الناخبون يرفضون مبادرة شعبية للحد من الهجرة
رفض الشعب السويسري مبادرة تهدف إلى الحد من السكان عند سقف عشرة ملايين نسمة، وأقر في المقابل تشديد قواعد الخدمة المدنية.
أظهرت النتائج النهائية لاقتراعات الأحد أن الناخبين والناخبات في سويسرا رفضوا مبادرة حزب الشعب السويسري اليميني، التي كانت ترمي إلى تحديد عدد سكان البلاد بعشرة ملايين نسمة، فيما أُقرّ في المقابل إصلاح قانون الخدمة المدنية. وبلغت نسبة المشاركة 58%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالتصويتات السابقة.
المزيد
النتائج النهائية لاقتراعات 14 يونيو
وتشير النتائج النهائية التي نشرها معهد الأبحاث الاجتماعية “gfs.bern” إلى رفض مبادرة “لا لعشرة ملايين نسمة” بنسبة 54.8 %، مقابل 45.2% أيدوها. وفي المقابل، أُقرّ إصلاح تشريعي يهدف إلى جعل الخدمة المدنية أقل جاذبية، بعد حصوله على تأييد 52.5% من الأصوات.
وقال لوكاس غولدر، المحلل في معهد الأبحاث الاجتماعية “gfs.bern”، إن نسبة المشاركة كانت مرتفعة في المدن، مضيفاً أن سويسرا الناطقة بالفرنسية لعبت دوراً حاسماً في رفض المبادرة. ففي كانتون نوشاتيل، رفض 67.3% من الناخبين والناخبات المبادرة، وبلغت نسبة الرفض 65.4% في جنيف، و64.5% في فُو. وسُجل أقوى رفض في كانتون بازل-المدينة الناطق بالألمانية، حيث بلغت النسبة 73.5%.
في المقابل، وافق كانتون أبنزل – رودس الداخلية الريفي الصغير، الواقع في شمال شرق سويسرا، على المبادرة بنسبة 65.9%.
وقال مارسيل ديتلينغ، رئيس حزب الشعب السويسري، لقناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالألمانية “قال الريف نعم بوضوح شديد، لكن المدن رجّحت الكفة”. وأضاف أن مشاكل البلاد ستبقى قائمة رغم نتيجة التصويت، داعياً من يحتفلون بالنتيجة إلى العمل على معالجتها.
ورحّب وزير العدل السويسري بيات يانس بنتيجة التصويت، قائلاً لوسائل الإعلام: ” بقرارها هذا، وجّهت غالبية الناخبين رسالة تؤكد الاستقرار والانفتاح والموثوقية”.
الناخبون والناخبات يحمون العلاقات مع الاتحاد الأوروبي
وهيمنت مبادرة الهجرة على النقاش العام خلال الحملة، إذ دعت إلى وقف نمو السكان عند سقف عشرة ملايين نسمة، بحجة الضغوط المتزايدة على البنية التحتية في البلاد. وجادل حزب الشعب السويسري بأن مشاكل ازدحام القطارات والطرق وضيق سوق السكن، تعود كلها إلى ما وصفه بـ”الهجرة غير المنضبطة”.
ويبلغ عدد سكان سويسرا حالياً نحو 9.1 ملايين نسمة، بعدما ارتفع بنسبة 23% منذ دخول اتفاق حرية تنقل الأشخاص مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2002. وبموجب المبادرة، كان سيتعين على سويسرا اتخاذ إجراءات محددة إذا بلغ عدد السكان 9.5 ملايين نسمة قبل 2050. وحذرت الحكومة خلال الحملة من أن ذلك قد يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهاء حرية التنقل مع الاتحاد الأوروبي، بينما أكد حزب الشعب السويسري أن هذا الخيار لن يُستخدم إلا كملاذ أخير.
المزيد
مبادرة “لا لسويسرا بعشرة ملايين” أمام اختبار التصويت الشعبي
وقال سيدريك فيرموت، الرئيس المشارك للحزب الاشتراكي الديمقراطي، إن غالبية السكان سئمت “سياسة كبش الفداء” التي ينتهجها حزب الشعب السويسري. كما رأى أن رفض المبادرة يعكس رغبة في حماية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، أكبر شريك تجاري لسويسرا ومصدر رئيسي للعمالة الماهرة بفضل اتفاقية حرية تنقل الأشخاص.
وقال فيرموت لقناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالألمانية: “في زمن بوتين وترامب، لا يمكن تصور أن يرغب أحد في زعزعة النهج الثنائي”، في إشارة إلى العلاقات الثنائية القائمة بين سويسرا والاتحاد الأوروبي.
وأيدت مونيكا رول، رئيسة رابطة الشركات السويسرية، هذا الموقف، معتبرة أن نتيجة الأحد مهمة للعلاقات السويسرية الأوروبية، وكذلك للشركات التي تعتمد على العمالة القادمة من الاتحاد الأوروبي.
أما ماتياس بريغي، رئيس حزب الوسط، فقال إن التصويت فتح نقاشاً حول إدارة النمو السكاني، مشيراً إلى أن النمو في سويسرا تجاوز معدلاته في الدول المجاورة. وقال لقناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالفرنسية: “النمو مشكلة حقيقية. من يعيشون في المدن أو يستخدمون القطارات يعرفون ذلك جيداً”. لكنه اعتبر أن الحلول التي اقترحها حزب الشعب السويسري في المبادرة كانت غير ناجعة.
وفي إشارة إلى الاهتمام الذي حظي به التصويت خارج حدود البلاد، كتبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على منصة إكس :” قال الشعب السويسري كلمته. تجمع الاتحاد الأوروبي وسويسرا روابط وثيقة وشراكة قوية. وسنواصل العمل معاً لتجديد تعاوننا وتقويته».
وتُعد مبادرة “لا لعشرة ملايين نسمة” أحدث مبادرة شعبية يطرحها حزب الشعب السويسري للحد من الهجرة، في إطار نظام الديمقراطية المباشرة السويسري. وكان الناخبون والناخبات قد أيدوا بفارق ضئيل عام 2014 مبادرة “الهجرة الجماعية”، لكن الحزب يرى أنها لم تُنفذ بالشكل الصحيح.
المزيد
نقاش لا يتوقف: عشرون مبادرةً شعبيةً حول الهجرة في سويسرا خلال الستين عامًا الماضية
دعم لتشديد قواعد الخدمة المدنية
وفي اقتراع آخر، أيد الناخبون والناخبات تشديد القواعد المنظمة للخدمة المدنية، إذ وافق 52.5% على إصلاح قانوني يجعل الانتقال من الخدمة العسكرية إلى المدنية أصعب. ويهدف تعديل القانون الفدرالي للخدمة المدنيةرابط خارجي إلى تقليص عدد الراغبين في أداء الخدمة المدنية بدلاً من الخدمة العسكرية، بعد أن خضع الإصلاح لاستفتاء شعبي.
ورُفض المشروع في معظم الكانتونات الستة والعشرين، باستثناء كانتونات فُو وجنيف ونوشاتيل وجورا في غرب البلاد. وتفرض القواعد الجديدة شروطاً أشد على الراغبين في أداء الخدمة المدنية، من بينها حد أدنى يبلغ 150 يوم خدمة وتقليص هامش المرونة وإلزامهم بدورات مستمرة.
ويهدف الإصلاح إلى خفض عدد المقبولين سنوياً من نحو 7200 إلى 4000 شخص، وتعزيز عديد الجيش وسط توترات جيوسياسية متزايدة، خصوصاً منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال غولدر إن النتيجة كانت واضحة جداً في الكانتونات الأصغر والأكثر محافظة، معتبراً أنها تعكس رغبة الناخبين والناخبات في تعزيز الجيش “في أوقات صعبة”.
ويرى مؤيدو الإصلاح أن الخدمة المدنية أصبحت جذابة أكثر من اللازم، وابتعدت عن هدفها الأصلي باعتبارها بديلاً لمن يرفضون الخدمة العسكرية.
وقال نيكولا كولي، النائب عن حزب الشعب السويسري: “نحن في سياق خاص تسوده حالة كبيرة من انعدام اليقين. علينا إعادة تركيز جهودنا لضمان هذا الأمن. الخدمة العسكرية إلزامية، وهذه واجبات ضرورية تجاه البلاد”.
معارضون يلوّحون بالتصدي لقيود إضافية
وجاء تصويت الأحد نتيجة استفتاء حمل شعار “أنقذوا الخدمة المدنية”، قاده أساساً الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر والحزب البروتستانتي. وحذر المعارضون من أن الإصلاح سيزيد نقص العاملين.ات في قطاعات أساسية، مثل الصحة والتعليم والزراعة، من دون أن يحقق مكاسب تُذكر للجيش نفسه.
ورغم الهزيمة، يؤكد داعمو الاستفتاء أن الخدمة المدنية ما زالت تحظى بتقدير واسع في المجتمع السويسري. وأشار الجناح الشبابي لحزب الخضر إلى أن تقارب النتيجة دليلاً على دعم شعبي مهم، كما لوّح ناشطون وناشطات بمقاومة أي قيود إضافية مستقبلاً.
وقال شيلدون ماسيراز، الرئيس المشارك للجناح الشبابي لحزب الخضر: “لا تزال الخدمة المدنية مؤسسة معترفاً بها ومقدّرة لدى السكان السويسريين، خصوصاً لأنها تسهم في أمن البلاد”.
وحذرت كلارنس شوليه، العضوة في حزب الخضر ورئيسة الاتحاد السويسري للخدمة المدنية، من هدف أوسع لليمين يتمثل في تفكيك النظام القائم. وقالت: “يشمل ذلك إعادة اختبار القناعة الضميرية ودمج الخدمة المدنية مع الحماية المدنية، وهي خطوات تثير قلقنا بدرجة أكبر بكثير”.ولم يحظ هذا الملف باهتمام كبير خلال الحملة، إذ طغت عليه مبادرة “لا لعشرة ملايين نسمة” للحد من الهجرة. ووفقاً للكتاب السنوي للسياسة السويسرية، لم تتجاوز تغطيته الإعلامية 2% من إجمالي التغطية.
يذهب المواطنون السويسريون إلى صناديق الاقتراع حتى أربع مرات في السنة، ولكن لا يحق لكل من يعيش في سويسرا التصويت في 14 يونيو. فقط المواطنون السويسريون الذين تزيد أعمارهم عن 18 عامًا والذين ليسوا تحت الوصاية مؤهلون للتصويت على القضايا الوطنية.
وبوسع الناخبين أن يدلوا بأصواتهم إما عبر البريد أو عبر صناديق الاقتراع. ويتعين على أولئك الذين يعيشون في الخارج أن يسجلوا أنفسهم.. ويبلغ إجمالي عدد الناخبين حوالي 5.6 مليون شخص، أي ما يقارب ثلثي سكان البلاد البالغ عددهم حوالي تسعة ملايين نسمة.
لا يحق للمقيمين في سويسرا الذين لا يحملون الجنسية السويسرية أن يصوتوا، على الرغم من أنهم يشكلون نحو ربع السكان.
يُدلي نحو نصف الناخبين المؤهلين بأصواتهم عادةً. وخلال السنوات العشر الماضية، تراوح متوسط نسبة المشاركة السنوية بين 41% و57%، وفقًا للمكتب الفدرالي للإحصاء. عمليًا، هذا يعني أن الفوز يتطلب أقل من 1.5 مليون صوت.
تحرير: صامويل جابيرغ
ترجمة: مي المهدي
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.