Navigation

مراكز الأبحاث الفرنسية والأمريكية تنتشر في المغرب العربي

تهتم مراكز الدراسات الغربية العاملة في بلدان المغرب العربي بالتفاعلات القائمة بين تاريخ المنطقة وحاضرها ومستقبلها (في الصورة: بيت في مدينة فاس القديمة)

وسط تحفّـظات بعض النّـخب المحلية، بدأت مراكز الدراسات الغربية تنتشر في المغرب العربي واستقطبت في السنوات الأخيرة، فئات متزايدة من النخب الجامعية والأكاديمية.

هذا المحتوى تم نشره يوم 23 أكتوبر 2007 - 23:00 يوليو,

وإلى جانب المراكز الثقافية التابعة للبعثات الدبلوماسية والتي تعمل على نشر لغات بلادها وثقافتها في المنطقة، على غِـرار المراكز الإسبانية والإيطالية والبريطانية والفرنسية والروسية والأمريكية والإيرانية، ظهرت منذ الثمانينات فروع محلية لمراكز أبحاث فرنسية وأمريكية استطاعت أن تُدمج أكاديميين مغاربيين في أعمالها.

باتت المراكز الأجنبية تدعو كثيرا من الباحثين وأساتذة الجامعات المغاربيين إلى أداء زيارات علمية إلى كل من فرنسا والولايات المتحدة، فيما دأبت على استضافة باحثين شبانا أو أساتذة جامعات فرنسيين وأمريكيين إلى البلدان المغاربية لإجراء تحقيقات ميدانية أو لقضاء فترة تقصٍّ وبحث في المكتبات ومراكز التوثيق المحلية.

ويمكن القول أن "المركز الأمريكي للدراسات المغاربية" (CEMAT)، الذي أنشئ في تونس سنة 1985 بوصفه فرعا لـ "المعهد الأمريكي للدراسات المغاربية" (AIMS (American Institute for Maghrib Studies)، هو أقدم مركز من هذا النوع، أبصر النور واستطاع إشراك باحثين محليين في أعماله.

وقد كان من أوائل المؤسسات الأكاديمية التي انتبهت لظاهرة انتشار الإسلام السياسي في المنطقة منذ ثمانينات القرن الماضي، وسعت لفهم خلفياتها ومساراته المستقبلية، انطلاقا من الرؤية الأمريكية للمنطقة المختلفة عن الرؤية الأوروبية.

على تخوم عالمين

يقع المركز في قلب العاصمة التونسية غير بعيد عن "باب البحر" الرابط بين المدينة التاريخية والمدينة الحديثة، ويُقبل على مكتبته الغنية بالمراجع، وخاصة باللغة الإنجليزية، عدد كبير من الباحثين التونسيين، ولاسيما الطلاب الذين يُعِـدون رسائل جامعية، كما يستضيف سنويا أساتذة أمريكيين أو طلابا يأتون في إطار إعداد أبحاثهم الأكاديمية، ويساعدهم على إنجاز مهامهم بواسطة تأمين الإتصالات مع الباحثين ومراكز الأبحاث والجامعات المحلية وحل مشاكل الإقامة.

وهناك صنفان من زيارات العمل، الأول يخُـص الزيارات القصيرة، والثاني، يتعلق بزيارات دراسية تستمرّ من ثلاثة إلى تسعة أشهر، أما بالنسبة للباحثين المحليين، فيشتغل المركز ضمن رُؤية اقليمية، إذ يستقطب أكاديميين من البلدان الخمسة ويعمل على إشراكهم في نشاطاته ويمكِّـنهم من الإطِّـلاع على مُـحتويات مكتبته المتخصصة في الشؤون المغاربية، وكذلك الوصول إلى محتويات المكتبات الأمريكية.

ويُنظم المركز أيضا ندوات سنوية وموائد مُـستديرة، ويطلب من زواره إلقاء محاضرات في مجالات تخصصهم، كما أقام علاقات شراكة مع "مركز الدراسات والأبحاث الإقتصادية والإجتماعية"، التابع للجامعة التونسية، ونفَّـذا معا برامج دراسية مشتركة.

غير أن دائرة تأثيره ظلّـت محدودة، على رغم سنوات وجوده الطويلة، وحتى الباحثين الذين تعاطَـوا معه، يعتبرون أن العلاقات معه غير مستقرة. وقال الباحث الإقتصادي الدكتور عزام محجوب لسويس أنفو، إنه لم يُدْع لحضور ندوات أو محاضرات في المركز منذ فترة طويلة، وأنه لا يلاحظ إشعاعا له في الأوساط الأكاديمية المحلية.

وعلى خُـطى "سيمات" (مثلما يدعوه الجامعيون التونسيون)، أنشِـئ في المغرب الأقصى مركز ثقافي أوسع يجمع بين الدراسات الأكاديمية والعمل المتحفي والفنون. وقصة هذا المركز، الذي يقع في قلب مدينة طنجة، طريفة، لأنها تختزل العلاقات المغربية الأمريكية.

كانت البناية، التي تضُـم اليوم مكاتب "متحف المفوضية الأمريكية في طنجة"، مركزا للبعثة الدبلوماسية الأمريكية لدى المغرب طيلة أكثر من قرنين، ولم تنتقل منها إلى العاصمة الرباط، إلا بعد استقلال البلد سنة 1956.

وأصبحت البناية بعد ذلك، وعلى مدى ثمان سنوات، مقرا لمدرسة تُعلِّـم الدبلوماسيين الأمريكيين اللّـغة العربية، قبل أن تُـؤوي مركزا لتدريب المتطوّعين في "فيالق السِّـلم"، لكنها أقفِـلت في سنة 1976.

بعد ذلك، بادر باحثون أمريكيون بتجديدها وجعلوها مقرا لـ "جمعية متحف المفوضية الأمريكية في طنجة"، وهي اليوم في مثابة فرع للمعهد الأمريكي للدراسات المغاربية.

وتنظم الجمعية ندوات أكاديمية سنوية، وشارك في الندوة التي أقيمت السنة الماضية، الباحث المعروف والرئيس السابق للمعهد ويليام زارتمان ونائب وزير الخارجية الأمريكي السابق توماس بيكرينغ.

كما أقامت أخيرا مؤتمرا دوليا عن عالم الإجتماع ابن خلدون، شارك فيه ثلاثون باحثا من الولايات المتحدة والمغرب العربي. ومن دلائل الإهتمام بندوات الجمعية، أن السفير الأمريكي لدى المغرب توماس ريلاي يحضر قسما منها، كما ترعى الجمعية أبحاثا عن المنطقة وتُـقدّم المساعدة للباحثين الجامعيين والطلاّب الأمريكيين، الذين يأتون إلى المغرب، وللمغاربة الذين يسافرون إلى أمريكا.

واستفادت الجمعية من وجود "المدرسة الأمريكية بطنجة" (AST) في المدينة، لكي تؤمِّـن نشاطات فنية وموسيقية مشتركة معها، على نحو يجعل إقامة الباحثين الوافدين إلى المدينة ممتعة.

... ومركز في الجزائر

ويبدو أن نجاح التجربتين في تونس وطنجة حفّـز الأمريكيين على إنشاء مركز ثالث في الجزائر، انطلق نشاطه عمليا في العام الجاري وأطلِـق عليه اسم "مركز الدراسات المغاربية بالجزائر" (CEMA)، وتكاد مهام المركز تكون نُـسخة طِـبق الأصل من مشمولات المركزين السابقين، على صعيد التعاطي مع الباحثين الأمريكيين المهتمين بالمنطقة أو الباحثين المحليين الراغبين في الإرتباط بالمراكز والجامعات الأمريكية، غير أنه يمتاز عليها بأنه يمكِّـن هؤلاء الباحثين من الوصول إلى مكتبة رقمية في الولايات المتحدة، تضم قاعدة معلومات خصبة عن المنطقة.

وبدا المركز اليافع أكثر نشاطا من زميليه الكبيرين، إذ أقام في الربيع الماضي ندوة دولية ذات طابع تاريخي في الجزائر العاصمة بمشاركة أربعين باحثا من الولايات المتحدة والبلدان المغاربية. ولوحظ أن السفير الأمريكي لدى الجزائر حرص على حضور جميع جلسات المؤتمر، رغم أنها تناولت جوانب مختلفة من تأثير العثمانيين في المغرب العربي.

وقال المؤرخ التونسي ناجي جلول، الذي قدم ورقة إلى المؤتمر، إن من فوائد مثل تلك اللقاءات، أنها تسمح للباحثين المغاربيين بالإطلاع على أعمال بعضهم البعض وإقامة حوار أكاديمي بينهم.

كما للمركز منشورات مختلفة تضُـم أساسا أعمال الندوات التي يقيمها، وهي تتراوح بين الآثار والتاريخ والسينما والأدب والأنظمة السياسية والصّراع على الماء في شمال إفريقيا والفنون التشكيلية في منطقة القبائل والتأثيرات العثمانية في الهندسة المعمارية المحلية والنماذج الهندسية للكنائس الفرنسية في الجزائر...

مراكز فرنسية

واللافت، أن الفرنسيين (الذين استعمروا كلا من الجزائر وتونس والمغرب لعشرات السنين) قد اقتفوا آثار الأمريكيين على صعيد زرع مراكز أبحاث متخصِّـصة في المنطقة المغاربية ولم يكونوا هم السباقين، ربما بسبب القرب الجغرافي وكثافة العلاقات مع المستعمِـر السابق والروابط التي تجمع النّـخب المحلية بجامعاته ومراكز دراساته. وهناك حاليا مركزان فرنسيان للأبحاث، أحدهما في المغرب والثاني في تونس.

في هذا السياق، تأسس "مركز جاك بيرك لتطوير العلوم الإنسانية والإجتماعية بالمغرب" في سنة 1991، وهو مرتبط عضويا بالمركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي وبوزارة الخارجية، وتدير نشاطاته هيئة مشتركة بين المركز الوطني الفرنسي والوزارة، مما يؤكد طابعه الرسمي.

وتتوزع هذه النشاطات على واجهات أربع، هي التوثيق من خلال مركز معلومات مفتوح للباحثين وطُلاب الدكتورا فقط، وتقديم المساعدة الفنية للفرنسيين الحاصلين على مِـنح دراسية أو الباحثين الذين يعدّون رسائل دكتورا عن المنطقة المغاربية.

أما المجال الثالث، فهو تنسيق برامج الأبحاث مع أكاديميين من جامعات أوروبية ومغاربية وباحثين يعملون مع مراكز مماثلة في تلك البلدان. ويتمثل المجال الرابع، في التشجيع على إعداد أبحاث في نطاق برامجه أو في إطار مراكز فرنسية أو مغربية أخرى والعمل على نشرها لاحقا.

وتتشابه مهام مركز جاك بيرك مع مشمولات "معهد الأبحاث المغاربية" في تونس (IRMC)، الذي أنشئ في السنة نفسها التي تأسس فيها "مركز الدراسات المغاربية" الأمريكي (1985)، لكنه كان يُسمّـى "مركز التوثيق عن تونس والمغرب العربي" (Centre de documentation Tunisie Maghreb) ويتبع مباشرة السفارة الفرنسية في تونس.

وأقام "مركز التوثيق" في السنوات الخمس الأولى من وجوده، نحو 150 محاضرة في تخصّصات مختلفة، وبدأ يهتم منذ تلك الفترة بقضايا الهجرة إلى أوروبا، لكن من الواضح أنه جُـزء من أدوات البحث الفرنسية التي تسعى للإقتراب أكثر من المنطقة، مستعينة بالكفاءات المحلية.

ويشير القانون الأساسي للمركز إلى أنه يساهم في تجديد البحث العلمي من خلال تيسير إقامة طويلة لباحثين فرنسيين في بلدان شمال إفريقيا، كما يشير إلى أنه يعمل على تجاوز الرؤية الإستشراقية التقليدية لإرساء مدرسية بحثية حديثة.

ويشكِّـل المركز أول حاضنة لدراسات جماعية يتولاّها باحثون حاصلون على الدكتورا في العلوم الإنسانية والإجتماعية، بُـغية الوصول إلى فهمٍ أفضل لتعقيدات المنطقة، وهو يرمي في هذا الإطار، إلى بعث جيل من الباحثين يعرف المنطقة عن كَـثب، وليس عبر الكُـتب والوثائق.

ومن أهدافه الرئيسية، العمل في إطار اقليمي، إذ أن قوس اهتماماته يشمل كامل شمال إفريقيا ولا يقتصر على بلد الإقامة (تونس)، لكن الملاحظ أن دائرة عمله الفعلية مقتصرة على تونس وليبيا والجزائر، ربما باعتبار المغرب وموريتانيا من مشمولات مركز جاك بيرك، كما أنه يسعى لربط كوكبة من الباحثين المحليين بأعماله وبرامجه، وقد أدمج حتى الآن، ستة باحثين تونسيين، ويأخذ عليه بعض الأكاديميين المحليين، أن أعماله تخضع لأجندة مُعدّة سلفا لا تستجيب دائما لحاجات الباحثين في البلدان المعنية.

مؤاخذات

وقال الدكتور عزام محجوب، إن الهيئات المُشرفة على غالبية هذه المراكز، لا تستأنس بآراء الجامعيين المحليين ولا تشركهم في وضع خططها وبرامج أبحاثها، غير أن الباحث الإجتماعي الدكتور مهدي مبروك لم يشاطر هذا الرأي وعدد مزايا كثيرة، قال إن هذه المراكز تحققها، من بينها الدور الذي تلعبه في ربط الصِّـلة بين الباحثين المغاربيين خلال الندوات والورشات العلمية التي تنظمها، وأشار إلى أن كثيرا منهم لا يعرفون بعضهم البعض أو هم في الأقل لا يطَّـلعون على أعمال بعضهم البعض، مما يجعل المؤتمرات والندوات فرصة لسدّ هذا النقص.

وأوضح أن هناك مواضيع مهمّـة ما كان يمكِـن أن تتم دراستها لولا المساعدة التي قدمها "مركز التوثيق عن تونس والمغرب العربي"، واستدل في هذا الخصوص بظاهرة الهجرة، وخاصة الهجرة غير السرية.

وإجمالا، يمكن القول إن هذه المراكز الأجنبية لا تستجيب للحاجات المحلية، وإنما هي تضبط برامج عملها ضِـمن أولويات المؤسسات الأكاديمية الغربية، المرتبطة بدورها بصنّـاع القرار في تلك البلدان، لكن هناك تقاطعات تحدُث في بعض الأحيان بين اهتمامات الجانبين، بسبب وجود قضايا مشتركة تفرض نفسها على الجميع، مثل ظاهرة الإسلام السياسي أو حركة الهجرة، مما يوفِّـر أرضية مشتركة للبحث، يستفيد منها الطرفان.

تونس – رشيد خشانة

تم جلب هذه المقالة تلقائيًا من الموقع القديم إلى الموقع الجديد. إذا واجهتك صعوبات في تصفحها أو عرضها، نرجو منك قبول اعتذارنا والإبلاغ عن المشكلة إلى العنوان التالي: community-feedback@swissinfo.ch

مشاركة

اكتب تعليقا

بفضل حساب خاص بك على SWI، تتاح لك إمكانية المساهمة بالتعليق والمشاركة في الحوار على موقعنا.

. تفضل بالدخول أو بالتسجيل هنا.