حين يستعيد السويسريون مراهقتهم على وقع محرّكات قديمة
في سويسرا، شكّلت الدراجة النارية الخفيفة (الموبيليت) لسنوات طويلة، أول بوابة إلى الاستقلالية والحرية بالنسبة إلى كثيرين وكثيرات. وبعد فترة من التراجع، تعود هذه المركبات اليوم بقوة، لا سيما في الجهات الناطقة بالألمانية، مدفوعة بمزيج من الحنين إلى الماضي، وشغف متجدد بثقافة الطرق المفتوحة.
ويركّز هذا التحقيق الصحفي المصوّر على تجمعات عشّاق «التوفلي» (Töffli) في الهضبة السويسرية، حيث تمتزج أصوات المحركات ثنائية الأشواط برائحة الوقود المختلط بالزيت، في مشهد يستعيد أجواء سبعينات القرن الماضي وثمانيناته.
شغف يتحوّل إلى إدمان
اختار كلاوديو لانغ دراجة من طراز «كوندور–بوخ X30» لجولته. للوهلة الأولى، تبدو الدراجة كلاسيكية؛ هيكل أحمر، خزان وقود، ورفارف مطلية بالكروم، وعجلات بأسلاك معدنية. لكن تكشف نظرة أقرب، تعديلًا مهمًا؛ علبة تروس بأربع سرعات. وأمام مرآب منزله قرب أولتن، يقول مبتسمًا: «عدّلتها مع أحد أصدقائي… لا أريد الاضطرار إلى استخدام الدواسات عند صعود المرتفعات».
ويفتخر بانتمائه إلى «التوفليبويبي»، الاسم الذي يطلقه عشاق هذه الدراجات الكلاسيكية وعاشقاتها على أنفسهم. وعلى الطرق الريفية، يمكن مصادفة مجموعات منهم خلال رحلات جماعية منتظمة.
ويضم مرآبه عشرات الدراجات من علامات مختلفة، منها «بياجيو»، و«ساكس»، و«هيركوليس»، و«بوخ». ويقول كلاوديو: «أجمل ما في هذه الهواية، إعادة إحياء الدراجات القديمة. البحث عن قطع الغيار مرهق أحيانًا، لكنه جزء من المتعة».
روح جماعية تتحدى الفوارق
في ثمانينات القرن الماضي، كان كلاوديو مراهقًا. وكانت تلك الحقبة تمثّل العصر الذهبي للدراجات النارية الخفيفة. وكان أيضًا يملك إحداها، لكنها رُكِنَت في زاوية من المنزل قبل بيعها، لأن حلمه آنذاك كان امتلاك دراجة “هارلي-ديفيدسون” (Harley-Davidson).
ولا تزال “الهارلي” بحوزته حتى اليوم، لكنها كادت تلقى المصير نفسه الذي لقيته دراجته الأولى. ويقول: “لم تعد قيادة الهارلي تمنحني المتعة نفسها. أما بالنسبة إلى الدراجة النارية الخفيفة فالأمر مختلف تمامًا. لا يمكنك شراؤها جاهزة، بل عليك إصلاحها بنفسك. وإذا لم تجد قطع الغيار، تلجأ إلى الأصدقاء ليساعدوك في تصنيعها أو تعديلها عبر الطحن والتكييف، لأن كثيرًا منها لم يعد متوفِّرًا. وهذا ما يجعل روابط الصداقة أقوى”.
المزيد
العقوبات والخصوصيات في قانون السير السويسري
في مطلع شهر يونيو، اجتمع عشاق الدراجات النارية الخفيفة في بلدة ترمباخ، في كانتون سولوتورن، للمشاركة في تجمّع “إيزيباهنلي-توفلي-جي- بي” (Isebähnli-Töffli-GP). وبفضل هذا الحدث، تستعيد طرقات جبال الجورا، والهضبة السويسرية هدير المحركات ثنائية الأشواط، ودخانها الأزرق المتصاعد. وذلك منذ عشر دورات.
وشارك أكثر من 300 من الهواة في جولة بطول 90 كيلومترًا، حيث كانت الأغلبية تحمل زجاجات تحتوي على خليط من الوقود والزيت، على حاملات الأمتعة. ولم يغب كلاوديو عن هذا الحدث، إذ صرح: “لم أفوّت أي دورة”. وبهذه المناسبة، ارتدى سترة جينز دونَ أكمام مزينة برقع وشعارات تذكّره بالتجمعات التي حضرها في سويسرا، وخارجها. كما أخذ معه أسلاك دواسة الوقود، والمكابح، وسلاسل، وبخاخًا لإصلاح الإطارات بشكل مؤقت. ويضيف: “إذا واجه شخص ما مشكلة، أتوقف لمساعدته. فهذه أيضًا إحدى القيم التي تجمعنا”.
ويعتبر مارتين سولتسر، رئيس اللجنة المنظمة، أن سر نجاح هذا الحدث يكمن في الروح الجماعية السائدة فيه. إذ بدأ تجمّع “جي-بي” عام 2017 بمشاركة حوالي 140 شخصًا. ثم تطور تدريجيًا ليشمل مشاركين ومشاركات من مختلف أنحاء البلاد، بما فيها وسط سويسرا، وكانتون غراوبوندن، وتيتشينو، والمناطق الناطقة بالفرنسية.
ويشير: “تزيل الدراجة النارية الخفيفة الفوارق الاجتماعية، وتجعل الجميع متساوين ومتساويات. فيصبح مدير البنك مثل عاملة المنازل، والمتقاعد مثل المراهق. أما بالنسبة إلي اليوم، فهي تمثل آلة زمن تعيدني إلى أيام كان عمري فيها 14 عامًا”.
عودة الحصان المعدني إلى الساحة
لطالما ارتبط صوت المحرك ثنائي الأشواط بثقافة الشباب، خاصةً بين ستينات القرن الماضي وثمانيناته. وفي بعض المناطق في سويسرا، استمر شغف الدراجات النارية الخفيفة بعد تلك الفترة حتى يومنا هذا. فقد كانت الدراجة النارية تُعبر عن حرية الشباب، حيث يتطاير الشعر وتُرتدى الأحذية الرياضية مع سترة جينز مفتوحة، بينما تتردد الموسيقى الصاخبة من جهاز الـ”ووكمان” في الآذان.
وكانت بمثابة مفتاح يسمح بالدخول إلى عالم مجهول، مليء بالإثارة والاكتشاف. ففي سن الرابعة عشرة، أصبح بإمكان المراهقين والمراهقات أخيرًا مغادرة شوارع قراهم الهادئة والتوجه إلى أقرب مدينة كبيرة أو إلى الملهى الليلي أو إلى عالم الكبار. ويتذكر مارتين سولتسر قائلًا: “بفضل الـ«موفا»، أصبح بإمكاننا أخيرًا الذهاب إلى لوتسيرن، حيث كان هناك مطعم ماكدونالدز. ثم بدأنا نعدّل المحركات من أجل اختصار الوقت الذي كنّا نمضيه في الطريق.
ومنذ ذلك الحين، ظهر عنصر آخر زاد من حماسنا؛ الخوف من أن تضبطنا الشرطة”. ففي ذلك الوقت، كان العديد من مالكي الدراجات النارية الخفيفة ومالكاتها يُجرون تعديلات غير قانونية على المحركات لتجاوز الحد الأقصى المسموح به للسرعة، وهو 30 كيلومترًا في الساعة.
في هذا الفيديو الأرشيفي الذي أعدته قناة RSI عام 1979، والذي تم تصويره في لوغانو، يقوم رجال الشرطة بفحص الدراجات النارية الخفيفة بدقة للتحقق من عدم وجود أي مخالفات.
لقد ولّت تلك الحقبة. فقد ساهم اعتماد كاتم الصوت المزوّد بمحوّل حفاز والذي جعل الدراجات النارية الخفيفة أبطأ بكثير، وفرض ارتداء الخوذة، الذي قضى على إحساس الحرية المطلقة، إضافة إلى تزايد الوعي البيئي، في تراجعها التدريجي والمستمر.رابط خارجي لكن القصّة لم تنته هنا. فوفقًا لبيانات المكتب الفدرالي للإحصاء، تشهد الدراجة النارية الخفيفة اليوم عودة ملحوظة، خاصةً في بعض الكانتونات الناطقة بالألمانية. ففي كانتون زيورخ، ارتفع عدد الدراجات النارية الخفيفة المسجلة من نحو 12،100 دراجة عام 2015 إلى 17،350 دراجة عام 2025، أي بزيادة تجاوزت 43% خلال عشر سنوات فقط. كما سجلت كانتونات غرابوندن، ولوتسيرن، وسولوتورن زيادات تقارب 30%.
الحنين إلى الماضي
واللافت في هذه التجمعات هو الحضور القوي لمن تجاوزوا الستين، في محاولة لاستعادة سنوات الشباب. لكن أجبرت زيادة الوزن بعضهم على النزول من دراجاتهم عند الطرق الأكثر انحدارًا، ودفعها حتى بلوغ القمة. وخلال فترات الاستراحة، وبين فنجان قهوة وشطيرة من نقانق البراتفورست، تتداخل ذكريات الماضي البعيد والقريب؛ أول قبلة على متن الدراجة، والمحرك المعدَّل سرًا، والفرحة بالعثور على قطعة غيار كان الجميع يعتقد اختفاءها إلى الأبد.
ويستمع كلاوديو ويضحك ويروي الحكايات. وفي منزله، لا تزال تنتظره عدة دراجات تحتاج إلى الترميم. لكن أوشك المرآب على الامتلاء، ولن يكون التخلي عن تلك القطع، التي تمثل جزءًا من حياته، سهلًا عليه.
ومع ذلك، هناك دراجة واحدة ستبقى في مكانها مهما حدث، الدراجة التي أهداه إياها ابنه وأصدقاؤه، بمناسبة عيد ميلاده الخمسين. ويقول: “تربطني علاقة خاصة بهذه الدراجة بطبيعة الحال”. ثم يبدأ بالتفكير مجددًا بالرحلة المقبلة. ففي كل عام، يجوب مع أصدقائه منطقة مختلفة من سويسرا. ويتولى أحدهم تنظيم جدول الرحلة، وحجز الفنادق، وتأمين الشاحنة التي ستنقل أمتعتهم. وبعدها، ينطلق الجميع معًا بهدوء على وقع هدير المحركات المتقطعة، تاركين خلفهم سحابة من الدخان زرقاء خفيفة.
في سويسرا، تُعتبر الدراجات النارية الخفيفة الحديثة منتجًا متخصصًا يستهدف فئة معينة في السوق. وشركة “أمسلر وشركائه” (Amsler & Co.) هي آخر مصنع سويسري في هذا المجال، وتقع في بلدة فويرتهالن، ضمن كانتون زيورخ. بدأت هذه الشركة بإنتاج دراجات “بوني” منذ عام 1995، بعد إطلاق العلامة التجارية لأول مرة عام 1961.
وتستمر الطرازات الحالية، “جي تي إكس” و”كروس”، في الالتزام بالمواصفات التقليدية المميزة لهذه الدراجات. فهي مزودة بمحرك “بيتا” ثنائي الأشواط بسعة 49 سنتيمترًا مكعبًا، وعلبة تروس أوتوماتيكية ذات سرعتين، وتصل سرعتها القصوى إلى 30 كيلومترًا في الساعة. بالإضافة إلى ذلك، تحتوي على كاتم صوت مجهّز بمحوّل حفاز. كما يمكن تزويدها، عند الطلب، بنظام تشغيل كهربائي، وإشارات انعطاف، وضوء للمكابح، وزامور.
تحرير: زينو زوكّاتيلّي
تدقيق ومعالجة: عبد الحفيظ العبدلّي
التدقيق اللغوي: لمياء الواد
متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة
المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"
يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!
إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.