قانون السلام التركي.. بصيص أمل للأمهات لكنه ينكأ جراح المحاربين القدامى
من إيسميت ميكائيل أوغولاري وميرت أوزكان
ديار بكر/أنقرة (تركيا) 12 أغسطس آب (رويترز) – كانت آيتن إلهامان، التي تتوق إلى لم شملها مع ابنها، تتابع التلفزيون بشغف طوال اليوم أثناء مداولات البرلمان التركي الذي أقر قانونا هذا الأسبوع يسمح للمقاتلين الأكراد بالعودة إلى ديارهم في إطار عملية سلام لإنهاء تمردهم الذي دام عقودا.
وتذكرت كيف ترك بايرام وظيفته في مخبز صباح أحد الأيام قبل تسع سنوات لينضم إلى حزب العمال الكردستاني المحظور في صراع مع تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي والذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف.
وقالت في وقفة احتجاجية انطلقت لأول مرة قبل سبع سنوات في مدينة ديار بكر ذات الأغلبية الكردية، حيث تنتظر أمهات بأمل عودة أبنائهن من منتسبي حزب العمال الكردستاني “يا بني، إن كنت تسمعني، عد إلى المنزل. هناك سلام الآن. ما جدوى هذه الحرب بعد الآن؟ لا تدعوا المزيد من الأطفال يموتون”.
وأضافت “أصبح ذلك الأمل فرحة تركيا بأكملها. أصبح فرحة جميع الأمهات. في النهاية، كانت الأمهات هن من عانين”.
يضع التشريع الذي أقره البرلمان في وقت متأخر من يوم الاثنين إطارا لحل حزب العمال الكردستاني. ويمهد الطريق لعودة المقاتلين من مخابئهم في شمال العراق وإعادة دمجهم، وتعليق بعض الأحكام بالسجن.
وهذه خطوة هامة نحو إنهاء واحدة من أطول حركات التمرد في العالم، والتي أودت بحياة 40 ألف شخص وعمقت الانقسام الاجتماعي وقال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إنها كلفت البلاد أكثر من تريليوني دولار. وإذا تكللت بالنجاح، فقد تصبح إنجازا يخلد في إرثه السياسي بعد 23 عاما في السلطة.
* لماذا ذهبنا إلى الجبال؟
لكن المحاربين القدامى وعائلات أفراد الأمن الذين قُتلوا في مواجهات مع حزب العمال الكردستاني عبروا عن غضبهم إزاء احتمال إعادة دمج أشخاص يُنظر إليهم على أنهم إرهابيون منذ سنوات في المجتمع.
قال إبراهيم كولاك أوغلو، من قدامي المحاربين الذي أظهر ندوبا في ساقه إثر إصابات تعرض لها في اشتباكات مع الجماعة، إن احتمال عودة المقاتلين السابقين إلى المجتمع جعله يتساءل عن جدوى التضحيات التي قدمها الجنود الأتراك الذين حاربوا حزب العمال الكردستاني في المناطق الجبلية جنوب شرق البلاد.
وقال لرويترز خلال احتجاج في أنقرة للمطالبة بتحسين أوضاع المحاربين القدامى “إذا كانوا سيمررون هذا القانون، فلماذا ذهبت إلى الجبال؟ لماذا أرسلونا إلى هناك؟”.
وحمل حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منظمة إرهابية، السلاح ضد الدولة في عام 1984. وفي العام الماضي، دعا زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان إلى حل الحزب، ووافق الحزب على ذلك بعد ثلاثة أشهر.
وخلال احتجاجات أنقرة، انتقد رئيس جمعية المحاربين القدامى وعائلات أفراد قوات الأمن الذين قتلوا في النزاع الخطوة البرلمانية ووصفوها بأنها “عفو” عن حزب العمال الكردستاني.
وقال رئيس الجمعية، إردم جرجي أوغلو “إنه عارٌ كبير على الجمهورية التركية. بصفتنا عائلات شهداء ومحاربين قدامى، لن نقبل بهذا أبدا. هؤلاء قتلة أطفال، أناس غلاظ القلب لا يفقهون شيئا عن الإنسانية”.
وسعى حزب العمال الكردستاني في البداية إلى إقامة دولة كردية مستقلة في جنوب شرق تركيا، لكنه حول تركيزه في وقت لاحق على السعي إلى الحكم الذاتي ونيل الحقوق السياسية الكردية.
* من الصعب على المجتمع استيعاب الأمر
قال أيدين إردم، المدير العام لشركة كوندا للأبحاث والاستشارات التي تتخذ من اسطنبول مقرا لها، إن إقناع المجتمع بأن السلام قادم كان عملية صعبة بالنسبة لجميع الأطراف المعنية.
وقال لرويترز “من الصعب على المجتمع استيعاب ذلك لأن جميع أعضاء حزب العمال الكردستاني وُصموا بأنهم قتلة للأطفال على مدى العقود الثلاثة الماضية”.
وأضاف “من جهة أخرى، يصعب على المجتمع الكردي استيعاب الأمر لأنهم لم يعودوا يثقون بحزب العدالة والتنمية (بزعامة أردوغان) وبالدولة نفسها.”
ورحبت خديجة يشار، التي انضم ابناها إلى حزب العمال الكردستاني ولم يعودا أبدا، باحتمال السلام، لكنها أبدت شكوكها.
وقالت “نريد السلام في التو واللحظة، لكن يجب أن يكون سلاما مشرفا. نثق بالمقاتلين، لكننا لا نثق بالدولة لأنها خدعتنا لأكثر من مئة عام”.
لا يتطرق القانون الجديد للمطالب الكردية الأوسع نطاقا بمزيد من الحقوق السياسية والثقافية، أو التغييرات في تشريعات مكافحة الإرهاب، أو وضع أوجلان، المسجون في جزيرة إمرالي، في بحر مرمرة جنوبي إسطنبول، منذ عام 1999.
قال أحمد بويوكبورج، الذي قُتل شقيقه الأصغر جنديا في النزاع، في ديار بكر إنه لا يعارض دمج مقاتلي حزب العمال الكردستاني، طالما أنهم نادمون.
وأضاف “إذا أدرك الناس أخطاءهم بصدق وعملوا من أجل مصلحة المجتمع والوطن، فإن إعادة الدمج يمكن أن تنجح. أما إذا لم تكن هناك نية صادقة، فسوف تفشل”.
(إعداد طه محمد للنشرة العربية – تحرير مروة سلام)