The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

تحدّيات أمام الدفاع السويسري: فما الأسباب؟

جنود الجيش السويسري خلال تمرين قتالي باستخدام مدفع هاون في منطقة التدريب العسكري في هينتيرراين.
جنود الجيش السويسري خلال تمرين قتالي باستخدام مدفع هاون في منطقة التدريب العسكري في هينتيرراين. Keystone / Andreas Becker

في ظل تصاعد التهديدات الأمنية في أوروبا، تتعرّض سويسرا لتدقيق من جيرانها، إذ تعتبر نقطة ضعف محتملة في نظام الأمن الأوروبي. وعلى الصعيد الداخلي، لا يعد ملف الدفاع من القضايا الأساسية على الأجندة السياسية.

فمن خلال هذا التحليل، نوضح كيف تركُز النقاشات البرلمانية بشكل رئيسي على مسألة التمويل، بينما تتناقص ثقة الرأي العام في القوات المسلحة.

بعد أربع سنوات على الغزو الروسي لأوكرانيا، بدأت تداعيات “الحرب الهجينة” تطال الداخل السويسري. ورغم امتناع الحكومة في برن عن توجيه اتهام رسمي، أعرب خبراء، وخبيرات، في المجال العسكري عن قناعة بتنفيذ روسيا بالفعل هجمات سيبرانية واسعة النطاق، استهدفت البنية التحتية العامة في البلاد.

فمنذ أبريل 2025، بدأت سويسرا بإعداد سجل رسمي بالبلاغات عن هجمات في البنى التحتية الحيوية، كالمستشفيات، ومحطات الطاقة، والمصارف. وبحسب هذه السجلات، يرد في المتوسط بلاغ واحد يوميًا عن هجوم سيبراني. كما انكشفت مؤخرًا حملات تضليل إعلاميرابط خارجي، كان آخرها تدخُّل المؤسسة الإعلامية “روسيا اليوم” (RT)، الخاضعة لسيطرة الكرملين، في الاستفتاء الشعبي المرتقب بشأن تمويل هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية، الشركة الأم لموقع سويس إنفو (Swissinfo.ch).

“قلب أوروبا الهشّ”

في أكتوبر 2025، أفاد شهود في كانتون أرغاو، شمالي سويسرا، برصد طائرة مسيّرة كبيرة تحلّق فوق محطة “ستار أوف لوفنبورغ”، شبكة الجهد العالي الأوروبية. ومع أن الحادث لم يلقَ صدى لدى الرأي العام، إلا أنه أثار قلقًا بالغًا في الأوساط الأمنية.

محطة تبديل الطاقة "ستار أوف لوفنبورغ": المركز الأوروبي الضعيف.
محطة تبديل الطاقة “ستار أوف لوفنبورغ”: المركز الأوروبي الضعيف. Keystone / Gaetan Bally

وتُعد محطة لاوفنبورغ من أكثر المواقع حساسية في سويسرا. كما تؤدي دورًا محوريًّا في تزويد الدول المجاورة بالكهرباء. وعلّقت صحيفة “نويه تسورخر تسايتونغ” بالقول: “سويسرا متأثرة بالحرب الهجينة الروسية بقدر تأثر بقية أوروبا”. وأضافت أنّ البنية التحتية السويسرية تمثّل قلب أكثر المناطق الاقتصادية الأوروبية قوةً.

“الحياد أدَّى إلى العزلة”

في حديث إلى سويس إنفو، قال الصحفي في “نويه تسورخر تسايتونغ”، يورغ هيسلر، لم تعد القضية تقتصر على الدفاع عن الأراضي السويسرية، بل باتت تتعلق بحماية أنظمة مترابطة عابرة للحدود. وفي رأيه، تتحمل سويسرا مسؤولية حماية شبكات النقل والطاقة، لاعتماد بقية القارة عليها.

وأضاف: “بالنسبة إلى سائر أوروبا، أصبح حيادنا عامل خطر أمني. فالرهان السويسري على تأمين سلامة أراضيها عبر الابتعاد، وغضّ الطرف لم يجلب نفعًا”.

ومن جهته، يرى مارسيل بيرني، أستاذ الاستراتيجية العسكرية في المعهد التقني الفدرالي العالي (ETH) في زيورخ، أنّ عجز سويسرا عن حماية بنيتها التحتية الحيوية داخل أراضيها أثار قلقًا عميقًا لدى الدول المجاورة. ويتفق بيرني مع هيسلر في تشخيص جذور الأزمة، ويعتبرها أزمة حياد. وأوضح: ”أقنعت سويسرا نفسها بأنها محايدة. لكن روسيا وحلف شمال الأطلسي لا ينظران إليها على هذا النحو”. وفي الوقت نفسه، يجادل بيرني بأنّ التفسير السويسري الضيِّق للحياد عزلها عن المنظومة الأمنية الأوروبية.

وتتجلَّى هذه العزلة في سياق الإنفاق الدفاعي. ففي ظلّ تزايد احتمال انسحاب الولايات المتّحدة من حلف شمال الأطلسي، أعلنت حكومات أوروبية عديدة نيتها تخصيص 5% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع. بينما تبدو سويسرا أقل انسجامًا مع التحوّل الأمني الجاري في القارة.

وخلال لقاءاته مع نظرائه في أوروبا، اضطر وزير الدفاع السويسري، مارتن فيستر، مرارًا إلى تبرير المستوى المتواضع نسبيًا للإنفاق السويسري. إذ لا يتجاوز الإنفاق العسكري الحالي 0،7% من الناتج المحلي الإجمالي، مع خطط لرفعه إلى 1% خلال ست سنوات. وبعد مؤتمر ميونيخ للأمن، قال فيستر للتلفزيون العمومي السويسري الناطق بالألمانية، إنّ موقف سويسرا “لا يلق تفهّمًا كافيًا” لدى النظراء في أوروبا.

وخلال مؤتمر صحفي، استفسرت سويس إنفو عن شعوره بالضغط الأوروبي، فأجاب بارتفاع التوقعات. وأوضح: “تتوقع أوروبا أن تتمكن سويسرا من الدفاع عن نفسها دون الحاجة إلى دعم الآخرين. وإذا كنا نرغب في الحفاظ على حيادنا، فهذا أيضًا يفرض علينا التزامات”.

تمويل يفتقر إلى دعم شعبي

لتعزيز الإنفاق الدفاعي، يقترح فيستر رفع ضريبة القيمة المضافة من 8،1% إلى 8،9%، لمدة عشر سنوات. وتوفّر هذه الزيادة نحو 31 مليار فرنك سويسري للخزينة الفدرالية. ورغم حصوله على دعم الحكومة الفدرالية، لم يُبدِ البرلمان حماسًا يذكر. وحتى الآن، يحظى الاقتراح بدعم حزب الوسط، المنتمي إليه الوزير فقط.

أمَّا على صعيد الرأي العام، فتبدو الشكوك أوسع نطاقًا. ففي مطلع فبراير، أظهر استطلاع تمثيلي رابط خارجيرابط خارجي معارضة 76% من الأشخاص المشاركين.ات، رفع ضريبة القيمة المضافة.

محتويات خارجية

علاوة على ذلك، فشلت جميع المقترحات الأخرى البديلة لتمويل الجيش، المطروحة على الاستفتاء.

محتويات خارجية

وتشير هذه النتائج بوضوح إلى عدم استعداد الناخبين.ات السويسريين.ات لمنح الجيش أموالًا إضافية. وفي بلد يقوم نظامه على الديمقراطية المباشرة، يعني ذلك لن تتحقّق أي زيادة في التمويل ما لم تقتنع الأغلبية بضرورتها.

خيبات متراكمة وأزمة ثقة

مع عودة إخفاقات سابقة إلى الواجهة، اتسعت المسافة بين الرأي العام والمؤسسة الدفاعية. فقد تعثّرت عملية شراء طائرات مسيّرة، وخرجت صفقة مقاتلات «إف-35» عن مسارها، فيما يواجه نظام تشغيل رقمي تأخيرات وانتكاسات متكررة. وعلاوة على ذلك، رافقت هذه المشاريع زيادات في الكلفة، وتعثر في التنفيذ. وهذه ليست سوى أبرز الإشكالات التي غذّت خيبة الأمل لدى الناخبين والناخبات.

وفي هذا الصدد، قالت النائبة عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، سميرة مارتي، لقناة الإذاعة والتلفزيون العمومية السويسرية الناطقة بالألمانية (SRF)، إن الرأي العام “غير مستعد لمنح مزيد من الأموال لوزارة غارقة في الفضائح، وسوء الإدارة”. ويصف الحزب الاشتراكي الوضع في وزارة الدفاع بأنه “أزمة ثقة”. ويشدِّد على ضرورة معالجتها قبل إقرار أي تمويل إضافي. وتضيف مارتي: “في الوضع الراهن، المزيد من المال لا يعني مزيدًا من الأمن”.

تقييم واقعي مُقلق

في هذا السياق، يجد الوزير فيفستر نفسه أمام معضلة حقيقية. فعند انضمامه إلى الحكومة في مارس 2025، تعهّد بمزيد من الشفافية وتحسين التواصل. كما استعان بجهات تدقيق مالي معروفة بصرامتها لإصلاح نظام المشتريات، وإعادة بناء الثقة.

غير أن التقارير الفصلية التي بدأ ينشرها، حملت في كل مرة أخبارًا غير سارة. فقد تبيّن أن بعض المشاريع القديمة بات غير قابل للإصلاح ماليًا أو تقنيًا. وأصبح الخيار محصورًا بين إلغائها بخسائر كبيرة، أو استكمالها بضخّ أموال إضافية. وبدل استعادة الثقة، عمّق هذا المسار حالة الإحباط.

شكوك وأسئلة بلا إجابة

في الأثناء، يزداد الضغط مع كلِّ دقة ساعة. فتتعثّر صفقات التسلح الطويلة في سوق مترابطة بشدة، لا تحظى فيها سويسرا، بوصفها دولة خارج التحالفات العسكرية، بالأولوية. وهنا، يبرز مثال نظام الدفاع الجوي الأمريكي، “باتريوت”. فرغم دفعِ سويسرا 700 مليون فرنك مقدّمًا، تعطي الولايات المتحدة الأولوية لدول أخرى. ومؤخرًا، قال رئيس برنامج الدفاع الجوي للصحافة: «يمكننا الطلب سبع مرات، لكن إذا لم يأتِ الرد…”.

كما تثير التحوّلات التكنولوجية، التي كشفت عنها الحرب في أوكرانيا، أسئلة جوهرية داخل سويسرا حول طبيعة الحروب المقبلة. فهل تستطيع البلاد خوض حرب تقوم على الطائرات المسيّرة؟ وهل يظل الاستثمار في مقاتلات جديدة خيارًا منطقيًا في مثل هذا السيناريو؟

لا يقتصر النقاش على الطائرات فقط، بل تبدو بعض الأسلحة التقليدية، مثل الدبابات، أقل فعالية مما كانت عليه سابقًا. كما تثير أنظمة التسليح الأمريكية العديد من التساؤلات. في هذا الإطار، لا تزال القوات المسلحة السويسرية في المراحل الأولى من تطوير قدراتها في مجال الطائرات المسيّرة. ولم يتضح بعد كيف يمكن لمليارات إضافية تعزيز الدفاع السيبراني بشكل ملموس. وبالتالي، أصبحت فعالية معظم أنظمة التسليح موضوعًا للنقاش.

دعم ضئيل من السكان المدنيين: تدريبات مشاة الجيش السويسري مع القوات الفرنسية.
دعم ضئيل من السكان المدنيين: تدريبات مشاة الجيش السويسري مع القوات الفرنسية. Keystone / Cyril Zingaro

وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى تعميق حالة عدم الثقة، والتباعد بين الرأي العام والمؤسسة الدفاعية.

ويشرح كريستيان براندلي، رئيس تحرير مجلة «Allgemeine Schweizer Militärzeitung» المتخصصة في الشؤون العسكرية السويسرية، أسباب هذا التباعد. ويقول: “لا تدرك شريحة كبيرة أن هذا جيشنا، وأنه يتولى حماية أمننا… كما لا يستوعب الرأي العام بالكامل مدى هشاشة وضعنا”.

ومن جهة أخرى، يحمّل براندلي الحكومة الفدرالية مسؤولية هذا الوضع، مؤكدًا أنّ “على الحكومة أن توضّح بجلاء مدى حساسية المرحلة التي بلغناها”.

“نحتاج أموالًا طائلة على وجه السرعة”

يرى فيرنر زالتسمان، عضو مجلس الشيوخ عن حزب الشعب السويسري اليميني والمتخصص في شؤون السياسة الأمنية، الأمر على نحو مماثل. فقد دعا الحكومة إلى إجراء تقييم شامل للوضع الأمني. ويوصي بتبنِّى الحكومة موقفًا موحّدًا، ووتوضيحها للرأي العام المخاطر القائمة بجلاء. وفي رأيه، يقع ذلك في صميم مسؤوليات القيادة السياسية. ويقول: “إذا كانت الشخصيات السياسية لا تعترف بالخطر، فكيف ننتظر ذلك من الشعب؟”.

وعمومًا، يرى زالتسمان أن تمويل الجيش ممكن ضمن الميزانية العادية، دون تمويل إضافي أو قروض جديدة. ويستدرك: “لكن المشكلة تكمن في الحاجة إلى مبالغ طائلة على وجه السرعة، نظرًا لضرورة إبرام طلبات عاجلة، وتسديد دفعات مقدّمة”. وفي مقترح برلماني رابط خارجيرابط خارجي، طرح فكرة تمويل خاص، تشمل سندات دفاعية. ويعبر عن دهشته من استناد الحكومة إلى “ضيق الميزانية” في ردها، وكأن البلاد تعيش ظروفًا عادية.

ومن جانبها، تدعورابط خارجي رابط خارجيالعضوة في مجلس الشيوخ عن حزب الوسط، السيدة ماريان بيندر كيلر، إلى إنشاء صندوق يتيح للحكومة الالتفاف على “مكبح الديون”، وهي قاعدة دستورية تحدّ من الاقتراض الفدرالي. وترى أنّ استخدام روسيا لأساليب الحرب الهجينة في أوروبا، يشكّل وضعًا استثنائيًا يبرّر اعتماد هذا النوع من التمويل. وتقول: “حاليًّا، يمسك صنَّاع السياسة المالية بزمام المبادرة، وهذا يؤدي إلى الجمود”.

وفي رأيها، يتمثل الخطر الأكبر في “الهجمات الهجينة القادمة من روسيا”، وتبدأ الحروب عادة على هذا النحو. وتضيف: “أمَّا التهديد الثاني، فهو العقلية السويسرية التقليدية، القائمة على الاعتقاد بأن ما يجري لا يمسّنا”.

وتشير، بنبرة ساخرة، إلى مزحة متداولة في الأوساط المعنية بالسياسة الأمنية، مفادها قد تُسلّم سويسرا يومًا ما إلى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، “نظيفة من الديون”.

تحرير: سامويل جابيرغ

ترجمة: ريم حسونة

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

المزيد

نقاش
يدير/ تدير الحوار: جانيس مافريس

“غنية وضعيفة عسكريًا”… هل سويسرا فريسة سهلة؟

هل سويسرا مستعدة جيدًا لهذه الحقبة الجديدة التي تسود فيها شريعة الغاب؟ وما الذي يجب عليها فعله لتثبت وجودها في هذه الأوقات العصيبة؟

82 إعجاب
78 تعليق
عرض المناقشة

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية