“المنطقة العازلة” في لبنان تنكأ جراح عسكريين إسرائيليين سابقين
من معيان لوبيل
الحدود بين إسرائيل ولبنان 15 يوليو تموز (رويترز) – يرى عسكريون إسرائيليون سابقون أن المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل حاليا داخل الأراضي اللبنانية تعيد إلى الأذهان عمليات عسكرية سابقة مكلفة شاركوا فيها، محذرين من أن “المنطقة العازلة” التي تعدها الحكومة مكسبا أمنيا ربما تكون استنساخا لاستراتيجية أثبتت فشلها.
ويتذكر جيل شيلي أن قادته كانوا يخبرونه يوميا في أواخر الثمانينيات، في ما كان يُعرف آنذاك “بالشريط الأمني” في جنوب لبنان، أنه كان يحمي شمال إسرائيل.
وقال “بالنظر إلى الوراء، كان كل ذلك مجرد خرافات”.
وانسحبت إسرائيل من ذلك الشريط عام 2000. وعادت قواتها الآن لتحتل شريطا من جنوب لبنان عمقه 10 كيلومترات تقريبا. وتقول إسرائيل إن الهدف هو حماية مدنها الحدودية من جماعة حزب الله اللبنانية المدعومة من إيران.
وأعلنت إسرائيل عن المنطقة الجديدة في أواخر مارس آذار بينما كانت تخوض معارك عنيفة ضد حزب الله في خضم الحرب مع إيران. وجاء ذلك في أعقاب إنشاء مناطق مماثلة في غزة وسوريا، مما يعكس التحول الاستراتيجي الإسرائيلي بعد الهجوم الذي قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر تشرين الأول 2023.
وبالنسبة لشيلي، كانت تلك لحظة رعب.
وقال شيلي البالغ من العمر 56 عاما والذي سيلتحق ابنه الأصغر قريبا بالجيش الإسرائيلي بموجب التجنيد الإجباري “عندما أسمع خبر مقتل جندي هناك، أشعر بانكسار شديد. ينفطر قلبي حزنا على هذه التضحية غير الضرورية”.
وفقدت إسرائيل عشرات الجنود منذ مارس آذار، عندما أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل، مما دفعها إلى شن هجوم أدى إلى نزوح مليون شخص ومقتل الآلاف في لبنان، بينهم مئات المدنيين.
ولا يكشف حزب الله عن أرقام القتلى في صفوفه.
ويصف العسكريون القدامى، الذين يعودون بذاكرتهم إلى ما قبل ثلاثة أو أربعة عقود، نظاما مرهقا في جنوب لبنان يشمل ضمن ما يشمل إزالة المتفجرات ونصب الكمائن والاشتباك مع مقاتلين أتقنوا أسلوب حرب العصابات خلال الاحتلال الإسرائيلي.
وقال إيريز، البالغ من العمر 51 عاما، والذي خدم هناك في التسعينيات وطلب أن يشار إليه باسمه الأول فقط لأسباب تتعلق بالخصوصية “فقدت العديد من الأصدقاء في لبنان”. ويخدم ابنه حاليا في المنطقة العازلة الجديدة. وأضاف “كنا نأمل ألا نضطر أبدا إلى العودة”.
* نتنياهو: المنطقة العازلة رادع لحزب الله
وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنطقة العازلة بأنها إنجاز كبير، وذلك خلال زيارته للقوات في 30 يونيو حزيران.
وقال نتنياهو الذي يواجه انتخابات في أكتوبر تشرين الأول وسط تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي “هذه المناطق الأمنية تمثل تحولا جذريا. فهي تعني أننا لن نسمح بعد الآن لجيش من الإرهابيين بالتمركز على حدودنا. وندمر كل وسيلة كانت تستخدم لمهاجمتنا، سواء كانت فوق الأرض أو تحتها”.
وتخلو المنطقة في الغالب من المدنيين اللبنانيين الذين فروا من القرى التي أصبحت الآن مدمرة بالكامل تقريبا.
أما من الجانب الإسرائيلي من الحدود، فيمكن رؤية مركبات عسكرية تقوم بدوريات بين أكوام الأنقاض والمنازل المدمرة التي تصطف على جانبي الطرق. وتسمع أحيانا أصوات انفجارات بينما يتصاعد الدخان من التلال.
وتقع البلدات والقرى الإسرائيلية، التي استهدفها حزب الله بالصواريخ والطائرات المسيرة، في مرمى البصر مباشرة.
وعاد متطوع في قوات الاحتياط الإسرائيلية إلى جنوب لبنان هذا الشهر بعد أن خدم هناك مجندا شابا قبل انسحاب عام 2000 بوقت قصير.
وقال جندي الاحتياط، الذي اشترط عدم نشر اسمه، إن كمية الأسلحة واتساع نطاق الأعمال الأساسية التي قام بها حزب الله منذ ذلك الحين تثير القلق، لكن العمل العسكري وحده لا يمكن أن يضمن الأمن في النهاية.
وأضاف “ما الهدف؟ لماذا تفعلون ذلك؟ أنتم تقاتلون وتخاطرون بحياتكم، الأمر غير واضح، وهم لا يوضحونه للجنود. الأمر غامض ومحبط”.
* “نريد السلام مع لبنان”
وسبق انسحاب إسرائيل في عام 2000 حملة شعبية تصاعدت مع تزايد الخسائر البشرية. وكانت الأصوات المهيمنة فيها هي أمهات الجنود، الذين سقطوا والذين ما زالوا في الخدمة، اللواتي شكلن حركة “الأمهات الأربع — اتركوا لبنان في سلام”.
وقالت راشيل مادبيس بن-دور إحدى مؤسسات الحركة ورئيستها “كانوا أطفالنا آنذاك، والآن هم أحفادنا… نحن نرتكب الخطأ نفسه حاليا”.
وذكرت راشيل، وهي من سكان الشمال، أن الجنود يمكنهم حماية بلدتها من الحدود. وأضافت “لا نريد أن نرى القرى تدمر. نريد السلام مع لبنان ونحتاج إلى دعم العالم”.
لكن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بيني جانتس، الذي كان برتبة بريجادير جنرال في عام 2000 وأغلق بوابة السياج الحدودي خلف القوات الإسرائيلية المنسحبة، قال إن إسرائيل لا يمكن أن تتصرف بسذاجة.
وذكر أن ابنه كان على خط المواجهة في لبنان في الآونة الأخيرة.
وأضاف “ليس لدينا خيار سوى إقامة منطقة عازلة… لا يمكننا النظر إلى الواقع مثلما نريد أن نراه. علينا أن ننظر إلى الواقع كما هو ونحاول تشكيله. ويجب أن يكون ذلك بمزيج من الوسائل العسكرية والأمنية والدبلوماسية”.
وتجري إسرائيل ولبنان محادثات مدعومة من الولايات المتحدة في روما هذا الأسبوع استنادا إلى اتفاق إطاري مبدئي على نزع سلاح حزب الله، وهو مطلب ترفضه الجماعة اللبنانية، والتوصل إلى اتفاق سلام في النهاية.
وأردف جانتس “سنعود إلى ديارنا إذا تسنى تنفيذ الاتفاق بالفعل، وأتمنى أن تأتي هذه الأيام”.
(إعداد أحمد هشام للنشرة العربية – تحرير علي خفاجي)