The Swiss voice in the world since 1935
أهم الأخبار
أهم الأخبار
الديمقراطية السويسرية
النشرة الإخبارية
أهم الأخبار
نقاشات
أهم الأخبار
النشرة الإخبارية

المدن الذكية السويسرية: وعد بفعاليّة عالية والثمن بيانات شخصية

شخص يحمل هاتفاً محمولاً في مكان عام
تعتمد التقنيات الذكية على جمع كميات هائلة من البيانات وتحليلها، بما فيها البيانات الشخصية، التي غالبًا ما تتم إدارتها بطريقة تفتقر إلى الشفافية في نظر الجمهور. Keystone

تسعى المدن السويسرية إلى زيادة "ذكائها" وفعاليّتها، لتصبح أكثر ملاءمة للمواطنين والمواطنات. لكنّها تعتمد بشكل متزايد على الشركات الخاصة، والبيانات الشخصية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، غير الخاضعة لتنظيم كافٍ. فمن يتحكّم بالأنظمة الحضرية؟ وما الضمانات المتوفّرة للسكان؟

تستثمر المدن السويسرية في التقنيات الرقمية لتصبح أكثر كفاءة، وجودة للعيش. وتحلم بأن توفّر لسكانها مواقف للسيارات خلال لحظات، وخدمات عامة بنقرة واحدة، وحلّ الاختناقات المرورية حال وقوعها. وتُعتبر مدينة زيورخ نموذجًا للابتكار الحضري، وإحدى أكثر المدن الذكية تطورًا في العالمرابط خارجي. ويقول دافيد فيبر، المسؤول عن مشروع المدينة الذكية فيها: “نريد أن تكون زيورخ مدينة مستدامة، اجتماعية، وأقل ازدحامًا”.

ومع ذلك، تعتمد التقنيات الذكية على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات، منها الشخصية، المستخدمة بطريقة تفتقر غالبًا إلى الشفافية من وجهة نظر المواطنين، والمواطنات. كما تعتمد العديد من هذه الأنظمة على حلول تطورها شركات خاصة، منها شركات تكنولوجيا عالمية كبرى، لا سيما في ما يتعلق بالبنية التحتية السحابية.

ويشرح فيبر قائلًا: “الاعتماد على شركات التكنولوجيا الكبرى شائع في زيورخ، كما هو الحال في أماكن أخرى. نحن ندرك ذلك، ونبذل كلّ ما في وسعنا للحدّ منه”.

تراجع الرقابة في المجتمعات الديمقراطية

بسبب الرقمنة المتزايدة، بات صعبًا على المواطنات والمواطنين إدراك حجم البيانات المجموعة عنهم، ومعرفة الجهات التي تجمعها. ويكون الناس في دول ديمقراطية، كسويسرا، حيث الثقة الكبيرة بالمؤسسات، أقل حذرًا تجاه جمعها. وذلك وفقًا لياسمين دال أنيولا، الأستاذة في جامعة زيورخ والمتخصصة في المدن الذكية والمراقبة والتسلّط.

وتقول: “لا يزال لدينا في سويسرا نوع من السذاجة يدفعنا إلى الاعتقاد باستحالة استخدام بياناتنا ضدنا في مجتمع ديمقراطي”. وتشير إلى قانون التخزين السحابي الذي يخوّل السلطات الأميركية من الوصول إلى البيانات التي تمتلكها شركات التكنولوجيا الأميركية، حتى وإن كانت مخزَّنة في سويسرا. وتضيف: “قد يظن المواطنون والمواطنات أنَّ القانون السويسري يحمي بياناتهم، لكن في الحقيقة يمكن التوصل إليها عبر نظام قانوني آخر”.

ومع التوسع المتزايد في دمج الذكاء الاصطناعي بالخدمات العامة القائمة على الشرطة والخدمات الاجتماعية، يصبح فهم آلية اتخاذ القرارات القائمة على الخوارزميات، وكيفية الطعن فيها، أصعب.

وتضيف دال أنيولا: “لم تعد المشكلة تقتصر على من يجمع البيانات، بل أصبحت تتعلق بمن يسيطر على الخوارزميات التي يستند إليها الذكاء الاصطناعي”.

مدن تتحوّل إلى مصانع بيانات

ويعتمد الاقتصاد السويسري على البيانات بشكل متزايد. ففي عام 2024، كان هناك أكثر من 73 مليون جهاز رقمي متداول، بمعدل 8،5 أجهزة لكل شخص، وهو من أعلى المعدلات في العالم. وهذا يولّد تدفقات هائلة من المعلومات، خاصة في المناطق الحضرية، ما يؤدي إلى توسع مراكز البيانات.

وتشارك المدن السويسرية بفعالية في هذا التحول. فوفقًا لاستطلاع “المدينة السويسرية الذكيةرابط خارجي“، أطلقت 124 مدينة مشاريع “ذكية”، لا سيما في مجالات الاستدامة البيئية، والتنقل، والإدارة الرقمية. وجميع هذه المجالات تعتمد على جمع كميات كبيرة من البيانات، بما في ذلك بيانات قد تكون حساسة، كتلك الناتجة عن أنظمة تحديد المواقع (GPS) الخاصة بالمركبات.

وتساهم تقنيات مثل الكاميرات وأجهزة الاستشعار على جانب الطريق في تحسين حركة المرور والحفاظ على سلامة المشاة وراكبي الدراجات. لكنها قد تتطور وتتدخل أكثر في الحياة الخاصة.

ويقول فران مايسنر، الباحث في التكوينات الاجتماعية الحضرية في جامعة توينتي في هولندا: “من المقلق إمكانية استخدام تقنيات تحديد المواقع وتفعيل الضوء الأخضر عند الإشارة لأغراض أخرى كثيرة”.

ويحذر مايسنر من أن تراكم البيانات الناتجة عن هذه الأنظمة قد يسمح بتتبع الأفراد، والتعرف عليهم خلال تنقلاتهم اليومية، ودون علمهم أو موافقتهم. ويشرح قائلًا: “المسارات التي نسلكها كل يوم شخصية إلى حدّ يسهّل عمليّة التعرف علينا”.

ويضيف، يصبح أكثر إثارة للقلق عندما تستخدم السلطات أنماط الحركة لإنشاء ملفات تعريف للمخاطر، استنادًا إلى تحليلات الذكاء الاصطناعي. وذلك مثلًا، انطلاقًا من أنظمة المراقبة بالفيديو (CCTV) التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتطبّق عدة مدن سويسرية أنظمة رقمية طورتها شركات خاصة بهدف إدارة حركة المرور. فمثلًا، تستخدم مدينة جنيف أدوات ذكاء اصطناعيرابط خارجي تراقب المشاة والدراجات، والمركبات، عند التقاطعات عبر الكاميرات، بهدف تقليل الازدحام. أمَّا مدينة زيورخ، فتعمل على تطوير نموذج افتراضي أو “توأم رقمي” لحركة المرور في المدينة، مستخدمة كميات هائلة من البيانات لافتراض حركة السير، وتحسينها.

ووفقًا لمجلة “إنسايد آي تيرابط خارجي” المتخصصة في هذا المجال، قد يرتبط هذا النظام مستقبلًا بمنصات خاصة مثل خرائط جوجل، ووايز، وتوم توم، ما يثير تساؤلات حول احتمال إدخال بيانات التنقل الخاصة إلى البنى التحتية العامة.

كاميرات مراقبة مزودة بأجهزة استشعار لحركة المرور
بالفعل، تسمح تقنيات مثل كاميرات المراقبة، وأجهزة الاستشعار المرورية بتحسين انسيابية حركة المرور. لكنّها قد تتطوّر أيضًا لتصبح أنظمة أكثر تدخّلًا. Keystone

المراقبة وتحقيق الأرباح

لذلك، ليست المراقبة الحضرية سيناريوًا بعيد التطبيق، حتى في المجتمعات الديمقراطية. وتقول باربرا جينكينز، الأستاذة في مجال الاقتصاد السياسي في جامعة ويلفريد لورييه في كندا: “بحكم تعريفها، تقوم تقنيات المدن الذكية على المراقبة. وهذا يجب أن يثير القلق أينما تمّ استخدامها”.

وتشير أيضًا إلى تحقيق هذه التقنيات أرباحًا كبيرة. فتستفيد السلطات المحلية من جعل العديد من الخدمات العامة آلية، وبناء سمعة للمدن ذات التكنولوجيا العالية بهدف جذب الاستثمارات. أمَّا الشركات، فتجني الأرباح من خلال بيع أجهزتها وبرامجها، إضافة إلى جمع بيانات قيّمة للغاية.

وتوضح جينكينز قائلة: “تحقّق شركات الذكاء الاصطناعي أكبر الأرباح. فلا تبيع أدواتها فحسب، بل تتمكَّن أيضًا من الوصول إلى كميات بيانات حضرية هائلة لتطوير خوارزمياتها”.

ومن الأمثلة البارزة، مشروع “سايدووك تورونتو”، التابع لشركة “سايدووك لابز”، المملوكة من قبل “ألفابيت”، شركة جوجل الأمّ. وكان يهدف إلى بناء حيّ ذكيّ في مدينة تورونتو، يعتمد على جمع البيانات الحضرية على نطاق واسع، وتحليلها. لكنّه أُلغي عام 2020، بعد انتقادات حادّة من السلطات المحلية، والمجتمع المدني بسبب المخاوف المتعلِّقة بإدارة البيانات، والخصوصية، ودور شركة “ألفابيت” المهيمن.

السلطة بيد الشركات

وتعتبر جينكينز أنّ مشاريع من هذا النوع قد تنجح في تغيير ميزان القوى من خلال وضع السلطة بيد الشركات الخاصة بدلاً من الدولة، خصوصًا في البيئات المفتقِرة إلى التنظيم الكافي.

وتقول: “عندما تكون رقابة السلطات البلدية أو الإقليمية محدودة، تكون الشركات مستعدة للتدخل بسياسات تخدم مصالحها الخاصة”.

وفي تورونتو، لم تحاول شركة “ألفابيت” التأثير في التطوير التكنولوجي فقط، بل في السياسات التنظيمية في مجالات مثل النقل، والإسكان، وإدارة البيانات أيضًا. وذلك من خلال خطّة مؤلّفة من 1،524 صفحةرابط خارجي.

وفي غياب قوانين واضحة، تُطرَح تساؤلات عديدة حول الجهة المالكة للبيانات المجموعة في الأماكن العامة، وما إذا كان يحقّ للشركات المطالبة بملكيّتها.

وتتساءل جينكينز: “لماذا يجب على الشركات الخاصة المطالبة بملكية البيانات الناتجة عن أماكن مموَّلة من المال العام، مثل الطرقات والأرصفة؟”.

السلطات العامة هي المسؤولة الوحيدة

وفي سويسرا، تخضع حماية البيانات لتنظيم على المستويين الفدرالي، والكانتوني. وفي كانتون زيورخ، يتعيّن على السلطات العامّة تقييم المخاطر المتعلّقة بالخصوصية في كل مشروع رقمي. وإذا كانت المخاطر مرتفعة، كما في استخدام تقنيات جديدة أو أنظمة تشمل عددًا كبيرًا من الأشخاص، يصبح إجراء مراجعة مسبَّقة ضروريًّا على الجهة المكلَّفة بحماية البيانات.

ومع ذلك، تعترف دومينيكا بلونسكي، المسؤولة عن حماية البيانات على مستوى الكانتونات، بجعل الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي هذا التقييم أكثر صعوبة. وتقول: “من المعقد فهم طريقة معالجة أنظمة الذكاء الاصطناعي للبيانات قبل اتخاذ قرارات آلية من خلالها”. كما تحذَِر من خطر وصول جهات خارجية إليها، دون تصريح.

وفي الوقت نفسه، لا تشترط السلطات إبلاغ المواطنات والمواطنين بمشاريع الابتكار الحضري أو بالشركاء من القطاع الخاص المشاركين فيها، حتى عند استخدام البيانات الشخصية لإعداد الملفات التعريفية. كما لا تملك هيئة حماية البيانات صلاحية فرض عقوبات مباشرة على الشركات الخاصة المزوِّدة للخدمات.

وتلاحظ بلونسكي قائلةً: “تبقى الجهة العامة المسؤولة الوحيدة عن معالجة البيانات، حتى عندما تشارك فيها أطراف ثالثة”.

شفافية محدودة

ولا تزال سويسرا وجهة جذّابة جدًا لشركات التكنولوجيا. وتستضيف زيورخ العديد من عمالقة القطاع مثل جوجل، وميتا، ومايكروسوفت.

لكن، بحسب ديرك هيلبينغ، أستاذ العلوم الاجتماعية الحاسوبية في المعهد التقني الفدرالي العالي بزيورخ، يبقى دورها في الابتكار الحضري مُبهمًا. ويقول: “من غير الواضح ما هي المنتجات والخدمات التي تطورها هذه الشركات هنا، ولا دورها في مشاريع الرقمنة الخاصة بالمدينة”.

وتوفّر زيورخ بعض الأدوات لضمان الشفافية، مثل منصّات البيانات المفتوحةرابط خارجي، وقائمةرابط خارجي بكاميرات المراقبة العامة، ونموذج ثلاثي الأبعادرابط خارجي للمدينة. كما تتولّى مدينة زيورخ منصة تشاركيةرابط خارجي تسمح للمواطنات والمواطنين بالتصويت على المشاريع المحلية. ومع ذلك، ليس هناك نظرة عامّة شاملة، ومتاحة بشأن التقنيات، والشركاء في مشاريع المدن الذكية.

وفي رسالة إلكترونيّة، يشرح دافيد فيبر، المسؤول عن مشروع “سمارت سيتي زيورخ” قائلًا: “ليست طريقة إدارة التطبيقات الفردية والبرمجيات مركزية”.

وبالنسبة إلى هيلبينغ، يجب اطّلاع السكان بشكل أفضل على كيفيّة إنفاق الأموال العامّة، ومن يستفيد منها، وما الذي تفعله الشركات بالبيانات الواصِلة  إلى خوادمها. ويضيف: “هناك فجوة واضحة بين الخطابات المروِّجة لمدى “ذكاء” المدن، وبين ما يعرفه الجمهور فعليًا. نحن بحاجة إلى قدر أكبر بكثير من الشفافية”.

تحرير: فيرونيكا دو فو

ترجمة: إيفون صعيبي

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

قراءة معمّقة

الأكثر مناقشة

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية