رئيس الحكومة المكلف: يداي ممدودتان لجميع الأفرقاء في لبنان للانطلاق في مهمة الإنقاذ
أكد رئيس الحكومة اللبنانية المكلف نواف سلام الثلاثاء أن يديه “ممدودتان” الى جميع الأفرقاء للانطلاق في “مهمة الإنقاذ والإصلاح”، عشية بدئه استشارات مع القوى السياسية لتأليف حكومته، في مهمة تعهد بإنجازها في أسرع وقت ممكن.
وتنتظر حكومة سلام الذي وعد ببدء “فصل جديد” في لبنان، تحديات عدة من تثبيت وقف إطلاق النار بين حزب الله واسرائيل بعد حرب مدمرة وإعادة الإعمار، إلى إصلاحات اقتصادية ملحة تحتاج إليها البلاد الغارقة في انهيار اقتصادي متماد منذ أكثر من خمس سنوات.
وأعلنت الرئاسة اللبنانية الثلاثاء أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الذي كانت بلاده ضمن الدول الخمسة التي دفعت باتجاه انتخاب رئيس، سيزور بيروت الجمعة، في زيارة قالت باريس إنها تعكس “التزام فرنسا الدائم باستقرار لبنان ووحدته وتنميته”.
وفي أول كلمة عقب وصوله الى بيروت ولقائه رئيسي الجمهورية جوزاف عون والبرلمان نبيه بري، قال سلام للصحافيين من القصر الرئاسي، “يداي الاثنتان ممدودتان للانطلاق سويا في مهمة الانقاذ والاصلاح وإعادة الإعمار”.
وتابع “أصغيت بالأمس إلى بعض الهواجس التي أثيرت.. جوابي أنني بفطرتي وتكويني وممارستي السياسية لست من أهل الاقصاء بل من أهل الوحدة، ولست من أهل الاستبعاد بل من أهل التفاهم والشراكة الوطنية”.
كلَّف عون الإثنين سلام برئاسة الحكومة، بعد نيله تأييد 84 نائبا من إجمالي 128 من أعضاء البرلمان، في تطوّر يؤكد التغيير الحاصل في المشهد السياسي نتيجة تراجع موقع حزب الله الذي كان يتحكّم بمفاصل الحياة السياسية في البلاد.
وامتنعت كتلتا حزب الله وحليفته أمل بزعامة بري عن تأييده، من دون أن تسمي مرشحا آخر، بعدما كانتا داعمتين لوصول رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي.
وأعرب رئيس كتلة حزب الله البرلمانية النائب محمّد رعد الإثنين، عن أسفه “لمن يريد أن يخدش اطلالة العهد التوافقية مرة جديدة”.
وتابع “الآن نقول بكل بساطة وبكل هدوء أعصاب، من حقهم أن يعيشوا تجربتهم ومن حقنا أن نطالب بحكومة ميثاقية، لأن أي سلطة تناقض العيش المشترك لا شرعية لها”، في إشارة واضحة الى قبول الحزب بالأمر الواقع بالنسبة الى تسمية رئيس الحكومة وتمسكه بأن يشارك في عضويتها.
– إعادة الإعمار –
وجاء تكليف سلام، وهو دبلوماسي مخضرم يرأس محكمة العدل الدولية في لاهاي، بعد أربعة أيام على انتخاب عون رئيسا، على وقع ضغوط خارجية خصوصا من الولايات المتحدة والسعودية، أعقبت تغيّر موازين القوى في الداخل على خلفية نكسات مني بها حزب الله في مواجهته الأخيرة مع اسرائيل وسقوط حليفه بشار الأسد في سوريا المجاورة.
ودعمت سلام كتل معارضة لحزب الله ونواب مستقلون، إضافة الى كتلتي الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والتيار الوطني الحر برئاسة النائب جبران باسيل، حليف حزب الله في العهد السابق.
ويعتبر المحلل السياسي كريم بيطار أن ما قد يقلق حزب الله إزاء سلام هو “أنه قانوني، ملتزم للغاية بسيادة القانون واحترام المؤسسات، وكانوا يميلون إلى اعتباره ربما مفرطا في الميل نحو الغرب”.
ورأى سلام في كلمته الثلاثاء أن “أهم التحديات التي نواجهها اليوم هي التصدي لنتائج العدوان الأخير”، متعهدا إعادة بناء ما تدمّر جراء الحرب بين اسرائيل وحزب الله في جنوب لبنان وشرقه وفي بيروت.
وأوضح أن “إعادة الاعمار ليست مجرد وعد، بل التزام وهذا يتطلب العمل الجاد على التنفيذ الكامل للقرار 1701 وكافة بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وفرض الانسحاب الكامل للعدو من آخر شبر محتل من أراضينا”.
وأضاف “لا أمن ولا استقرار لبلادنا دون ذلك، وهذا يقتضي العمل أيضا على بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بواسطة قواها الذاتية”.
وجاء انتخاب عون رئيسا ثم تسمية سلام رئيسا للحكومة بعد أسابيع من وقف لإطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل أوقف حربا مدمرة. ونصّ على انسحاب إسرائيل من المناطق التي دخلتها في الجنوب ويشمل الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي 1701 الصادر في العام 2006 والذي من بنوده ابتعاد حزب الله عن الحدود، ونزع سلاح كل المجموعات المسلحة في لبنان وحصره بالقوى الشرعية دون سواها.
– “فصل جديد” –
يبدأ سلام صباح الأربعاء استشارات مع الكتل النيابية في مقر البرلمان تستمر ليومين.
ولا يعني تكليف رئيس حكومة جديد أنّ ولادة هذه الحكومة ستكون قريبة، إذ غالبا ما استغرق تشكيل الحكومات في لبنان أسابيع أو حتى أشهرا بسبب الانقسامات السياسية العميقة.
لكن سلام أمل في حديث للصحافيين عقب زيارته رؤساء الحكومات السابقين مساء الثلاثاء أن “تكون المهلة أقصر بكثير” من السابق “لأن وضع البلد لا يحتمل، نحن في عهد جديد ونريد انطلاقة جديدة وسريعة لأن المهام التي تنتظر البلد لا تحتمل”.
وفي كلمة له خلال لقائه وفدا من المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى، قال رئيس الجمهورية “لا يجب أن توضع أي عراقيل في وجه تشكيل الحكومة”، معتبرا أن ذلك يمهّد لـ”تنفيذ إعادة الاعمار بشفافية”.
وأكّد عون في الوقت نفسه أنه “لا يمكن لمكون أن ينكسر وغيره ألا ينكسر، فإذا انكسر مكون، ينكسر لبنان بأسره”.
وعلى وقع الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان منذ خريف 2019، والتي عجزت السلطات المتلاحقة عن تنفيذ الإصلاحات الملحة لبدء مرحلة التعافي، أوضح سلام إنه سيتعين على الحكومة التي يشكلها “وضع برنامج متكامل لبناء اقتصاد حديث ومنتج”.
وتابع “لقد عشنا في ظل إدارة مترهلة حكمتها الزبائنية ونخرها الفساد، فآن الأوان لرفضها ووضعها في خدمة الناس”، متعهدا العمل لقيام “دولة قادرة وعادلة”.
وأضاف “هذا كله لا يمكن الحديث عنه قبل أن نعمل بكل طاقتنا لانصاف ضحايا انفجار مرفأ بيروت ولتحقيق العدالة لهم ولذويهم”.
وأدّى انفجار مرفأ بيروت في 4 آب/أغسطس 2020 إلى مقتل أكثر من 220 شخصا، وإصابة الآلاف بجروح. لكن لم يتم التوصل إلى أي نتائج ملموسة بالتحقيقات بعد أكثر من أربع سنوات بعدما أعاقتها التدخلات السياسية في عمل القضاء وكفّ يد المحقق العدلي القاضي طارق بيطار.
ودعا القوى السياسية الى التعاون لبدء “فصل جديد” بمعزل عن التدخلات الخارجية. وقال “كان لكل منا رهان على خارج ما والتجربة علمتنا أن الرهان الصحيح الوحيد هو الرهان على وحدتنا وعلى تعاوننا”.
لو-لار/ص ك