تحتفظ سويسرا بآلاف العظام البشرية وغيرها من الرفات البشرية رغم أنها لم تمتلك إمبراطورية استعمارية خاصة بها؟
ك.ك.: لقد تشكل المجتمع السويسري بفعل اعتقاد برجوازي متجذر بعمق في شرعية الاستعمار.وكان هذا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمنهج علمي يفترض أن شعوب وثقافات الأراضي المستعمرة بحاجة إلى الحماية من العالم الحديث. والمفارقة أن الاستعمار نفسه كان يجلب تلك الحداثة إليهم.
علاوة على ذلك، كان العلماء السويسريون، ومعظمهم من الرجال، مقتنعين بتفوقهم على غيرهم من البشر، وبالتالي بحقهم في الاستيلاء على أجسادهم خدمةً لـ”العلم”. وقد عززت الأفكار العنصرية هذا الاعتقاد.
وأتاحت العلاقات الاقتصادية الوثيقة لسويسرا مع بقية العالم لهواة جمع التحف فرصة واسعة لامتلاك جثث بشرية، بما في ذلك جثث أشخاص أحياء. وتنافست المدن والجمعيات والمنظمات والكانتونات على بناء مجموعاتها المتحفية.
وأدى هذا إلى زيادة الطلب الهائل على الرفات البشرية. وكثيراً ما كانت هذه الرفات تصل كهدايا من أشخاص تربطهم علاقات وثيقة بالمتاحف.
عالم أنثروبولوجيا ثقافية، وباحث في الدراسات الثقافية، وعالم إثنولوجيا أوروبي. وهو أستاذ مشارك في جامعة إنسبروك، ويعمل أيضاً باحثاً ومحاضراً في جامعة بازل.يركز عمله على تاريخ المعرفة، وعلم الإنسان التاريخي، والتحليل النقدي لتورط سويسرا في الاستعمار.
إن ضخامة هذه المجموعات لافتة للنظر. ماذا تخبرنا عن دور سويسرا؟
ك.ك.: ولأن سويسرا لم تكن تمتلك إمبراطورية استعمارية خاصة بها، فقد استطاعت أن تتصرف بمرونة أكبر داخل النظام الاستعماري. إذ تمكن العلماء والتجار والمبشرون السويسريون من العمل عبر الشبكات الاستعمارية، حيث كانت سمعتهم في “الحياد” محل تقدير.
وساعدتهم دوافع “علمية” بحتة على الوصول إلى هذه المواقع. كما سهّل ذلك “البحث العرقي”، وهو مجال بارز في سويسرا اعتمد بشكل كبير على الجثث البشرية، وخاصة الجماجم، التي جُمعت في الحقبة الاستعمارية.
في عام 2007، أكدت الأمم المتحدة حق الشعوب الأصلية في استعادة رفات أجدادهم. لماذا يستغرق تطبيق هذا الحق وقتًا طويلاً في العديد من البلدان؟
ك.ك.: يتطلب هذا الحق الأساسي من المتاحف، وخاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، مواجهة تاريخها. وغالبًا ما يعيق الشعور بالخزي إزاء السلوك غير الأخلاقي في الماضي هذه العملية. من حيث المبدأ،يكاد يجمع الجميع اليوم على ضرورة معاملة رفات الموتى باحترام. إلا أن تطبيق ذلك عمليًا يثبت صعوبته البالغة.
الأمر معقد بشكل خاص في سويسرا. فالقوى الاستعمارية السابقة تحتفظ في الغالب ببقايا من الأراضي التي حكمتها في السابق، لكن المجموعات السويسرية تحتوي على بقايا من جميع أنحاء العالم.لذا، فإن تتبع أصولهم والتواصل مع المجتمعات التي أتوا منها في آسيا وأوقيانوسيا وأفريقيا والأمريكتين والقطب الشمالي يُعد مهمة أكثر تعقيداً بكثير.
يدعو الخبراء إلى إجراء المزيد من الأبحاث حول أصول هذه المجموعات، وإلى إنشاء منصة مفتوحة للمجتمعات المعنية. ما الذي سيتحقق من ذلك؟
ك.ك.: من الضروري نقل المسؤولية من المجتمعات التي تسعى للحصول على المعلومات إلى المؤسسات التي توفرها. لا ينبغي أن تتطلب معرفة لمجتمعات بما تحتويه المتاحف جهودا مضنية.
يجب على المؤسسات أن تبادر وتتسم بالشفافية فيما يتعلق بمقتنياتها. عندها فقط يمكن للمجتمعات أن تطلب استعادة الرفات وأن تعمل بالشراكة مع المؤسسات. الشفافية ضرورية، الآن وفي المستقبل.
والأهم هو إيجاد نهجٍ يحفظ الكرامة وطويل الأمد بدلاً من التسرع في معالجة القضية. وغالبًا ما يسعى السياسيون إلى إعادة الرفات بسرعة حتى يتمكنوا من طي صفحة الموضوع.
وقد يكون هذا هو النهج الأمثل في بعض الحالات. ولكن في كثير من الأحيان، علينا أن نتقبل أن هذه العمليات تستغرق وقتًا، وأن الطريق للمضي قدما ليس سهلاً ولا مريحًا.
يُعد كانتون بازل المدينة مثالاً حديثًا على هذه العملية:
المزيد
تحرير: مارك لويتينغر
ترجمة: عبد الحفيظ العبدلي
شاهد المزيد من مقالات Swissinfo في نتائج بحث Google. اعرف المزيد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.