في جزيرة صقلية باحثون يختبرون طائرات مسيّرة للتنبؤ بثوران البراكين
في جزيرة بركانية صغيرة على بعد حوالى 25 كيلومترا إلى الشمال من جزيرة صقلية الإيطالية، تحلق عند حافة فوهة بركان طائرة مسيّرة مزودة بأشعة ليزر يختبر من خلالها باحثون ألمان نظاما جديدا لقياس الغازات بهدف تحسين سبل توقّع ثوران البراكين.
بجوار مسند ثبّت عليه حساس للغازات، يقف ماريوس شآب، من الجامعة التقنية في ميونيخ، منتظرا اقتراب الطائرة المسيّرة التي أطلقها زميله لتوّه.
في المنطقة التي تشبه جغرافيتها بيئة القمر وتبدو كأنها معزولة عن بقية العالم، تجتاح الأجواء أعمدة من الأبخرة البيضاء ذات الرائحة الكبريتية اللاذعة، وبينها تبرز الطائرة المسيّرة الصغيرة ذات المروحة والمطوَّقة بحلقة حمرا لافتة.
ويعود آخر ثوران لبركان فولكانو الذي يبلغ ارتفاعه نحو 400 متر على سطح البحر، إلى نهاية القرن التاسع عشر، لكن البركان الذي يمكن التجول على الأقدام حول فوهته، لا يزال يشهد نشاطا كثيفا لانبعاث الغازات.
سرعان ما تتموضع الطائرة المسيّرة الصغيرة على محور جهاز الاستشعار الموجود على الأرض، فيرسل لها هذا الأخير حزمة ليزر غير مرئية تعبر الانبعاثات الغازية البركانية ينعكس شعاعها على المسيّرة.
ويشرح ماريوس شآب “نحصل بهذه الطريقة على تركيز الغاز انطلاقا من سرعة الضوء ومن موضع العاكس” المثبَّت على الطائرة المسيّرة، موضحا أنّه يكفي أن تتحرك الأخيرة في الهواء لكي تتغيّر الزوايا، وبالتالي تتغيّر القياسات.
ويشير الباحث البالغ 28 عاما “كانت المشكلة سابقا أننا كنّا مضطرين لنقل جهاز الاستشعار… إلى داخل سحابة الغاز”، ما كان يفرض إعادة معايرة الجهاز باستمرار.
ومن خلال البقاء على مسافة من الفوّهات الغازية التي يحمل التعرض الطويل لها خطرا، يستطيع الباحثون الاستغناء عن أقنعة الغاز.
ويضيف الباحث “من الآن فصاعدا، يمكن أن تبقى هذه الطائرة المسيّرة بعيدا (عن الغازات)، وكذلك المستشعر، بينما يتواجد عمود الغاز ببساطة في مكان ما بينهما”.
وانطلاقا من الإشارات التي يرسلها المستشعر، تعد الخوارزميات خريطة لتركيز الغاز خلال فترة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، وهي المدة التي تقطع فيها الطائرة مسارا محددا مسبقا على مسافة قد تصل إلى 60 مترا من الليزر.
وهذه هي المرة الأولى التي يختبر فيها فريق من جامعة ميونخ على بركان النظام التقني الذي يمكنه إجراء ما يصل إلى 3000 قياس. وبعد الجزر الإيولية، سيتوجه الفريق إلى بركان إتنا في صقلية.
– مرونة عالية –
على مسافة أبعد قليلا في محيط فوهة البركان، يستخدم فريق آخر من العلماء الألمان من جامعة ماينز حسّاسات مثبتة على طائرة مسيّرة لقياس تركيزات المواد الكيميائية في الهواء.
وتوضح تياردا روبرتس، البالغة 46 عاما، وهي باحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي في باريس وتتعاون مع فريق ماينز، لوكالة فرانس برس أن “أحد أسباب قياس الغازات والجسيمات هو فهم تأثيرات ثوران البراكين… على الغلاف الجوي بشكلٍ أفضل”.
وتضيف أن ذلك يحسّن أيضا “التنبؤ بثوران البراكين، لأن تركيبة الغازات يمكن أن تتغيّر قبل حدوث الثوران”، خصوصا مستويات ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت.
كلما اشتدّ الضغط الذي تمارسه الحمم الصاعدة من باطن الأرض نحو السطح، ازدادت كمية الغازات المنبعثة. لذلك، فإن معرفة هذه الكمية بدقة أكبر يمكن أن يساعد على التنبؤ بالانفجارات البركانية بصورة أفضل.
حاملا قائمة فحص، يتأكد يوناس كراييفسكي، طالب الماجستير في جامعة يوهانس غوتنبرغ في ماينز، من أن “تينا”، وهو الاسم الذي أُطلق على الطائرة المسيّرة، قادرة على الطيران بشكل آمن. وسرعان ما ترتفع الطائرة التي تزن كيلوغرامين ونصف في الهواء وتتجه نحو انبعاثات البركان.
هذه المرة تخترق الطائرة المسيّرة، المزوَّدة بسلسلة من الحساسات التي تقيس الغازات والجزيئات والهالوجينات (الكروم، البروم…)، قلب الفوَّهات الدخانية التي تتراوح حرارتها بين 100 و140 درجة مئوية.
ويوضح يوناس كراييفسكي، البالغ 28 عاما، أن “ما هو رائع هنا، على هذا البركان، هو أن لدينا تدفقا للغاز ثابتا جدا… ما يتيح لنا الحصول على بيانات موثوقة للغاية من أجهزة الاستشعار”.
وأصبحت الطائرات المسيّرة أداة شائعة في مراقبة البراكين منذ نحو خمسة عشر عاما، لكن العلماء يسعون إلى تطوير أدوات لقياس الغازات تكون أكثر دقة وخالية من المخاطر.
وبالنسبة لتياردا روبرتس، فإن إحدى المزايا الرئيسية للطائرة المسيّرة هي مرونتها الكبيرة.
وتوضح “يمكننا القياس حيثما نريد، يمكننا القياس في السحب البركانية، أبعد في الغلاف الجوي”، مضيفة أنه “أحيانا، على الأرض، نحاول إجراء قياس، لكن السحابة تنحرف في اتجاه آخر”.
محلّقة بمحاذاة الصخر المكسوّ ببلّورات الكبريت الصفراء المترسّبة بفعل الفوّهات الغازية، تعود “تينا” لتظهر قريبا في الأفق.
في الأيام القليلة المقبلة، ينتظر الطائرة المسيّرة تحدٍّ جديد: جبل إتنا الذي يتجاوز ارتفاعه 3000 متر، وشهد لتوّه ثورانا جديدا.
جرا/كط/ح س