حقيقة أم وهم ؟ هل النساء الأجنبيات أشدّ عنفًا من الرجال السويسريين؟
عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبيل التصويت على مبادرة تحديد سقف عدد السكان، الهادفة إلى الحد من النمو الديموغرافي المرتبط بالهجرة، زعم حزب الشعب السويسري اليميني، أن النساء الأجنبيات أكثر عنفًا من الرجال السويسريين. ولكن هل تؤيد الإحصاءات الرسمية هذا الادعاء فعلًا؟
في الفترة التي سبقت التصويت في 14 يونيو، نشر حزب الشعب السويسري منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعيرابط خارجي جاء فيه: “تُسجَّل بحق النساء الأجنبيات اتهامات بارتكاب اعتداءات جسدية بمعدل يفوق ما يُسجَّل بحق الرجال السويسريين”.
ومضى المنشور ليربط العنف المنزلي بظاهرة الهجرة، مدّعيًا أن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن المكتب الفدرالي للإحصاء (FSO) تُظهر أن معدل الاعتداءات لكل عشرة آلاف نسمة في عام 2024 كان أعلى بين النساء الأجنبيات (13.2) مقارنةً بالرجال السويسريين (12.6). وقد أجرت قناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)رابط خارجي تحقيقًا صحفيًّا للتدقيق في مدى صحة هذه الأرقام ودلالاتها.
غير أن الصورة تبدو مختلفة تمامًا عند النظر إلى إجمالي عدد القضايا المسجَّلة فعليًّا، لا إلى المعدلات النسبية؛ إذ يتبين أن الرجال يرتكبون غالبية جرائم العنف المنزلي. كما يؤكد الخبراء والخبيرات أن بيانات الجرائم الخطيرة وجرائم القتل أكثر دلالة من المؤشرات الجزئية، وهي تُظهر أن الرجال السويسريين ارتكبوا معظم هذه الجرائم خلال عام 2024.
وحذّر كل من المكتب الفدرالي للإحصاء والجهات الخبيرة التي تحدثت إلى سويس إنفو (Swissinfo) من أن هذه الأرقام لا تشمل سوى الحالات التي سجلتها الشرطة، ولا تأخذ في الحسبان عوامل أخرى مثل العمر، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والظروف الأسرية والمعيشية. وفي هذا الإطار، تقول فاتن خزاي، الأستاذة المساعدة في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة نورثمبريا البريطانية، والتي أجرت أبحاثًا حول كيفية تعامل الشرطة السويسرية مع قضايا العنف المنزلي: “هذه الأرقام تعكس في المقام الأول طبيعة عمل الشرطة وآليات تسجيلها للحوادث، أكثر مما تعكس الواقع الاجتماعي بأبعاده الكاملة”.
+ لماذا يُعتبر إحصاء جرائم قتل النساء قضية عالمية الأبعاد
ويقول ديرك باير، أستاذ علم الجريمة في معهد علم الإجرام بجامعة زيورخ، إن معدل العنف المنزلي لكل 10،000 نسمة مضلل، لأنه يقارن في جوهره بين نساء أجنبيات يغلب عليهن صِغَر السن من جهة، ورجال سويسريين أكبر سنًّا في الغالب من جهة أخرى. ويضيف: “إنها أشبه بمقارنة التفاح بالكمّثرى”؛ أي مقارنة مجموعتين تختلفان في خصائصهما الأساسية.
ويرى باير أيضًا أن هذا المؤشر غير معبّر عن الواقع لسبب آخر، إذ إن العنف المنزلي يحدث أساسًا داخل العلاقات الزوجية أو العاطفية، ومن ثم فإن الاعتماد على بيانات الأشخاص الذين يعيشون ضمن علاقات زوجية أو شراكات عاطفية مستقرة سيكون أكثر دقة. وفي هذا السياق، تقول خزاي: “عندما ننظر إلى الحالات الخطيرة من العنف الأسري، ولا سيما قتل النساء على أساس النوع الاجتماعي (Femicide)، فإن أخطر مكان بالنسبة للمرأة هو منزلها” ؛ إذ إن المعتدي يكون في كثير من الأحيان من الأشخاص المقربين إليها، لا من الغرباء.
العنف المنزلي في سويسرا وخارجها
إن الأرقام التي استشهد بها حزب الشعب السويسري لا تمثل سوى قمة جبل الجليد، إذ إن معظم حالات العنف المنزلي لا يُبلَّغ عنها، في ظل انخفاض معدلات الإبلاغ التي تتراوح بين 10% و20%. ويشير باير أيضًا إلى أن معدلات الأجانب من الرجال والنساء، غالبًا ما تبدو أعلى، لأن احتمال الإبلاغ عن هذه الحالات يكون أكبر. ويوضح قائلًا: “لا توجد علاقة سببية بين الهجرة في حد ذاتها وارتكاب الجرائم، سواء تعلق الأمر بالعنف المنزلي أم بغيره من أشكال الجريمة”.
وتضيف خزاي: “لا يكمن عامل الخطر في جنسية الأشخاص، فالعنف المنزلي موجود في جميع البلدان وعبر مختلف الأوساط الاجتماعية”.
وتسهم عدة عوامل في تفشي العنف المنزلي، من بينها الظروف الاجتماعية والاقتصادية، والضغوط النفسية، والبطالة، والعزلة الاجتماعية. غير أن العامل الأكثر تأثيرًا، وفق الدراسات المتخصصة، يظل عامل النوع الاجتماعي وما يرتبط به من علاقات قوة وعدم مساواة بين الجنسين.
وتشرح خزاي قائلة: “من المهم ألا يغيب عن بالنا أن العنف المنزلي هو، في المقام الأول، قضية مرتبطة بالنوع الاجتماعي، إذ إن غالبية هذه الأفعال تُرتكب من قبل رجال ضد نساء، ضمن سياق من التمييز وعدم المساواة القائمين على أساس الجنس”. وترى كذلك أن التركيز على هذا البعد يمثل أحد المفاتيح الأساسية لمكافحة العنف المنزلي. وتضيف: “إسبانيا، على سبيل المثال، تعتمد استجابة قانونية أكثر حساسية لقضايا النوع الاجتماعي من خلال محاكم متخصصة، وقد شهدت انخفاضًارابط خارجي في عدد حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي المسجلة خلال عامي 2024 و2025″.
العنصرية المؤسسية… ضررٌ يطال الضحايا السويسريات أيضًا
في عام 2022، أجرت خزاي دراسة موسعة حول استجابة الشرطة السويسرية لحالات العنف المنزلي. وتقول: “هناك بالتأكيد قدر من العنصرية البنيوية داخل المؤسسات، ليس في جهاز الشرطة فحسب، بل في منظومة المؤسسات بصورة أوسع، وأرى أن ذلك يضر في نهاية المطاف بكل من يقع ضحية العنف المنزلي، بما في ذلك النساء السويسريات”.
وتظهر دراستهارابط خارجي لوحدة شرطة الطوارئ في أحد الكانتونات الناطقة بالفرنسية في سويسرا، أن أفراد الشرطة كانوا أكثر ميلًا إلى تصعيد الإجراءات عندما يكون الجاني أجنبيًّا، مما يؤدي إلى توفير دعم وحماية عاجلين للضحية، في حين كان النهج المتبع أكثر تساهلًا عندما يكون الجاني سويسريًّا.
وتضيف: “ويعني ذلك أن بعض الضحايا السويسريات قد لا يحظين بالمستوى نفسه من الاهتمام أو الحماية عندما يكون الجاني سويسريًّا، لأن التصورات المسبقة داخل بعض المؤسسات تميل أحيانًا إلى ربط العنف بالأجانب أكثر من غيرهم”.
النساء الأجنبيات لسن أكثر عنفًا من الرجال السويسريين
وبصورة عامة، لا تدعم بيانات المكتب الفدرالي للإحصاء الاستنتاج القائل إن النساء الأجنبيات أكثر عنفًا من الرجال السويسريين. ويخلص باير إلى القول: “ينبغي أن نأخذ في الاعتبار سلوكيات الإبلاغ والعوامل المختلفة المسببة للمخاطر. ولو أُخذت هذه العوامل في الاعتبار على نحوٍ منهجي، لأظهرت الصورة بوضوح أن الرجال السويسريين يمثلون مستوىً أعلى من المخاطر مقارنةً بالنساء الأجنبيات”.
المزيد
تحرير: مارك لوتنيغير
ترجمة: جيلان ندا
مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.