تحليل-الحرب قد تقوي شوكة إيران وتترك دول الخليج في مواجهة العواقب
من سامية نخول
دبي 2 أبريل نيسان (رويترز) – إذا أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب مع إيران دون التوصل إلى اتفاق، فإنه يخاطر بجعل طهران تحكم قبضتها على إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، بينما تجد دول الخليج المنتجة للنفط والغاز نفسها في مواجهة تداعيات صراع لم يكن لها أي دور في إشعاله أو تشكيل مساره.
وبدلا من سحق حكام إيران الدينيين، قد يخرج هؤلاء أقوى مما كانوا عليه، بعد صمودهم لأسابيع أمام الهجمات الأمريكية‑الإسرائيلية، وقصفهم لدول الخليج العربية، وإرباكهم أسواق الطاقة العالمية عبر الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز.
وفي مقابلة أجرتها معه رويترز قبل خطاب مقرر للأمة أمس الأربعاء، قال ترامب إن الولايات المتحدة ستنهي حربها على إيران “بسرعة كبيرة” وألمح يوم الثلاثاء إلى أنه قد ينهي الحرب حتى دون اتفاق.
وفي الخطاب الذي ألقاه في وقت متأخر من مساء أمس الأربعاء بتوقيت الولايات المتحدة (الساعات الأولى من صباح اليوم الخميس بتوقيت جرينتش) توعد ترامب بتنفيذ ضربات أكثر قوة على إيران وقال إن واشنطن “على المسار الصحيح لإنجاز كل الأهداف العسكرية الأمريكية قريبا .. قريبا جدا”.
كما أشار ترامب أيضا إلى أن الحرب قد تتصاعد إذا لم يرضخ قادة إيران لشروط الولايات المتحدة خلال المفاوضات، مع إمكانية توجيه ضربات إلى البنية التحتية للطاقة والنفط في إيران.
وبالنسبة لدول الخليج، فإن إنهاء الحرب دون ضمانات واضحة لما سيحدث لاحقا ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ سيترك المنطقة في مواجهة تبعات حرب تصب نتائجها في مصلحة إيران.
وقال محمد باهرون مدير مركز دبي لبحوث السياسات العامة (بحوث) “المشكلة هي إنهاء الحرب دون نتيجة حقيقية… قد يوقف (ترامب) الحرب، لكن هذا لا يعني أن إيران ستفعل ذلك”.
وأضاف أن طهران ستواصل تهديد المنطقة طالما بقيت القوات الأمريكية متمركزة في قواعدها بالخليج.
ويتمثل جوهر مخاوف دول الخليج في احتمال خروج إيران من الحرب دون هزيمة، وبنفوذ أكبر يتيح لها تهديد ممرات الملاحة وتدفقات الطاقة والاستقرار الإقليمي، في حين تتحمل دول الخليج التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية لصراع لم يُحسم.
وقال باهرون إن تقويض حرية الملاحة في المنطقة سيكون مبعث قلق كبير للخليج.
وأضاف أن إيران قد تبدأ في “استغلال ورقة المياه الإقليمية” وفرض قواعدها في مضيق هرمز الذي يعد شريانا حيويا لإمدادات الطاقة العالمية.
وتابع “الأمر يتجاوز هرمز… وضعت إيران يدها على نقطة ضغط في الاقتصاد العالمي”.
وأضاف أن قدرة طهران على تعطيل تدفقات الطاقة توجه رسالة واضحة مفادها أن أي طرف يفكر في شن هجمات مستقبلية على إيران يجب أن يعيد النظر مليا.
ويساعد هذا المنطق في تفسير سبب تجنب دول الخليج الانجرار إلى الحرب.
ويقول مسؤولون في المنطقة إن شاغلهم الأكبر هو منع تحول الحرب، التي بدأت بحملة أمريكية إسرائيلية على إيران، إلى شيء أخطر بكثير، وهو مواجهة بين السنة والشيعة تعيد تشكيل الشرق الأوسط لعقود قادمة.
* “خطأ جوهري في التقدير”
تفاقم خطر التصعيد بسبب ما يصفه محللون سياسيون بأنه خطأ جوهري في تقديرات الولايات المتحدة وإسرائيل لكيفية رد إيران على الهجمات غير المسبوقة التي استهدفت قيادتها.
وأدى مقتل الزعيم الإيراني الأعلى آية الله علي خامنئي في بداية الحرب، والذي كان يقصد به توجيه ضربة قاضية، إلى إعادة كتابة قواعد الاشتباك. فقد خلفه ابنه مجتبى خامنئي، وتحول ما كان يفترض أن يطيح بالنظام إلى استفزاز بالنسبة لحكام إيران يستدعي المقاومة والثأر.
وذكر فواز جرجس، الباحث في شؤون الشرق الأوسط “بضربة واحدة، حول ترامب و(رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو صراعا جيوسياسيا إلى صراع ديني وحضاري… لقد رفعا خامنئي من حاكم مثير للجدل إلى مرتبة شهيد”.
ويرى محللون في المنطقة أن مقتل علي خامنئي عزز شرعية النزعات المتشددة داخل القيادة الدينية، وجمع المؤسسة الدينية والحرس الثوري حول سردية المقاومة الوجودية التي يكون فيها الاستسلام أمرا مستحيلا والصمود واجبا دينيا.
ويقولون إن الافتراض بأن الإطاحة بكبار القادة ستؤدي إلى انهيار النظام تجاهل طبيعة المؤسسات الإيرانية المتداخلة وهياكل السلطة المتوازية وسجلها الطويل من الصمود، من حرب دامت ثماني سنوات مع العراق إلى العقوبات الأمريكية المستمرة منذ عقود.
ويرى المحللون أن النتيجة ليست الاستسلام بل المزيد من المواقف المتشددة، إذ باتت إيران أكثر غضبا وتحديا، أما المنطقة فستترك لتتحمل تداعيات ذلك.
وقال أليكس فاتانكا خبير الشؤون الإيرانية في معهد الشرق الأوسط “خامنئي كان آية الله، وهذا أمر لا يُقدم عليه أحد، بالتأكيد لا تقدم قوة أجنبية على قتل أحد آيات الله… لكن هذا هو ترامب… رجل بلا مكابح، وبالنسبة للمؤسسة الدينية الشيعية… فقد تجاوز كل الأعراف والتقاليد”.
* سلاح إيران النفطي
قال ماجنوس رانستورب الخبير في شؤون الإرهاب إن صانعي القرار في الولايات المتحدة وإسرائيل لم يدخلوا الحرب وهم غافلون عن القوة الأيديولوجية لإيران لكن يبدو أنهم استخفوا بقدرتها على الصمود.
وأضاف أن التصور كان أن السيطرة الجوية، التي تتحقق من خلال تدمير منصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة وقتل كبار الشخصيات، ستوفر حرية الحركة والاحتواء الاستراتيجي. لكن ما حدث هو أن النظام الإيراني ازداد تماسكا بدلا من أن يتفكك، ويرجع ذلك جزئيا إلى ارتكاز النظام على هياكل وأجهزة تعمل إلى جانب المؤسسات الرسمية للدولةتمكنه من التماسك وإعادة ترتيب صفوفه في مواجهة الأزمات.
ويقول محللون سياسيون في المنطقة إن واشنطن أخطأت أيضا في تقدير قدرة إيران على الرد غير المتكافئ.
ويضيفون أن طهران لا تحتاج إلى الانتصار في الحرب الجوية لكن هدفها فرض كلفة مؤلمة لها. وعلى مدى عقود استثمرت إيران في تحديد نقاط الضغط بدلا من مواجهة القوة بالقوة، وصارت تعتبر أصول الطاقة ومضيق هرمز ركيزتين أساسيتين في استراتيجيتها.
ومن خلال قصف البنية التحتية للطاقة وتهديد مضيق هرمز، دفعت إيران أسعار النفط والتضخم في أنحاء العالم إلى الارتفاع وحولت الضغط إلى الولايات المتحدة وشركائها.
ويقول محللون أيضا إن هدف إيران ليس الانتصار في ساحة المعركة بل فرض معاناة اقتصادية. ويقولون إن الحرب إذا أصبحت غير محتملة اقتصاديا، فإن البقاء نفسه يصبح انتصارا.
ومن شأن إنهاء الحرب سريعا دون ضمانات أمنية أن يترك دول الخليج عرضة للاستهداف، مع احتمال ألا يقتصر أي رد إيراني في المستقبل على المنطقة.
وتحتفظ طهران بالقدرة على تفعيل شبكات عالمية شكلتها على مدي عقود لاستهداف مصالح إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما بعيدا عن ساحة المعركة.
وقال رانستورب “لم يبدأوا بعد، لكن لديهم قدرة هائلة على معاقبة الولايات المتحدة وإسرائيل”، واصفا إيران بأنها تهديد متعدد الأوجه يمكن أن تمتد أذرعه إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط.
ويخيم هذا التهديد على أي انسحاب أمريكي. فإذا انسحبت الولايات المتحدة، ومع اعتماد العمليات الإسرائيلية بشكل كبير على الدعم الأمريكي، فلن تعتبر طهران هذه النتيجة هزيمة.
ويقول محللون من المنطقة إن النظام الديني سيكون بذلك قد صمد ولن يتغير ميزان القوى بشكل جذري وسينظر إلى إيران في المنطقة على أنها أكثر خطورة من ذي قبل.
(إعداد محمد أيسم وحاتم علي ومحمد علي فرج وسلمى نجم للنشرة العربية – تحرير سها جادو)