The Swiss voice in the world since 1935
موجز شخصي

سجّل الدخول لإضافة مواضيع إلى موجزك.

سجل الآن
قائمة المفضلة

سجّل الدخول لإضافة مقالات إلى قائمتك المحفوظة.

سجل الآن

الأجراس السويسرية… من مراعي جبال الألب إلى حلبة الصراع السياسي

شخص مستلقٍ، محاطًا بأجراس
لحظة استراحة مستحقة خلال المهرجان الفيدرالي الأخير لعازفي الأجراس، يوم الأحد 23 أغسطس في شوبفن. Peter Schneider / Keystone

في كانتون فريبورغ، تمتهن عائلة بروغر منذ ثلاثة أجيال صناعة الأجراس، التي تعد رمزًا من رموز الثقافة الريفية السويسرية. لكن منذ بدء الجائحة، تحوّلت هذه الأجراس إلى وسيلة تعبير عن الاحتجاج الجماهيري. فيما يرى عالمٌ في الإثنولوجيا أنّ هذا التحوّل في وظيفتها يطرح إشكالًا.

قبل رؤية مسبكِ بروغر بالعين، يُسمع صوتُه أولًا، ثم تُشمّ رائحتُه. ما إن نزلنا من الحافلة في فيلار سور غلان، على مشارف فريبورغ، حتى تناهى إلينا صوتُ المطرقة تدقّ الصفائح المعدنية.

وعند مدخل الورشة، غمرتنا رائحة الدخان والفحم والمعدن المنصهر. استقبلنا ألكسيس بروغر مصافحًا. ويمتاز هذا الشاب، البالغ من العمر 26 عامًا، بذراعين قويتين وضحكة معبّرة. بعد وفاة والده في عام 2019، ثم وفاة جده بعده ببضعة أشهر، تولى زمام أمور الشركة العائلية ممتهنة صناعة الأجراس منذ ثلاثة أجيال.

بعد رفع كلّ تكليفٍ في مخاطبتنا، بادر ألكسيس بالحديث: “لا يوجد أيّ تعليم خاص بهذه المهنة. إنها مهنة تُكتسب بالممارسة”.

في سنّ الثانية والعشرين، تخلّى عن مهنته كبلاّطٍ ليواصل، مع شقيقه أرنو في البداية، المشروع الذي بدأه جده ماريوس قبل حوالي خمسين عامًا.

يقول: “لم تكن لدي أيّ تجربة. كان أخي الأكبر قد عمل مع والدنا لمدة خمس سنوات تقريبًا. لكنه لم يتعلم أبدًا سبك الأجراس. أما أنا فقضيت العديد من أيام نهاية الأسبوع في التعلّم والتجريب. وبعد ستّة أشهر من المحاولة، تمكنت أخيرًا من صنع جرسٍ واحد”.

ويضيف وهو ينفجر ضحكًا: “بعضها تبخر في الهواء في نوبة غضب”. ولفترة طويلة، كان كل ما يصنعه ينتهي في سلّة المهملات. أما بالنسبة إلى الأجراس البرونزية، فقد كان بإمكانه إعادة صهرها وإعادة استخدام المادة الأوّلية.

ويقول متذكّرًا: “كانت عملية طويلة تطلبت صبرًا كثيرًا. وقد استفدت من ذلك، لأن الصبر ليس من نقاط قوتي حقيقةً. فقد علّمتني هذه المهنة العمل على تكوين نفسي أيضًا”.

واليوم، أصبح ألكسيس يتقن فنه إتقانًا تامًا. ومع ذلك، لا يكّف عن التجريب في ورشته في سعي دائم نحو التميّز والتفوّق.

يقول: “ما زلت أتعلّم. لبلوغ درجة الكمال، لا توجد أيّ وسيلة لاختصار الزمن، لأن الأمر يتطلب سنوات من الخبرة”.

أربعة آلاف ضربة مطرقة

تروي الورشة أيضًا قصة عملٍ شاق يُسيل عرق ألكسيس. فتجدر الإشارة إلى تطلُّب صنع جرسٍ واحد حوالي 4 آلاف ضربة مطرقة.

فبعد تسخينها إلى حوالي 700 درجة، تُخرج الصفيحة الفولاذية من الفرن بواسطة ملقط، ثم تُطرق على قالب مقعّر. وعند فقدانها رخاوتها وقابليتها للتشكيل، تُعاد إليه. وتُكرر هذه العملية حوالي عشر مرات.

ولا يمثل الصهر سوى مرحلة واحدة ضمنَ مراحل عديدة أخرى. فلابد من اللّحام بالنحاس وتسوية التفاوتات، ولحام النصفين معًا، وتثبيت دعامات الناقوس والطوق الجلدي، والصقل بالرمل، والتلوين، بالإضافة إلى سلسلة كاملة من العمليات الأخرى.

ويشير ألكسيس إلى استغراق صنع جرسٍ واحد حوالي يومٍ كامل، ويقول: “لا يوجد جرس يشبه جرسًا آخر تمامًا، لأن كلّ قطعةٍ تُصنع يدويًّا بالكامل”.

وتسوّق الورشة منتجاتها تحت العلامة التجارية “بول موريي دي مورغ”، وهي علامة مرموقة ورثها جده ماريوس. ويقترن هذا الاسم بالجودة والأصالة، ويحظى بتقدير كل من جمعيات مربيي الماشية ومربياتها، ومنظمي المهرجانات الشعبية الكبرى ومنظماتها، وقارعي الأجراس الضخمة وقارعاتها.

عندما يصبح الجرس تعبيرة سياسية

بعد خروج الجرس من المسبك، يمكنه اتّخاذ صفات ومعانٍ متباينة تمامًا. فيستحضر رنينُه في الذاكرة المناظر الطبيعية الخلابة، وأبقارًا منتشرة في المراعي، وتقاليد جبال الألب. لكن إلى جانب كلّ ذلك، اكتسب هذا الصوت دلالة أخرى في السنوات الأخيرة.

فخلال الجائحة، حوّلته مواكب المسمّى “فريهيتستريكلر” (Freiheitstrychler)  “قارعو الحرية وقارعاتها” (حيث تعني كلمة “تريكلر” الجرس في اللهجة السويسرية الألمانية)، المشاركة في المظاهرات ضد الإجراءات الصحية، إلى رمزٍ للاحتجاج. وهو ما أضفى بُعدًا سياسيًا على آلةٍ تقليدية يقتصر الاعتناء بها في الاوساط الريفية.

وفي هذا الصدد، يؤكد كونرادرابط خارجي كوهنرابط خارجي: “ليس الجرس محافظًا ولا تقدميًا”. وكوهن متخصّص في الثقافة الشعبية وعلم الإثنولوجيا ويُدرِّس في جامعة بازل، كما يشغل منصب أستاذ مشارك في جامعة إنسبروك في النمسا.

ويعتبر السياق هو المُحدِّدُ لمعناه قبل كل شيء. ويوضح ذلك بقوله: “هناك فرقٌ كبير بين جرس يُستخدم لتشجيع المنتخب الوطني لكرة القدم، وجرس يُستخدم في مظاهرة”.

نجد ذلك أيضًا عند اقترانه بالعادات المحلية، كما هو الحال في هاسليتال، في أوبيرلاند التابعة لكانتون برن، حيث يطرد قارعو الأجراس وقارعاتها الأرواح الشريرة بين عيد الميلاد ورأس السنة الجديدة، أو خلال عيد “شالاندامارزرابط خارجي” المُحتفَل به في إينغادين ويصادف نهاية فصل الشتاء في غراوبوندن. يقول عالم الإثنولوجيا: “في هذه الحالات، لا تحمل المواكب أيّ مغزًى سياسي أبدًا”.

أشخاص يحملون أجراسًا
كريستوف بلوشر، زعيم الاتحاد الديمقراطي الوسطي وعضو المجلس الفيدرالي في الفترة من 2004 إلى 2007، خلال الحملة ضد انضمام سويسرا إلى المنطقة الاقتصادية الأوروبية في نوفمبر 1992. Keystone

ويستطرد محدّثنا قائلًا: “في سويسرا، يسعى حزب الشعب (يمين محافظ) إلى توطيد علاقاته مع العالم الريفي من خلال توظيف رموزه سياسيًا”، مشيرًا إلى عدم حظوة التراث، على عكس العلامة التجارية، بأيّ حماية.

ويضيف بنبرة ساخرة: “نتمنّى مشاهدة موكبٍ من مواكب “تريكلر” على هامش مؤتمر لحزب الخضر. فسيثبت هذا أنّ رنينه لا يحمل أيّ رسالة سياسية”.

التقاليد ملكٌ للجميع

يؤكد كونراد كوهن: “التقاليد تتطوّر. لقد بقي صوت الجرس كما هو على مر القرون. ما يتغيّر هو الدلالة التي نضفيها عليه. المهم ألا تُختزل هذه الرموز في قراءة سياسية بحتة”.

ومع ذلك، يرى محدثنا أنّ هذا ما حدث تمامًا خلال الجائحة، حين استخدامها ممارسةٌ ثقافية للدفاع عن موقفٍ سياسي محدد. وفي رأي عالم الإثنولوجيا، يمثّل هذا الاستغلال السياسي مشكلة لخلقه حاجزًا بين مؤيّدي هذه الرسالة ومؤيداتها، والراغبين والراغبات في الحفاظ على التقاليد.

أشخاص يحملون أجراسًا ورجال شرطة
مجموعة من «Freiheitstrychler» خلال مظاهرة غير مرخصة في 5 فبراير 2022 في سانت غال. Keystone

ويؤكد قائلًا: “الممارسات الثقافية ملكٌ للجميع، وينبغي أن تظل منفتحةً وشاملةً للجميع. وعندما تتحوّل إلى أدوات للانقسام، لن تكون المشكلة سياسية فقط. فإذا اقترنت إحدى التقاليد بحركةٍ احتجاجية ما، فقد تفقد من جاذبيتها، وقد تهزل وتتلاشى من جراء ذلك”.

ويستشهد الباحث بالمصارعة السويسرية، التي تحظى بشعبية كبيرة في منطقة سارين، وأخذت منحى معاكسًا. يقول: “في الماضي، كانت هذه الرياضة حكرًا على الأشخاص المستقرّة عائلاتهم في سويسرا منذ عدة أجيال. أما في السنوات الأخيرة، فقد انفتحت على الرياضيين والرياضيات المنحدرين من أصول مهاجرة، ما زاد من جاذبيتها”.

أمنية عالم الإثنولوجيا رؤية تطورٍ مماثلٍ عند قارعي الأجراس وقارعاتها، حتى يتخلصوا من الوصمة التي ألصقتها بهم بعض فئات المجتمع.

مسيّسة أم لا… الأجراس تحتفظ بكامل شعبيتها

إلى حدّ الساعة، لا تزال الأجراس تستهوي الناس. ففي مسبك بروغر، في فيلار سور غلان، لا يشكو ألكسيس من قلة العمل. وهو سعيدٌ بذلك رغمَ الحرارة، والغبار، والضجيج، وساعات العمل الطويلة التي يقضيها في الورشة.

يحكي، ويداه قد اسودّتا من الفحم: “منذ نعومة أظافري، كنت أعلم أنني سأمارس هذه المهنة. لا أقول إنها موهبة، لكنها بالتأكيد شغفٌ كبير ورثته عن والدي”.

ومع ذلك، فوالده هو الذي نصحه بتعلّم مهنة أخرى، وهي مهنة البلاّط. كان يقول له: “لا يوجد أيّ شيء مؤكّد، ولا تخلو الحياة من المفاجآت غير السارة”. كلمات كان لها صدًى خاص بعد رحيله المفاجئ.

في الفترة من 21 إلى 23 أغسطس، تستضيف بلدة شوبفن، الواقعة في منطقة سييلاند البرنية، المهرجان الفدرالي لقرع الأجراسرابط خارجي. ومن المنتظر حضور قرابة ثلاثة آلاف “تريكلر”، ينتمون إلى 190 جمعية قادمة من كافة أنحاء سويسرا.

وتُقام هذه التظاهرة، التي أنشئت عام 1979، كل ثلاث سنوات. وهي ليست مسابقة، بل احتفالٌ بتقليدٍ عريق. أكبر حدث فيها هو الموكب الكبير الذي يضم نحو ألفي مشارك ومشاركة يقرعون أجراسهم في تناغم تام.

كان ألكسيس، وهو يحكي قصته، يراقب باستمرار الصفيحة التي تركها في المسبك. وعندما تبلغ اللون المرجو، يمسكها بملقطه، ويضعها على القالب المقعّر، ثم يعاود الطرق عليها.

لقد تعلّم دائمًا أنّ الضربات التي يتلقاها الجرس كلّما زاد عددها، كلما كان رنينها أفضل. فهل هذا صحيح حقًّا أم مجرد أسطورة من أساطير المهنة؟ هو نفسه غير متأكد من ذلك.

ورغم ذلك، يواصل؛ ضربة تلو الأخرى. ويرافقنا هذا الطرق حتى خارج الورشة.

ترجمة: موسى آشرشور

مراجعة: عبد الحفيظ العبدلّي

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

متوافق مع معايير الصحافة الموثوقة

المزيد: SWI swissinfo.ch تحصل على الاعتماد من طرف "مبادرة الثقة في الصحافة"

يمكنك العثور على نظرة عامة على المناقشات الجارية مع صحفيينا هنا . ارجو أن تنضم الينا!

إذا كنت ترغب في بدء محادثة حول موضوع أثير في هذه المقالة أو تريد الإبلاغ عن أخطاء واقعية ، راسلنا عبر البريد الإلكتروني على arabic@swissinfo.ch.

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية

SWI swissinfo.ch - إحدى الوحدات التابعة لهيئة الاذاعة والتلفزيون السويسرية