تقرير خاص-من إيران إلى ميانمار.. مسار خفي للوقود يغذي الغارات الجوية للمجلس العسكري
من جافين فينش وديفجيوت غوشال
لندن 26 يناير كانون الثاني (رويترز) – أُلقيت أول قنبلة تستهدف قرية فانها النائية في غرب ميانمار من طائرة حربية تابعة للمجلس العسكري الحاكم فأصابت المدرسة الوحيدة في القرية الواقعة قرب خط المواجهة في الحرب الأهلية الدائرة في البلاد، وبعد دقائق جاءت قنبلة ثانية من طائرة مسيرة.
في ذلك اليوم الموافق 13 أكتوبر تشرين الأول 2025، كانت ناقلة إيرانية تشق طريقها عائدة من ميانمار بعدما أفرغت أكثر من 16 ألف طن من وقود الطائرات، تحت غطاء من التشويش الإلكتروني، وهي كمية تكفي لتنفيذ آلاف الطلعات لمقاتلات حربية.
خلص تحقيق لرويترز إلى أن شحنات إيرانية غير مشروعة من وقود الطائرات مكنت المجلس العسكري الحاكم في ميانمار من تنفيذ حملة قصف واسعة النطاق استهدفت أكثر من ألف موقع مدني على مدى 15 شهرا. كما أرسلت إيران شحنات من اليوريا وهي مكون رئيسي في الذخائر التي يستخدمها المجلس العسكري بما في ذلك قنابل أسقطتها طائرات مسيرة وشراعية.
وفي المجمل، أسهمت الشحنات الإيرانية لجيش ميانمار في تغيير ميزان الصراع المستمر منذ خمسة أعوام بين المجلس العسكري الحاكم ومجموعة من الجماعات المسلحة المتمردة التي لا تملك قوات جوية تقليدية أو مخزونا من الأسلحة يضاهي قوة القنابل والصواريخ التي تطلقها المقاتلات. أما بالنسبة لحكومة إيران التي تحاصرها المشكلات، فقد جلبت هذه التجارة إيرادات جديدة ونفوذا إضافيا مع تشديد العقوبات المفروضة عليها وتراجع نفوذ حلفائها القدامى.
وبينما كانت الطائرة الحربية تحلق فوق فانها وتقصف المدرسة، كانت القوات الجوية في ميانمار قد تلقت بالفعل كميات ضخمة من وقود الطائرات الإيراني. وقال أحد المصابين الذي كان في ساحة المدرسة ومنظمة تشين هيومن رايتس التي توثق هجمات المجلس العسكري في المنطقة، إن القصف أسفر عن مقتل تلميذين وإصابة 22 شخصا.
وقال الرجل المصاب إن أغلب الأطفال كانوا في الخارج ينظفون فناء المدرسة وقت القصف وإلا لكانت الخسائر أكبر بكثير. والتلميذان اللذان سقطا في قرية فانها من بين ما لا يقل عن 1728 مدنيا قتلوا في ضربات جوية حكومية منذ بدأت الشحنات الإيرانية في الوصول وذلك وفقا لبيانات جمعتها منظمة (بورما نيوز إنترناشونال-ميانمار بيس مونيتور) التي تتابع تطورات هذا الصراع.
وتظهر وثائق شحن راجعتها رويترز وصور الأقمار الصناعية وتحليلات شركة سين ماكس إنتيليجينس الأمريكية أن إيران سلمت في الفترة من أكتوبر تشرين الأول 2024 وحتى ديسمبر كانون الأول 2025 كمية بلغت 175 ألف طن من وقود الطائرات للمجلس العسكري الحاكم في ميانمار في تسع شحنات على متن السفينتين ريف والسفينة الأكبر نوبل.
تظهر الوثائق وبيانات شحن أخرى أن السفينتين اللتين أبحرتا من إيران كانتا المورد الرئيسي لوقود الطائرات إلى ميانمار منذ بدء عمليات التسليم. ووجدت رويترز أن الزيادة الكبيرة في الواردات الإيرانية شملت أيضا مئات الآلاف من أطنان اليوريا. وقال جنديان انشقا عن الجيش إن المجلس العسكري يستخدم هذه المادة البتروكيماوية -التي تدخل عادة في تصنيع الأسمدة- في إنتاج الذخائر.
وجرى توثيق الحملة الجوية المكثفة للمجلس العسكري في ميانمار على نطاق واسع، لكن دور إيران المحوري في تزويده بالوقود واليوريا لم ترد عنه تقارير من قبل.
وتشكل هذه الشحنات، التي تتم بالتحايل على العقوبات الغربية المفروضة على كل من إيران وميانمار، دعما تحتاج إليه بشدة الحكومتان القمعيتان وسط مواجهتهما لاضطرابات ومشكلات حادة.
ودعا توم آندروز المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في ميانمار، في تعقيبه على نتائج تحقيق رويترز بشأن الشحنات الإيرانية لميانمار، إلى محاسبة الحكومة الإيرانية على ما يقوم به “عملاؤها الجدد”.
وقال “هذا الوقود الذي ترسله إيران يغذي حرفيا (ارتكاب) فظائع جماعية… تصاعدت الهجمات على الأهداف المدنية. هذا أمر مروع وغير مقبول. من المهم الكشف عمن يجعلون ذلك ممكنا”.
وأحجمت بعثة إيران في الأمم المتحدة عن التعقيب ولم تستجب حكومة ميانمار لطلب للحصول على تعليق. ولم يتمكن المراسلون من الوصول إلى الجهات المالكة للسفينتين ريف ونوبل وعنوان البريد الإلكتروني المدرج للتواصل ليس صحيحا.
* سحق التمرد
قمعت المؤسسة الدينية الحاكمة في إيران في الآونة الأخيرة مظاهرات مناهضة للحكومة شكلت أحد أكبر التهديدات للجمهورية الإسلامية منذ 1979. وهي تعاني من تداعيات الهجمات الأمريكية والإسرائيلية العام الماضي ومن انهيار العملة وفي أمس الحاجة للأموال بسبب العقوبات المفروضة منذ سنوات طويلة على طهران.
أما في ميانمار، فتحاول الدكتاتورية العسكرية أيضا إخماد تمرد اندلع عقب الانقلاب الذي نفذه المجلس العسكري في 2021. وساعد الوقود في دعمها في مرحلة حاسمة. فتنفذ الطائرات الحربية، وعددها نحو مئة ومن بينها مقاتلات جيه.إف-17 الصينية وميج-29 وسوخوي-30 الروسية، عددا أكبر بكثير من الغارات منذ ازدهار تجارة الوقود. وتتزايد في المقابل الصعوبات التي تواجه المتمردين هناك في سبيل الاحتفاظ بالسيطرة على مناطق في ظل هيمنة المجلس العسكري على الأجواء.
وبدأت السفينتان ريف ونوبل، وهما خاضعتان لعقوبات أمريكية منذ 2024، في قطع الرحلة التي تبلغ 5500 كيلومتر تقريبا من إيران إلى ميانمار في أكتوبر تشرين الأول من ذلك العام، وتلاعبت السفينتان بخط سير رحلاتهما عبر تغيير بيانات نظام التتبع لإظهار مسارات مزيفة وهو أسلوب شائع بين سفن الشحن وناقلات النفط التي تحمل شحنات غير مشروعة.
ومنذ تلك الشحنة الأولى وحتى 31 ديسمبر كانون الأول، تشير بيانات (ميانمار بيس مونيتور) إلى أن الجيش نفذ 1022 ضربة جوية على أهداف مدنية، وهو ما يزيد على مثلي عدد الغارات خلال فترة الخمسة عشر شهرا السابقة. ولم يتسن لرويترز التحقق بشكل مستقل من عدد الغارات الجوية أو القتلى والمصابين في صفوف المدنيين.
يعيش سكان فانها البالغ عددهم نحو 260 شخصا في محيط 500 متر تقريبا حول المدرسة وعندما وقعت الغارة الجوية هزت بيوتهم. وأظهر مقطع فيديو تحققت منه رويترز أشخاصا يفرون عندما دوى الانفجار الثاني الذي سببته الطائرة المسيرة.
تقع القرية المحاطة بجبال تكسوها الغابات في ولاية تشين الفقيرة في غرب ميانمار على الحدود مع الهند، حيث يسعى المجلس العسكري إلى استعادة السيطرة على مناطق من يد المتمردين. وقالت (تشين هيومن رايتس) إن مقاتلات الجيش قصفت مدرستين أخريين على بعد نحو 70 كيلومترا من فانها قبل نهاية العام.
تملك أغلب سكان القرية الرعب من الغارات الجوية مما دفعهم للمبيت في الغابات المحيطة والعودة منها لمنازلهم للضرورة فقط وفقا لما رواه الرجل الذي أصيب في ذلك اليوم، وقال “لماذا يهاجمون المدنيين الأبرياء والأطفال الصغار؟”
ولم تتمكن رويترز من التحقق من تزود الطائرة التي نفذت الغارة في فانها بوقود إيراني. لكن الوثائق وبيانات الشحن تظهر أن الوقود لم يكن يصل من أي جهة أخرى منذ ما يزيد على عام.
وجرى تتبع تحركات السفينتين الإيرانيتين باستخدام صور الأقمار الصناعية وتحليلات قدمتها سين ماكس. وأكدت البيانات التفاصيل الواردة في وثائق الشحن التي تضمنت اسمي السفينتين ومعلومات عن حمولتيهما والموانئ التي توقفتا بها وتواريخ الوصول والمغادرة.
وفرضت الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي وبريطانيا عقوبات على أفراد وشركات على صلة برصيف الميناء الذي أفرغت فيه السفينتان ريف ونوبل الشحنات قرب يانجون العاصمة التجارية لميانمار بسبب تزويد الجيش بوقود الطائرات.
وأكد محلل يتتبع عمليات الشحن الإيرانية أيضا وصول بعض شحنات وقود الطائرات. كما أكد مشروع (ميانمار ويتنس) التابع لمنظمة (سنتر فور إنفورميشن ريزيلينس) المعنية بكشف انتهاكات حقوق الإنسان بعض الزيارات التي نفذتها السفينتان ريف ونوبل لرصيف الميناء.
وأكدت أيضا بيانات تتبع السفن المتاحة للجمهور وسجلات هيئة موانئ ميانمار معلومات إضافية واردة في الوثائق والمستندات بما في ذلك شحنات اليوريا.
وجاءت زيادة الصادرات الإيرانية إلى ميانمار بعد سلسلة من القيود الغربية على تصدير مواد يمكن أن يستخدمها المجلس العسكري لقمع المدنيين. ورفعت تلك العقوبات مستوى المخاطر التي تواجه شركات توريد وتوزيع الوقود عند التعامل مع ميانمار مما دفع أغلبها إلى الانسحاب من البلاد.
وردا على أسئلة عن دور طهران في إمداد جيش ميانمار بالوقود، قالت وزارة الخزانة الأمريكية إن مسعى إيران لإيجاد أسواق جديدة مؤشر على أن ضغوط إدارة الرئيس دونالد ترامب الاقتصادية تؤتي ثمارها. وقال مسؤول بالوزارة “أرباح النظام من النفط تختنق”.
وأحجم مكتب الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي ووزارة الخارجية في كندا عن التعليق. وأشارت وزارة الخارجية البريطانية إلى أنها فرضت أكثر من 550 عقوبة على إيران بسبب برنامجها النووي وانتهاكات حقوق الإنسان بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى عقوبات مفروضة على 25 فردا و39 كيانا في ميانمار منذ الانقلاب.
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية “بريطانيا تندد بانتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها جيش ميانمار بما في ذلك الضربات الجوية على البنية التحتية المدنية”.
ولإيران تاريخ طويل من تقديم الدعم العسكري لحلفائها ومن بينهم بشار الأسد في سوريا، وجماعة حزب الله في لبنان، وحركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية (حماس) في قطاع غزة، ورئيس فنزويلا السابق نيكولاس مادورو.
ويقول محللون إن المبيعات لميانمار تأتي في إطار استراتيجية أوسع نطاقا تهدف لتعزيز نفوذ إيران من خلال توثيق العلاقات مع حكومات معزولة أخرى خاصة بعد الضربات القوية التي عانى منها الحلفاء القدامى منذ أواخر 2024.
فلم يعد الأسد ولا مادورو في السلطة وتواجه جماعة حزب الله وحركة حماس صعوبات جمة في التعافي من هزائم وانتكاسات عسكرية على يد إسرائيل.
كما تساهم تلك المبيعات في ضخ بعض الأموال في خزانة الدولة التي استنزفتها العقوبات والصراع مع إسرائيل. وتشير تقديرات استندت إلى بيانات من الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) إلى أن وقود الطائرات يباع بعلاوة 33 بالمئة فوق سعر خام برنت، مما يعني أن إيران ربما تمكنت من جني نحو 123 مليون دولار من الشحنات التسع بأسعار السوق الحالية.
* التلاعب بمواقع السفن
في 15 سبتمبر أيلول 2025 أرسل جهاز تحديد موقع السفينة ريف إشارات تظهرها قبالة الساحل الجنوبي للعراق قرب ميناء البصرة النفطي.
غير أن السفينة لم يكن لها أي أثر في صور الأقمار الصناعية للمنطقة في ذلك الوقت. وأظهرت صور الأقمار الصناعية من سين ماكس أن ريف كانت راسية بالفعل في ميناء بندر عباس الإيراني، تحمل وقودا على بعد ثمانية كيلومترات من مصفاة تنتج وقود الطائرات وتخضع لإشراف الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع النفط.
وأظهرت بيانات سين ماكس أنه في بعض الأحيان، أثناء التحميل، كانت جهاز تحديد الموقع يكشف بالخطأ مكانها الحقيقي قبل أن يعود إلى إرسال الموقع الوهمي.
وتشير وثائق العقوبات الأمريكية والأوروبية إلى أن الشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع النفط تتبع شركة النفط الوطنية الإيرانية، التي تسيطر على صادرات النفط في البلاد وتدر أموالا طائلة للحرس الثوري الإيراني.
وفي عام 2012، صنف مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية والمسؤول عن العقوبات شركة النفط الوطنية الإيرانية على أنها “وكيل أو جهة تابعة” للحرس الثوري. وتعد ريف جزءا من أسطول الظل الإيراني الذي يستخدم لنقل شحنات غير مشروعة سرا.
وذكر تقرير لرويترز عام 2024 أن أسطول الظل الإيراني يصدر نفطا بقيمة 50 مليار دولار سنويا إلى عملاء في الخارج، وهو أكبر مصدر للعملة الأجنبية للبلاد ورابطها الرئيسي بالاقتصاد العالمي.
يسيطر الحرس الثوري، وهو قوة نخبة عسكرية تهيمن على اقتصاد إيران غير المشروع وأجهزة الأمن الداخلي، على شبكات تهريب الوقود ومصالح تجارية أخرى تشكل شريان حياة للنخبة في البلاد.
لكن محللين وخبراء في مجال العقوبات قالوا إن الحرس الثوري أثار غضبا شعبيا واسعا بسبب قمعه العنيف للمعارضة واتهامات بالفساد وإحكام قبضته على الاقتصاد.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على سفينتي (ريف) و(نوبل) وشركة (سي روت شيب مانجمنت إف.زد.إي) المالكة لهما في عام 2024 بتهمة نقل منتجات بتروكيماوية إيرانية “عن علم”. وغيرت ريف اسمها والعلم الذي ترفعه ثلاث مرات في ثلاث سنوات، وهو أسلوب شائع لدى أساطيل الظل.
وأظهرت صور سين ماكس رسو السفينتين على رصيف ميان النفطي الذي كان يعرف من قبل باسم (بوما) على مشارف يانجون. وفي موقع إلكتروني مؤرشف، قال مالك سابق للرصيف إن المنشأة كانت تتعامل مع 100 بالمئة من واردات وقود الطائرات في ميانمار. وهو وقود سريع التلف ويتطلب تخزينا ونقلا بطرق معينة.
وصنفت حكومات غربية شبكة الشركات المرتبطة بالمنشأة، ومن بينها (ميان أويل) و(سوان إنرجي) و(شون إنرجي) و(آسيا صن جروب)، باعتبارها شركاء رئيسيين للمجلس العسكري في استيراد وقود الطائرات وتخزينه وتوزيعه. وفرضت عقوبات على هذه الشركات وشخصين مرتبطين بها، هما زاو مين تون ووين كياو كياو أونج، بسبب تزويد الجيش بهذا الوقود.
ولم يرد رصيف ميان النفطي أو شبكة الشركات والأفراد المرتبطين به على طلبات للتعليق. وكانت عناوين البريد الإلكتروني الخاصة بهم، والمدرجة في إشعارات العقوبات، غير صحيحة.
* التحول إلى جيش ميانمار
يسلط التحول نحو الإمدادات الإيرانية الضوء على تغيير جذري في العلاقات بين طهران وجيش ميانمار المعروف باسم (تاتماداو).
ففي عام 2017، وجه الرئيس الإيراني حينذاك حسن روحاني انتقادات حادة للتاتماداو بعدما ارتكب مجازر بحق الآلاف من أقلية الروهينجا، ومعظمها من المسلمين. ومع نزوح موجات من المدنييين الروهينجا إلى بنجلادش بعد هجوم جيش ميانمار، دعت حكومة روحاني الدول الإسلامية إلى العمل على إنهاء الأزمة.
وقال وزير الخارجية الإيراني آنذاك محمد جواد ظريف في سبتمبر أيلول من ذلك العام “ليس لدى المجتمع الدولي أي عذر يسمح باستمرار إبادة المسلمين الروهينجا أمام أعيننا”.
لكن تقاربا حدث بعدما أطاح التاتماداو في عام 2021 بالحكومة المدنية بقيادة أونج سان سو تشي الحائزة على جائزة نوبل للسلام. وقال مصدر أمني إقليمي يراقب تحركات المجلس العسكري إن وفدا حكوميا إيرانيا زار ميانمار سرا في يناير كانون الثاني 2022 للقاء أعضاء في الجيش. وكانت صحيفة آسيا تايمز أول من نشر الخبر.
وذكر المصدر الأمني، الذي طلب عدم نشر اسمه، أن الهدف من زيارة الوفد كان بيع أسلحة إيرانية، من بينها صواريخ موجهة ومعدات عسكرية أخرى. وأضاف أن الزيارة كانت مؤشرا على أن طهران حسمت موقفها لصالح دعم المجلس العسكري وتوسيع سوق صادراتها من الأسلحة في الوقت نفسه.
وقال داني سيترينوفيتش، وهو ضابط مخابرات إسرائيلي سابق يعمل حاليا باحثا في الشؤون الإيرانية بمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي “عندما يقتضي الأمر، يمكنهم إجراء التعديلات اللازمة”، في إشارة إلى توجه إيران نحو ميانمار.
وأضاف “يمكن تطويع الأيديولوجية عندما تكون هناك مصلحة استراتيجية. وميانمار بالتأكيد دولة تهمهم”.
وبالإضافة إلى زيادة إمدادات وقود الطائرات، أصبحت إيران خلال السنوات الثلاث الماضية مصدرا رئيسيا لليوريا في ميانمار، والتي يستخدمها المجلس العسكري في تصنيع المتفجرات. وقال ثلاثة محللين تجاريين يتابعون الواردات عن كثب إن الواردات الإيرانية زادت بشكل كبير. وذكر اثنان منهم أنها تتراوح بين 400 ألف و600 ألف طن سنويا.
وأظهرت بيانات هيئة الموانئ وصور الأقمار الصناعية أن سفينتين على الأقل تنقلان البضائع السائبة، هما (جولدن إي.إس) و(راشا)، نقلتا شحنات يوريا من إيران إلى ميانمار العام الماضي.
ووفقا لسين ماكس، تلاعبت السفينتان بأجهزة تحديد المواقع لإخفاء نقطة انطلاقهما، مثلما فعلت ريف ونوبل. وتشير كميات اليوريا التي تحدث عنها المحللون إلى عمليات تسليم متعددة، لكن رويترز لم تتمكن من تأكيد ما إذا كان هناك شحنات أخرى.
ولم ترد الشركتان المالكتان للسفينتين جولدن إي.إس وراشا على طلبات للتعليق.
وقال الميجور نونج يو الذي أعلن انشقاقه عن جيش ميانمار عام 2021 لرفضه قتل المدنيين وانضم إلى المتمردين، إن اليوريا تذهب في النهاية إلى مصنعين للذخائر في وسط ميانمار وتستخدم في تصنيع أنواع متعددة من المتفجرات، من بينها القنابل التي تلقى من الطائرات المسيرة والشراعية. وأكد جندي آخر منشق استخدام اليوريا في الذخائر.
وبالتزامن مع توطيد العلاقات التجارية، كان هناك تعاون سياسي على مستوى رفيع بين ميانمار وإيران في الآونة الأخيرة.
واجتمع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مع رئيس وزراء ميانمار نيو ساو في ديسمبر كانون الأول 2025 على هامش قمة عقدت في تركمانستان. وجاء في بيان أصدرته إيران عن الاجتماع أن نيو ساو أكد رغبته في توسيع التعاون في مجال استيراد النفط وتقنيات استخراجه.
ودُعيت إيران أيضا لإرسال مراقبين للانتخابات العامة التي ستجرى على مراحل في ميانمار وبدأت في 28 ديسمبر كانون الأول 2025. وقالت المعارضة والأمم المتحدة والعديد من المراقبين الدوليين إن تلك الانتخابات لم تكن حرة أو نزيهة، أما المجلس العسكري فقال إن الانتخابات كانت ناجحة وحظيت بإقبال واسع.
* تدمير مستشفى
استمر جيش ميانمار في قصف مناطق مدنية جوا رغم اقتراب موعد الانتخابات.
وكان عامل الإغاثة واي هون أونج بمنزله في وقت متأخر من مساء العاشر من ديسمبر كانون الأول عندما سمع صوت طائرة تحلق فوقه. وبعد لحظات، هز انفجار هائل منزله في بلدة مروك-يو بولاية راخين الساحلية على الحدود مع بنجلادش حيث يخوض الجيش معارك ضارية مع جماعة جيش أراكان المتمردة.
وقال واي هون أونج “شعرت بالفزع. أدركت على الفور أن غارة جوية تستهدفنا”.
ولم يدرك حجم الدمار إلا مع بزوغ الفجر عندما وصل على دراجته النارية إلى المستشفى الرئيسي في البلدة.
وأضاف أن أقارب المرضى هرعوا إلى المستشفى بحثا عن ناجين تحت الأنقاض. وأفادت رويترز بأن ما لا يقل عن 30 شخصا قتلوا وأصيب أكثر من 70 آخرين. وكان ذلك الهجوم من أعنف الغارات الجوية في الحرب الأهلية.
ووفقا لوثائق وصور أقمار صناعية، سلمت السفينة ريف شحنة سرية أخرى إلى ميانمار وقامت بتفريغ 15 ألف طن تقريبا من وقود الطائرات قبل ذلك بأيام قليلة. وتلاعب طاقم السفينة بموقعها، كما كان يحدث في الرحلات السابقة، ليظهر أنها كانت تبحر من ميناء البصرة النفطي في العراق إلى تشيتاجونج في بنجلادش.
وقال مسؤول في هيئة ميناء تشيتاجونج إنه لم يكن على علم بعملية التلاعب بالإشارات. ولم ترد الحكومة العراقية على طلبات للتعليق.
وقال عامل الإغاثة إنه عثر، في ذلك الصباح وهو يشق طريقه بين الأنقاض، على جثث وأطراف مبتورة متناثرة في ما كان أجنحة وغرف عمليات بمستشفى يضم 300 سرير.
وأردف يقول لرويترز في مجموعة رسائل صوتية “شعرت وكأنها نهاية العالم… أصوات بكاء في الخارج، ومشهد للجثث في الداخل”.
وتحول المستشفى في مروك-يو إلى أنقاض، لكن ناقلات الوقود التي تسببت في هذا الدمار لا تزال تبحر.
في أواخر يناير كانون الثاني، ومع قمع الاحتجاجات الإيرانية،أظهرت بيانات سين ماكس أن السفينة نوبل أرسلت مجددا إشارات تظهر أنها ترسو قبالة الطرف الجنوبي للعراق بينما كانت في الواقع قريبة من ميناء بندر عباس الإيراني بانتظار الإبحار. أما السفينة ريف، فقد تم تحميلها وكانت في طريق عودتها إلى يانجون.
(إعداد سلمى نجم ونهى زكريا للنشرة العربية – تحرير سها جادو)