نظرة فاحصة-كيف أعادت الحكومة السورية رسم الخريطة من جديد بتقدمها ضد الأكراد
21 يناير كانون الثاني (رويترز) – سيطرت الحكومة السورية على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا بعدما انتزعتها من القوات الكردية، معززة بذلك حكم الرئيس أحمد الشرع بعد نحو 14 شهرا من الإطاحة ببشار الأسد.
أعاد هذا التحول السريع في مجريات الأحداث كل سوريا تقريبا إلى سلطة الدولة في دمشق، بعد سنوات من الصراع الذي مزق البلاد، كما سلط الضوء على تحوّل السياسة الأمريكية .
* ما الأسباب وراء تقدم الجيش السوري في هذه المناطق؟
كانت التوترات تتصاعد بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد منذ أشهر.
وطالبت دمشق قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردية، بالاندماج الكامل في قوات الأمن ودمج الهيئات الحاكمة في المناطق التي يديرها الأكراد أيضا.
وقاومت القوات التي يقودها الأكراد ذلك، حيث كانت تسعى للحفاظ على الحكم الذاتي وتعبر عن مخاوفها من أن الإدارة التي يقودها الإسلاميون في دمشق تسعى للهيمنة على سوريا.
واندلع الصراع في الشهر الجاري، حيث استولت القوات الحكومية على مناطق يديرها الأكراد في حلب ثم تقدمت شرقا في الأسبوع الماضي، مما أجبر المقاتلين الأكراد على التراجع.
* إلى أي مدى تقدمت القوات الحكومية السورية؟
تقدمت القوات الحكومية في محافظات الرقة ودير الزور وأجزاء من محافظة الحسكة.
وتشمل هذه الأراضي أكبر حقول النفط في سوريا، وسدا كهرومائيا رئيسيا، ومناطق زراعية، وسجونا بها مسلحون من تنظيم الدولة الإسلامية، ومعسكرا يُحتجز فيه مدنيون مرتبطون بالتنظيم.
واستولت قوات سوريا الديمقراطية على معظم الأراضي من تنظيم الدولة الإسلامية عندما كانت الشريك الرئيسي للولايات المتحدة في محاربة التنظيم بسوريا. ويغلب العرب على المناطق التي تمت السيطرة عليها.
وقال مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية في تصريحات نشرت أمس الثلاثاء إن قواته تراجعت إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية.
وبموجب اتفاق لوقف إطلاق النار أُبرم في 20 كانون الثاني يناير، أمهلت الحكومة قوات سوريا الديمقراطية أربعة أيام لوضع خطة لدمج معاقلها المتبقية في الحسكة.
وفي حالة التوصل إلى اتفاق، لن تدخل القوات الحكومية إلى المدينتين المتبقيتين تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وهما مدينة الحسكة، عاصمة المحافظة المختلطة عرقيا والقامشلي ذات الأغلبية الكردية.
* ما هو موقف الولايات المتحدة؟
بالرغم من أن الجيش الأمريكي أقام علاقات وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية، لم تدعم واشنطن أبدا الهدف السياسي للقوات المتمثل في تأمين درجة عالية من الحكم الذاتي للشمال الشرقي.
وتعقدت سياسة الولايات المتحدة بسبب اعتراضات تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي، والتي تعتبر وحدات حماية الشعب امتدادا لحزب العمال الكردستاني المحظور وأرسلت قواتها إلى سوريا عدة مرات لمواجهة نفوذ هذه الوحدات.
ومع الإطاحة بالأسد، أقام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علاقات وثيقة مع الشرع ورفع العقوبات ورحب بانضمام سوريا إلى تحالف دولي مناهض لتنظيم الدولة الإسلامية.
وقال المبعوث الأمريكي توم براك أمس الثلاثاء إن الهدف الأصلي لقوات سوريا الديمقراطية قد انتهى إلى حد كبير، وإن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة على المدى الطويل في الاحتفاظ بوجود في سوريا.
ووصف براك عرض الاندماج في الدولة المركزية مع حقوق المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية بأنه “أعظم فرصة” متاحة أمام الأكراد.
كما بدا ترامب أمس الثلاثاء داعما للشرع، وقال إنه “يعمل بجد”، مضيفا أن واشنطن “تحاول أيضا حماية الأكراد”.
* ما الذي يمكن أن يحدث بعد ذلك في سوريا؟
مع انتشار القوات الحكومية بالقرب من المناطق المتبقية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، فإن المخاطر كبيرة.
قال نواه بونسي، كبير المحللين بمجموعة إدارة الأزمات الدولية، إن وقف إطلاق النار الأخير ترك الكثير للتفاوض، لا سيما فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في المناطق التي لا تزال تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وذلك في غضون أربعة أيام فقط.
وأضاف أن الخلاف الجوهري لا يزال قائما حول كيفية تطبيق ترتيبات الحكم المركزية أو اللامركزية في المناطق المتبقية تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
ومما يزيد الوضع تعقيدا أن الشرع، وهو قيادي سابق في تنظيم القاعدة، والجماعات الكردية الرئيسية في سوريا متباعدان فكريا.
وأوضح بونسي أن من مصلحة جميع الأطراف تجنب المزيد من الصراع.
وقال إن الجيش تجنب حتى الآن فيما يبدومستوى الانتهاكات ومخالفات قواعد الانضباط التي شهدها الساحل والسويداء، في إشارة إلى أعمال العنف التي وقعت العام الماضي والتي قتل فيها مقاتلون موالون للحكومة مئات من الأقلية الدرزية والعلوية.
* ما هي الأهمية بالنسبة لتركيا؟
أطلقت تركيا في أوائل عام 2025 عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني، بهدف إنهاء التمرد الذي يشنه الحزب ضد الدولة التركية منذ عام 1984.
وقال مسؤولون أتراك إن الأحداث الأخيرة في شمال سوريا من شأنها أن تعيد إحياء عملية السلام التي كانت قد توقفت إلى حد ما.
لكن أي تصعيد إضافي في سوريا قد ينطوي على مخاطر.
ووجه قادة أكراد سوريون نداءات للتعبئة، وهي دعوة من المرجح أن تلقى صدى واسعا بين الأكراد الذين يشكلون أعدادا كبيرة من السكان في تركيا والعراق وإيران.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اليوم الأربعاء إن القوات الكردية في شمال سوريا يجب أن تلقي السلاح وتحل نفسها الآن لتجنب المزيد من إراقة الدماء.
(إعداد أيمن سعد مسلم للنشرة العربية – تحرير حسن عمار )